Reading Time: 4 minutes

يُعَدّ «اضطراب اللغة النمائي» أحد أكثر الاضطرابات شيوعاً لدى الأطفال، ولكنه غير معروف نسبياً، ويصيب أكثر من 7% من الأطفال، ويشيع أكثر من اضطراب التوحّد بـ 20 مرة. ووفقاً لاستطلاع ضمن دراسة ستصدر قريباً في دورية «كوميونيكشن ديس أوردرز»، وموّلتها منظمة التعاون الأوروبي للعلوم والتكنولوجيا (وهو تعاون دولي بشأن صعوبات تعلم اللغة لدى الأطفال)، فإن 90% ممن شملهم الاستطلاع في جميع أنحاء الدول الأوروبية سمعوا بمرض التوحد، ولكن 60% فقط منهم سمعوا عن اضطراب اللغة النمائي.

التشخيص لدى الأطفال

غالباً ما يُشخَّص هذا الاضطراب لدى الأطفال في سن ما قبل المدرسة المتأخرة (3-5 سنوات)، ولكن يمكن أن يُشخص لدى الأطفال في سن المدرسة أو بعدها. ويعتمد تشخيص هذا الاضطراب على حصول الطفل على درجاتٍ متدنية بشكل ملحوظ في الاختبارات الرسمية التي تستهدف جوانب مختلفة من اللغة، بالإضافة إلى ملاحظة صعوبة استخدام الطفل لِلُّغة من أجل التواصل في أماكن مختلفة مثل المنزل والمدرسة.

هناك حاجة مُلحّة لنشر التوعية والمعرفة أكثر باضطراب اللغة النمائي؛ لأنه يؤثر على العديد من الأطفال، ولأن آثاره مهمة وطويلة الأمد، لكن بالإمكان تقليل هذه التأثيرات بشكلٍ كبير من خلال التدخل المناسب.

تَبذل العديد من الدول جهوداً تهدف لزيادة الوعي العام بهذا الاضطراب. بصفتنا باحثين في علم أمراض النطق واللغة، فنحن ندرس العلامات التي تدل على إصابة الطفل باضطراب اللغة النمائي، وكيفية تشخيصه في مختلف الأعمار، وذلك ضمن لغات مختلفة ولدى الأطفال «ثنائيي اللغة» و«متعددي اللغات». كما ندرس أيضاً آثاره على المدى القصير والطويل، ومدى إمكانية معالجته من خلال التدخل.

انتشار مرتفع ووعيٌ منخفض

كان يُطلق على ضعف اللغة لدى الأطفال أسماء متعددة إلى أن اعتُمد مصطلح اضطراب اللغة النمائي مؤخراً، مما تسبب بحدوث ارتباك بشأنه. إن حقيقة أن هذا الاضطراب يمكن أن يحدث إما كجزء من حالة أوسع؛ مثل متلازمة داون، أو كاضطراب يؤثر بشكلٍ أساسي على اللغة، يمكن أن تشكِّل صعوبة في الكشف عنه، وقد يؤدي ذلك أحياناً لتجاهله تماماً.

اضطراب اللغة النمائي, الأطفال

تتفاوت أعراض اضطراب اللغة النمائي بين الأطفال، وتختلف لدى الطفل نفسه مع تَقدُّم العمر أيضاً

قد يكون السبب الأكبر لتجاهله هو أن اضطراب اللغة النمائي غالباً لا يبدو مشكلة لغوية واضحة ظاهرياً. كما أن أعراضه تتفاوت بين طفلٍ وآخر، وتختلف لدى الطفل نفسه بمرور الوقت، كما تختلف من لغةٍ لأخرى وحتى بين اللغتين اللتين يستخدمها الطفل ثنائي اللغة.

يميل الناس إلى الربط بين فكرة الاضطراب والأخطاء الإملائية والنَّحَوية، مثل الجمل الخاطئة والأخطاء في صياغة الكلام والجمع وأزمنة الفعل. في الواقع، لقد حاولَت الكثير من الأبحاث فهم طبيعة اضطراب اللغة النمائي من خلال تحليل أنماط هذه الأخطاء، لكن، ومع تقدم الأطفال في العمر، يتوقف الأطفال؛ حتى المصابون منهم بهذا الاضطراب، عن ارتكاب الأخطاء النحوية، كما لا يُعَدّ ارتكاب الأخطاء النحوية سمةً مميزةً لهذا الاضطراب في العديد من اللغات.

يتميز الأطفال المصابون باضطراب اللغة النمائي باستخدامهم لمفرداتٍ أصغر مقارنة بأقرانهم من نفس العمر الذين لا يعانون من الاضطراب، ويمتلكون ذخيرة أقل من التراكيب النحوية ويجدون صعوبة أكبر في فهم واستخدام اللغة المعقد، وتمييز الفروق والتفاصيل الدقيقة لِلُّغة وقواعدها الاجتماعية. إذا كان طفلك يعاني في المدرسة من ضعف التفاعل الاجتماعي أو مستوى القراءة، فقد تكون مشكلته الأساسية هي اضطراب اللغة النمائي.

آثار فورية وطويلة المدى

اللغة أساسية لجميع الأنشطة البشرية تقريباً، لذلك ينبغي ألا يكون مفاجئاً أن لهذا الاضطراب عواقب متنوعة وبعيدة المدى. وبغض النظر عما يسببه للأطفال من صعوبة التواصل مع الآخرين، فإن تحديد العواقب الطويلة الأجل على الطفل وأسرته قد يكون صعباً لأن هذا يعني متابعة الأطفال من مرحلة الطفولة المبكرة إلى مرحلة التعليم وحتى مرحلة البلوغ.

لقد قامت العديد من الدراسات بذلك بالفعل الآن، حيث تتم هذه العملية بمتابعة الأطفال منذ مرحلة المدرسة الابتدائية وحتى الثانوية، ولكن الأهم من ذلك هو متابعة الأطفال من سن ما قبل دخول المدرسة، لأن هناك أدلة قوية على الأطفال الذين يعانون من اضطراب اللغة النمائي عند دخولهم المدرسة هم أكثر عرضة لخطر صعوبات القراءة والكتابة ومشاكل الصحة النفسية وحتى للبطالة عندما يصلون إلى سن العمل. لا يعني ذلك أن كلّ شخصٍ يعاني من اضطراب اللغة النمائي سيواجه هذه الصعوبات باستمرارٍ حتماً، ولكن هناك احتمالاتٌ عالية الخطورة لحدوثها.

ضطراب اللغة النمائي, تعليم, طفولة

هناك ارتباط واضح بين اضطراب اللغة النمائي ومستوى الأداء في الاختبارات المدرسية والتفاعل مع الأقران

هناك وسائل علاجية مختلفة يمكن أن تحسّن المهارات اللغوية لدى الأطفال والمراهقين المصابين بهذا الاضطراب. يمكن أن تركز التدخلات على تحفيز المهارات اللغوية العامة أو على نطاقٍ محدد من المهارة اللغوية، مثل المفردات أو بناء الجملة، وذلك حسب عمر الطفل واحتياجاته الفردية. وفي هذا الصدد، تُعدّ الجلسات الفردية أو الجماعية مع أخصائي أمراض النطق واللغة النهج الأكثر شيوعاً، ولكن التدخلات قد تشمل أيضاً إشراك مدربين آخرين في هذه العملية مثل الآباء. وتُعد شدة (تكرارية الجلسات ومدتها) ومدة العلاج عاملاً مهماً لتحقيق أفضل النتائج والحفاظ عليها بمرور الوقت.

الأطفال المصابون باضطراب اللغة النمائي وعائلاتهم

يعطي البحث النوعي مزيداً من المعرفة حول الطبيعة الخفية لهذا الاضطراب. يروي الآباء الذين يشاركون في التدخلات قصصاً عن الصعوبات التي واجهوها إلى أن تعرفوا على مشكلات أبنائهم و يُعرِبون عن تخوفهم من العزلة الاجتماعية المستقبلية التي يمكن لأطفالهم المعاناة منها في المستقبل. ويروي الأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب قصصاً حول كيف يصرخ عليهم الناس عندما لا يفهمون ما يقولونه أو يدفعونهم إلى تكرار كلامهم مراراً وتكراراً.

في حين أن طرق التواصل الغريبة التي يلجأ إليها الأطفال للتواصل مع الآخرين قد تذهل المستمع في البداية، يفضل الأطفال تقديم أنفسهم على أنهم أكُفّاء ومحبوبون؛ ولا يحبون الطريقة التي يشير بها الناس إليهم عند ملاحظة اختلافهم. طُلب من أطفال الصفين الخامس والسادس أثناء المقابلات الحديث عن أسرهم وأصدقائهم ومدرستهم وأنشطتهم الترفيهية، وقد أفادوا بأنهم يعانون من العزلة ومن صعوباتٍ بتكوين صداقاتٍ بسبب صعوبات التواصل التي يعانون منها. تقول فتاةٌ في الحادية عشر من عمرها وتعاني من اضطراب اللغة النمائي: «ليس لدي الكثير من الأصدقاء حقاً. أبقى بمفردي معظم الوقت… حسناً، ليس لدي الكثير لأتحدث حوله مع الناس».

وهذا يؤكد على الحاجة إلى زيادة الوعي والدعم المناسب للأطفال الذين يعانون من اضطراب اللغة النمائي وعائلاتهم عبر التدخل الإيجابي، وتوفير البيئات المناسبة التي تسمح لهؤلاء الأطفال بالنجاح بتجاوز صعوباتهم، وبتوجيه الآباء للمكان والموارد الصحيحة للحصول على الدعم لأجل أطفالهم.