Reading Time: 4 minutes

ظهرت أعراض الاكتئاب والقلق واضطرابات الوسواس القهري، أو تفاقمت كثيراً لدى من كانوا يعانون منها أصلاً خلال جائحة كورونا. في الواقع، لم يكن ذلك مفاجئاً للأطباء والعلماء الذين زادوا سماحية وصول المعلومات وموارد الصحة العقلية للناس في جميع أنحاء العالم. لكن انتشر اضطراب الاكتناز بشكلٍ كبير خلال الجائحة، والذي يُساء فهمه في كثيرٍ من الأحيان. ما هو تأثير الجائحة على هذا الاضطراب؟

لفتت هذه الظاهرة الأنظار إليها في بداية الجائحة بعد قيام الناس بتكديس المناديل الورقية ومعقمات الأيدي في منازلهم، مما دفع البعض للتساؤل حول ما إذا كانوا هم أو أحد أفراد أسرتهم مصابين باضطراب الاكتناز (التخزين القهري) أم لا.

الإجابة المختصرة هي: على الأرجح لا. في الواقع، يتجاوز اضطراب التخزين القهري تخزين المواد في حالات الطوارئ. أنا طبيبة نفسية في جامعة فلوريدا، ومديرة قسم أمراض الوسواس القهري والقلق والاضطرابات ذات الصلة، وقد قمت مؤخراً بتأليف كتاب عن اضطراب التخزين القهري. يركز كتابي على تحديد أسباب لجوء الناس لتخزين المواد، وتأثير ذلك على الأفراد والمجتمع.
يعاني الملايين من اضطراب الاكتناز

بالرغم من أن الصحافة الشعبية غالباً ما تُظهر الاكتناز القهري كسلوكٍ غريب شاذ عن التصرف الطبيعي، إلا أن هذا الاضطراب هو مرض نفسي خطير يؤثر على أكثر من 13 مليون بالغ أميركي، وتعود خطورته إلى أنه ناجم عن تفاعل معقد بين العديد من العوامل البيولوجية والبيئية. لقد عرف الأطباء اضطراب الاكتناز منذ قرون، مع ذلك لم يعترف المجتمع الطبي النفسي بهذا الاضطراب رسمياً كمرضٍ نفسي فريد حتى عام 2013. ولعل من أشهر الشخصيات التي كانت تعاني من هذا الاضطراب كان الطيار ومنتج الأفلام السينمائي هوارد هيوز.

يُعد هذا الاضطراب مزمناً وغالباً ما يستمر مدى الحياة. وبالرغم من أن الأعراض تبدأ عادة في مرحلة المراهقة، إلا أنها عادة لا تمثل مشكلة حتى أواسط مرحلة البلوغ إلى أواخرها. في الحقيقة، لا أحد يعلم تماماً لماذا يستغرق الاضطراب وقتاً طويلاً حتى يظهر؛ ربما مع تقدم السن لدى الأشخاص الذين يعانون من أعراض هذا الاضطراب تضعف قدرتهم على تقرير ما يجب التخلص منه على نحوٍ متزايد، أو ربما يقل عدد الأشخاص حولهم، مثل الوالدين أو الأزواج، والذين يلفتون انتباههم عادة لضرورة التخلص من العناصر غير الضرورية.

ما هو واضح أن زيادة سلوكيات الاكتناز مع تقدم العمر ليست مجرد نتيجةٍ لمراكمة الأغراض خلال حياة المرء. حيث تُظهر الإحصائيات أن حوالي 7% من البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 60 عاماً يعانون من اضطراب التخزين القهري، أي ما يعادل شخصاً من كل 14 شخص.

اضطراب الاكتناز، اضطراب التخزين

اضطراب الاكتناز – الصورة: Grap/ ويكيبيديا

وخلافًا للاعتقاد السائد، فإن السمة المميزة لاضطراب الاكتناز ليست تكديس المواد، ولكنها أقرب إلى صعوبة تمييز ما لم يعد ضرورياً الاحتفاظ به. العناصر الأكثر شيوعاً هي المقتنيات اليومية مثل الملابس والأحذية، والصناديق والأدوات والأشياء الميكانيكية؛ مثل المسامير والبراغي واللوازم المنزلية، والصحف والبريد والمجلات. فقد أفاد الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب بأنهم يشعرون بالتردد بشأن ما يجب التخلص منه، أو يخشون أن تكون هناك حاجة إلى عنصرٍ ما منها في المستقبل.

تؤدي هذه المشكلة في التخلص من الأشياء، حتى الأشياء الشائعة؛ مثل البريد غير الهام والأكياس البلاستيكية والحاويات البلاستيكية، إلى تراكم الفوضى. وهكذا، وبمرور الوقت، تصبح أماكن المعيشة والعمل مليئة بالفوضى وغير صالحة للاستخدام. كما يتسبب التخزين القهري أيضاً في حدوث مشكلات بين الزوجين وبين الوالدين وأطفالهما، وحتى بين الأصدقاء. وفي أسوأ حالاته، يمكن أن يؤثر أيضاً على قدرة الفرد على العمل.

كما يؤثر اضطراب التخزين القهري بشكلٍ كبير على الصحة العامة، حيث يتسبب بأيام عملٍ ضائعة، وزيادة معدلات الأمراض الطبية والاكتئاب والقلق، وخطر الانتحار والضعف الإدراكي. كما سيعاني ما يقارب نصف المصابين بهذا الاضطراب من الاكتئاب، بينما سيعاني 30% منهم من اضطراب القلق وفقاً للدراسات في هذا الصدد.

كما تزيد الفوضى المرتبطة بالتخزين في المنازل من خطر السقوط أو انتشار الآفات والحشرات أو الظروف المعيشية غير المستقرة وغير الآمنة، وتزيد من صعوبة الرعاية الذاتية. قد يصدمك معرفة أن ما يصل إلى 25% من الوفيات التي تسببها حرائق المنزل ناجمةٌ عن تخزين المواد غير الضرورية.

نفدت العديد من المواد الأساسية في المتاجر في جميع أنحاء الولايات المتحدة أثناء الوباء بسبب المبالغة في التخزين وشراء الذعر.

اضطراب الاكتناز وشراء الذعر

ما الفرق بين التخزين، وشراء الذعر؟ هل سيصاب الشخص الذي قام بتخزين المناديل الورقية ومعقم اليدين في الأيام الأولى للجائحة باضطراب الاكتناز؟ أم أن ما قاموا به منطقي ومدروس بعناية؟

بالرغم مصطلحي التخزين وشراء الذعر يُستخدمان غالباً بشكلٍ متبادل، إلا أنهما ليسا من أعراض اضطراب الاكتناز، كما أنهما ليسا بالضرورة ناجمين عن حالةٍ نفسية. التخزين في الواقع هو سلوك طبيعي يمارسه العديد من الأشخاص استعداداً لمواجهة حالة طوارئ متوقّعة أو مؤكدة، والهدف منه إنشاء احتياطي من المادة المخزنة في حالة وجود حاجة مستقبلية لها.

على سبيل المثال، قد يقوم الأشخاص الذين يعيشون في المناخات الباردة بتخزين الحطب للمدافئ والملح لإذابة الثلوج عن الممرات قبل حلول الشتاء. وبالمثل، قد يقوم سكان جنوب شرق الولايات المتحدة بتخزين البنزين والماء قبل موسم الأعاصير.

ومع ذلك، قد يكون هناك مبالغةٌ في التخزين في كثيرٍ من الأحيان. قد يؤدي ذلك خلال الأزمات والجوائح إلى حدوث نقصٍ في المواد الأساسية على المستوى الوطني، وقد حدث ذلك بالفعل في بداية الجائحة عندما اشترى الناس كمياتٍ ضخمة من المناديل الورقية، وأفرغوا رفوف المتاجر منها، حيث لم يستطع الكثيرون تأمين حاجتهم من هذه المادة.

من المفارقات الغريبة أنه كلما زاد اهتمام وسائل الإعلام بالتخزين، كلما زاد ذلك من اتجاه الناس نحو تخزين المزيد من المواد. إذ أنّ هذه الأخبار تدفع الناس الذين يعتقدون أن نقصاً محتملاً في المواد سيحدث قريباً لشراء أكبر قدرٍ ممكن منها إلى أن تُفقَد هذه المواد من المتاجر لأسابيع وحتى شهور.

في حين أن الناس يخططون للتخزين مسبقاً، يمثل شراء الذعر رد فعلٍ متسرعٍ ومؤقت ناجمٍ عن القلق من حدوث أزمةٍ وشيكة، فيشتري الناس العديد من المواد، حتى ولو لم تكن هناك ضرورةٌ لها، وذلك لمجرد أنها متوفرة على رفوف المتاجر. وقد تشتمل عمليات شراء الذعر أيضاً على شراء كميات هائلة من مادة بعينها لن تكون هناك حاجةٌ لها على الإطلاق، أو إفراغ رفوف المتجر من هذا العنصر. كما يحدث شراء الذعر؛ والذي ينطوي أيضاً على الحصول على أشياء رخيصة الثمن للغاية أو مجانية مثل الهدايا أو الطعام وغيرها، أثناء الأزمات.

في الواقع، وعلى النقيض ممن يعانون من اضطراب الاكتناز، يمكن للمشترين بدافع الذعر ومن يقومون بالتخزين التخلص من أي شيء لم تعد هناك حاجة إليه بعد انتهاء الأزمات بسهولة.

اقرأ أيضاً: تخزين المواد استعداداً لأي كارثة هو «خيار عقلاني»

كيف أحصل على المساعدة؟

فاقمت الجائحة صعوبة التخلص من الأشياء غير الضرورية بالنسبة للبعض ممن يعانون من اضطراب الاكتناز، بينما يرى بعضهم الآخر أن ما يمتلكونه يوفر لهم الشعور بالأمان والراحة في ظِل حالة عدم اليقين المتزايدة، ومع ذلك، فإن آخرين استغلوا فترة الإغلاق لإعادة تقييم الحاجة لما خزّنوه سابقاً بالفعل وتخلصوا من كثير منها أخيراً.

إذا كنت ممّن يعانون من اضطراب الاكتناز أو تعرف أي شخصٍ يعاني منه، فهناك الكثير من الموارد المتاحة للمساعدة، مثل موقع الرابطة الأميركية للطب النفسي، وموقع منظمة اضطراب الوسواس القهري الدولية.