Reading Time: 4 minutes

قبل واحد وعشرين عاماً، أعلن الباحثون عن المسودة الأولى لتسلسل الجينوم البشري الكامل. لقد كان ذلك إنجازاً هائلاً؛ لكن التسلسل كان يفتقد لحوالي 8% من الجينوم. الآن؛ يقول العلماء الذين يعملون معاً في جميع أنحاء العالم أنهم قد استوفوا أخيراً نسبة الـ8% المفقودة، ويمكن أن يغير ذلك مستقبل الطب برمّته.

ماذا يوجد في الجينوم؟

لطالما كان ترتيب تسلسل الجينوم البشري مشروعاً ضخماً له أهداف جديرة بالاهتمام. لماذا ا؟ عندما يفهم البشر شفرتهم الجينية بشكلٍ أفضل، يمكنهم صنع أدوية أفضل وأكثر تخصصاً. على سبيل المثال؛ يمكن أن يساعد ذلك في نوع الطب الذي يركز على الجينات، والذي اعتُمد عليه في صناعة أول لقاحاتٍ فعالة لفيروس كورونا.

يمتلك البشر 46 صبغياً، في 23 زوجاً، تمثل عشرات الآلاف من المورّثات -الجينات- الفردية. يتكون كل جين من عددٍ من الأزواج القاعدية المكونة من الأدينين والثايمين والجوانين والسيتوزين، وهناك مليارات من الأزواج القاعدية في الجينوم البشري.

في يونيو/تموز عام 2000، أعلن مشروع الجينوم البشري وشركة «سيليرا جينوميكس»، عن أول مسودة للجينوم البشري، وكان هذا نتيجة سنواتٍ من العمل التي زادت وتيرتها مع استمرار البشر في صنع أجهزة كمبيوتر وخوارزميات أفضل لمعالجة الجينوم. في ذلك الوقت؛ فوجئ العلماء بأنه من بين أكثر من 3 مليارات «حرف» فردي من أزواج القواعد، قدّروا أن البشر لديهم فقط 30 إلى 35 ألف جين، أما اليوم، فهذا الرقم أقل بكثير.

بعد ثلاث سنوات، أكمل مشروع الجينوم البشري مهمته في رسم خريطة الجينوم البشري بالكامل، وحدد مصطلحاته بهذه الطريقة: «التسلسل النهائي» هو مصطلح تقني يعني أن التسلسل دقيق للغاية -مع أقل من خطأ واحد لكل 10000 حرف- ومتجاور للغاية؛ حيث أن الفجوات الوحيدة المتبقية هي التي تتوافق مع المناطق التي لا يمكن حل التسلسل عندها باستخدام التكنولوجيا الحالية.

في ذلك الوقت؛ استخدم مشروع الجينوم البشري عمليةً تسمى «الصبغي الاصطناعي البكتيري»؛ حيث استخدم العلماء البكتيريا لاستنساخ كل قطعة من الجينوم، ثم دراستها في مجموعاتٍ أصغر. يتكون «الصبغي الاصطناعي البكتيري» الكامل من 20 ألف بكتيريا مُعدّة بعناية، وبداخلها جينات مستنسَخة؛ لكن عملية «الصبغي الاصطناعي البكتيري» تلك تفتقد بطبيعتها بعض أجزاء الجينوم بأكمله؛ وهذا السبب بحد ذاته كان مقدمةً رائعةً لما ساعد فريق العلماء الجديد على تحقيق ما حققوه.

إنجازٌ غير مسبوق

Shutterstock.com/smx12

ما الذي يكمن في سرية 8% من الجينوم الذي تركته مسودة عام 2000 للجينوم دون تسلسل؟ تتكون الأزواج الأساسية في هذا القسم من العديد والعديد من الأنماط المتكررة التي جعلت الدراسة باستخدام طريقة استنساخ البكتيريا أمراً صعباً للغاية.

لم تكن عملية «الصبغي الاصطناعي البكتيري» والنُهج الأخرى مناسبةً لنسبة 8% المتبقية من الجينوم بأكمله، فأجهزة تسلسل الحمض النووي الحالية، تأخذ أجزاء صغيرةً من الحمض النووي، وتفك تشفيرها، وتعيد تجميع اللغز الناتج. هذا يعمل بشكلٍ جيد مع معظم الجينوم؛ ولكن ليس في المناطق التي يكون فيها كود الحمض النووي هو نتيجة أنماط التكرار الطويلة.

إذاً؛ ما هو الاختلاف في الأساليب الجديدة؟ دعونا نلقي نظرةً أوليةً على ما هم عليه. تمتلك شركتا «باس بيو» ومقرها كاليفورنيا، و «أكسفورد نانوبور» ومقرها المملكة المتحدة تقنيات مختلفة؛ لكنها تتسابق نحو نفس الهدف.

تستخدم «باس بيو» نظاماً يسمى «هاي فاي»؛ حيث يتم تداول الأزواج الأساسية حرفياً كدوائر، حتى تتم قراءتها بالكامل وبدقة عالية. يعود تاريخ النظام إلى بضع سنوات فقط، ويمثل خطوةً كبيرةً إلى الأمام من حيث الطول والدقة لتلك التسلسلات الأطول.

بينما تستخدم «أكسفورد نانوبور» التيار الكهربائي في أجهزتها؛ حيث يتم ضغط خيوط أزواج القواعد من خلال ثقب نانوي مجهري، وجزيء واحد فقط في كل مرة؛ إذ يقوم التيار بضربها من أجل ملاحظة نوع الجزيء الذي هم عليه، ومن خلال تحريك كل جزيء؛ يمكن للعلماء تحديد الشريط الكامل.

في الدراسة الجديدة المنشورة في خادم «bioRxiv» للبيولوجيا، استخدم فريقٌ دولي مكوّن من حوالي 100 عالمٍ وباحث، تقنيات الشركتين السالف ذكرهما لمطاردة بعض الأقسام غير المعروفة المتبقية من الجينوم البشري.

غطى هذا المسح الجديد مساحةً مذهلةً جديدة من الجينوم البشري، فبحسب التقارير الأولية؛ إنه زاد عدد قواعد الحمض النووي من 2.92 مليار إلى 3.05 مليار قاعدة، بزيادةٍ قدرها 4.5%؛ لكن عدد الجينات زاد بنسبة 0.4% فقط ليبلغ 19.969. يوضح هذا حجم تسلسل أزواج القواعد المتكرر بشدة في هذه المنطقة مقارنةً بالجينات التي تمثلها.

الروابط المفقودة

Shutterstock.com/Ralf Maassen (DTEurope)

أوضح «جورج تشيرش»؛ عالم الأحياء في جامعة هارفارد، وعرّاب التسلسل الجيني- كما يُطلق عليه، أن هذا العمل لو تجاوز مراجعة الأقران بنجاح، فستكون هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها رسم خريطة كاملة لجينوم الفقاريات، ويبدو أن السبب ببساطة هو أن كلتا التقنيتين الجديدتين تسمحان بقراءة سلاسل طويلة جداً من أزواج القواعد في وقتٍ واحد.

لماذا تُعتبر المعلومات الجينية المفقودة مهمة للغاية؟ حسناً، تتعرض دراسة الجينات للكثير من المحسوبية؛ حيث تستحوذ مجموعة من الجينات الأكثر شيوعاً على الجزء الأكبر من الاهتمام بالبحوث وتمويلها. على سبيل المثال؛ تمتلك الجينات التي نُظر بأمرها كثيراً الكثير من الآليات الرئيسية التي تسبب الأمراض.

لكن هناك عقبة صغيرة واحدة، وكانت أيضاً عقبةً لإعلان عام 2000 عن المسودة الأولى للجينوم؛ وهي أن كلا المشروعين درس االخلايا التي تحتوي على 23 كروموزوماً فقط بدلاً من 46 كروموزوماً كاملاً، وذلك لأنها تستخدم خلايا مشتقة من الجهاز التناسلي؛ حيث يحمل كل من البويضات والحيوانات المنوية نصف الحمل الكامل للكروموزومات.

الخلية التي دُرست كانت خليةً مأخوذةً من إحدى حالات «الحمل الرحوي»؛ وهو نوعٌ من النمو التناسلي فيه يمثل اتحاداً مبكراً للغاية وغير قابل للحياة بين الحيوان المنوي وخلية البويضة التي لا تحتوي على نواة. إن اختيار هذا النوع من الخلايا؛ الذي تم الاحتفاظ به وزراعته كخطٍ خلوي يُستخدم لأغراض البحث، يقصّر حجم مهمة التسلسل الضخم إلى النصف.

الخطوة التالية هي أن تظهر الدراسة في منشورٍ تمت مراجعته من قبل الأقران. بعد ذلك، فعلى أية حال؛ يسعى كل من شركتيّ «باس بيو» و «أكسفورد نانوبور»، إلى ترتيب تسلسل الجينوم البشري المكوّن من 46 كروموزوماً بالكامل؛ لكن قد ننتظر بعض الوقت حتى تحقيق ذلك.