Reading Time: 7 minutes

في العقد الأخير من القرن الماضي؛ وتحديداً في عام 1991، وصف المطوران ستيوارت هابر ودبليو سكوت سلسلةً من الكتل المؤمنة بالتشفير لأول مرة، وفي عام 1998، ظهرت أول عملة رقمية لا مركزية على الإطلاق؛ عُرفت باسم «بيت غولد»، ومع مطلع القرن الجاري؛ بدأ العمل على تطوير سلاسل مشفّرة مؤمّنة، وكُللت هذه الجهود بالنجاح عام 2008؛ حين نشر مطورون يعملون تحت اسم مستعار نموذج تأسيس لتقنية البلوك تشين.

ما هي تقنية البلوك تشين؟

سلسلة الكتل؛ أو البلوك تشين، هي تقنية من التقنيات الحديثة في التخزين اللامركزي، للتحقق من التعاملات الإلكترونية عبر الإنترنت؛ التي تكون بين عدة أطراف تمثل جهاتً أو أشخاصاً، دون الحاجة لطرف ثالث للتحقق من صحة البيانات ومصادقتها؛ مما يحقق إنجاز هذه المعاملات بسرعة وفعالية عالية في التشفير والأمان يصعب اختراقها.

مفهوم البلوك تشين بسيط للغاية؛ التقنية عبارة عن نوع من قواعد البيانات، والأخيرة تعني مجموعةً من المعلومات التي يتم تخزينها إلكترونياً على نظام الكمبيوتر. عادةً ما يتم تنظيم المعلومات أو البيانات في قواعد البيانات في شكل جدول، للسماح ببحث أسهل وتصفية لمعلومات محددة، وحتماً يقف خلف كل قاعدة بيانات نموذجية مؤسسة أو شركة؛ لكن في البلوك تشين لا يحدث ذلك. 

تتمثل إحدى الاختلافات الرئيسية بين قاعدة البيانات النموذجية والبلوك تشين في طريقة تنظيم البيانات. تجمع البلوك تشين المعلومات معاً في مجموعات تُعرف باسم الكتل؛ والتي تحتوي على مجموعات من المعلومات، وتتمتع تلك الكتل بقدرات تخزين معينة، وعند ملئها، يتم تقييدها بالسلاسل.

ولفهم غرض البلوك تشين؛ لننظر كيف يتم تنفيذ معاملات عملة البيتكوين الرقمية -واحدة من أبرز استخدامات البلوك تشين- تحتاج البيتكوين إلى مجموعة من أجهزة الكمبيوتر لتخزين البلوك تشين الخاصة بها، وعلى عكس معظم قواعد البيانات، فإن أجهزة الكمبيوتر هذه ليست كلها تحت سقف واحد، إنما يتم تشغيل كل منها على حده  أو مجموعة منها بواسطة فرد أو مجموعة من الأفراد؛ مما يعني أن البيتكوين تتكون من آلاف أجهزة الكمبيوتر؛ ولكن كل جهاز كمبيوتر أو مجموعة من أجهزة الكمبيوتر التي تحتوي على البلوك تشين موجودة في موقع جغرافي مختلف، ويتم تشغيلها جميعاً بواسطة أفراد أو مجموعة أشخاص منفصلة. 

بزوغ نجم البلوك تشين

كان العقد المنصرم مميزاً لنمو وانتشار البلوك تشين، وبدأ بتأسيس أول بورصة للعملات الرقمية المشفرة على الإطلاق في أوائل عام 2010، ومنذ هذا الوقت؛ بدأت المعاملات تنمو واحدةً تلو الأخرى، حتى إتمام أول عملية شراء باستخدام هذه العملات الرقمية، وكان صاحب أول عملية هو المطوِّر «لازلو هانيتش»؛ الذي اشترى قطعتيّ البيتزا مقابل 10 آلاف بيتكوين في عام 2010؛ بقيمة تقريبية 25 دولاراً أميركياً آنذاك، وصُنِّفت هذه العملية وقتها أغبى عملية شراء، لأن التقنية كانت لا تزال في مهدها، ومع مطلع العقد الجاري، وصلت قيمة  10 آلاف بيتكوين إلى أكثر من 103 مليون دولار أميركي. 

بدأ العمل بالبلوك تشين في الكثير من المؤسسات وبعض الدول في المعاملات المالية، وفي 22 مايو/آيار من عام 2020، أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي عن «ميثاق حقوق البلوك تشيّن»؛ الذي يهدف إلى تشييد مجتمع عالمي يضم مطورين وشركات، بالإضافة إلى الحكومات التي بدأت تتجه إلى استخدام التقنية، بهدف إدارة عملية إنقاذ الاقتصاد بشكل لامركزي وأكثر فعاليةً.

يرى عمار العنزي؛ مدير المركز الوطني لتقنية النقل والخدمات اللوجستية في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية «كاكست»، أن ميثاق حقوق البلوك تشين هو خطوة ممتازة لتسريع تبني التقنية واعتمادها من قبل الحكومات، ويقول: «في حال تم العمل به سيعطي البلوك تشين موثوقيةً أكثرَ لدى عامة المستخدمين لتقنيات البلوك تشين».

على الرغم من أن الميثاق بشكل عام هو خطوة في الاتجاه الصحيح لتمكين البلوك تشين واعتمادها بشكل رسمي كتقنية قابلة للتداول والاستعمال على نطاق واسع؛ إلا أن هناك عقبةً أمام الميثاق، يقول العنزي: «الخلل يكمن في كون الميثاق يتنافى مع أساسيات البلوك تشين، والعملات المشفرة في بعض فقراته، وبالإمكان حل هذه المشكلة بمراجعة الميثاق، والتعديل عليه بشكل يقارب بين المستهدف من الميثاق وبين مبادئ البلوك تشين ومجتمع المطورين».

استخدامات البلوك تشين

Shutterstock.com/Zapp2Photo

بعد أن نجحت تقنية البلوك تشين في المعاملات العملات الرقمية، عرف العالم أن البلوك تشين طريقة موثوقة لتخزين البيانات، لذا اتجهت الأنظار إلى استخدامها في أنواع المعاملات الأخرى. بعض الشركات العالمية أدرجت بالفعل البلوك تشين ضمن معاملاتها؛ مثل فايزر، وول مارت، وسيمنس، وغيرهم الكثير. على سبيل المثال؛ أنشأت شركة آي بي إم صندوق «فوود تراست بلوك تشين»، بهدف تتبع الرحلة التي تستغرقها المنتجات الغذائية للوصول إلى مواقعها.

الغرض من صندوق آي بي إم هو الحد من إدخال مواد خطرة إلى الأطعمة عن طريق الخطأ، وفي الماضي استغرق الأمر أسابيعاً للعثور على مصدر هذه الفاشيات، أو سبب المرض مما يأكله الناس؛ لكن مع نظام البلوك تشين، يمكن للعلامات التجارية تتبع مسار المنتج الغذائي من أصله، ومن خلال كل محطة يقوم بها، وأخيرًا توصيله، وإذا تم العثور على طعام ملوث، فيمكن تتبعه طوال الطريق من خلال كل محطة إلى مصدره، ليس هذا فقط؛ ولكن يمكن لهذه الشركات الآن أيضاً رؤية كل شيء آخر ربما تكون على اتصال به؛ مما يسمح بتحديد المشكلة في وقت أقرب بكثير، وقد ينقذ الأرواح. 

يضيف العنزي عن أهمية تقنية البلوك تشين أنها ستطور عمليات الحوكمة في مختلف القطاعات، ويقول: «من الممكن أن تطور البلوك تشين قطاعات أخرى كالزراعة والتجارة وسلاسل الإمداد؛ وذلك بسبب زيادة الثقة بين الأطراف المعنية في عمليات التبادل التجاري، سهولة مشاركة البيانات وتتبع التغيرات، تخفيض تكاليف العمليات بشكل كبير».

استخدام البلوك تشين شمل العقارات وترميز الأصول العقارية لتداولها بأمان في البورصة؛ مروراً بالرعاية الصحية ووصولاً إلى سوق الطاقة، على سبيل المثال؛ سمحت تقنية البلوك تشين بنموذج تداول الطاقة من شخص إلى آخر. ببساطة؛ ساعد انتشار شبكات الطاقة الموزعة أو مصادر الطاقة المتجددة المستقلة؛ مثل الألواح الشمسية التي تتصل بالشبكة، على تحويل مستهلكي الطاقة إلى منتجين قادرين على بيع الطاقة الزائدة إلى الشبكة، واعتمدت شركات ناشئة على البلوك تشين لتطوير تطبيق يتيح تداول الطاقة بين المستهلكين في حي داخل البلدة. 

يرى الكثير من الخبراء أن البلوك تشين قد تساهم في منع أزمات الاقتصاد المستقبلية، وفي هذه النقطة يجيب مدير المركز الوطني لتقنية النقل والخدمات اللوجستية في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية «كاكست» قائلاً: «بشكل عام أغلب الأزمات الاقتصادية تحدث بسبب غياب الشفافية والوضوح؛ والذي يؤدي لتضخم المشاكل الصغيرة بدون الانتباه والتحوط لها». ويضيف العنزي أن تقنية البلوك تشين قائمة على مبدأ الشفافية واللامركزية، في حال تبنيها من المؤسسات فسيكون بإمكانهم كشف مصادر الخلل وعدم التوازن قبل تضخمها وتسببها بانهيارات مالية ضخمة؛ وبالتالي أخذ الاحتياطات اللازمة لتجنب وقوع الأزمات.

البلوك تشين في المعاملات المالية 

Shutterstock.com/Zapp2Photo

ربما لا توجد صناعة تستفيد من دمج البلوك تشين في معاملاتها التجارية أكثر من الخدمات المصرفية، ومن خلال دمج البلوك تشين في البنوك؛ يمكن للمستهلكين رؤية معاملاتهم تتم معالجتها في أقل من 10 دقائق، وبغض النظر عن أيام العطلات أو الوقت من اليوم أو الأسبوع. 

يمكن للبلوك تشين أيضاً أن تحد من عمليات التزوير في البنوك. يقول العنزي عن أهمية البلوك تشين في المعاملات المالية: «من الممكن الحد بشكل كبير من التلاعب وعمليات التزوير، كما ستسهل عملية الحوالات المالية الدولية».

يرى بعض الخبراء أن البلوك تشين يمكن أن تساعد في منع أزمات الاقتصاد المستقبلية؛ مثل تلك التي حدثت في عام 2008. على سبيل المثال؛ إذا تم تسجيل قيمة كل أصل وملكية بشكل آمن في معاملات الأشخاص والشركات في سجل مشترك، فإن الممارسات الفاسدة التي سمحت للمؤسسات بإخفاء صراعاتها لن تكون ممكنةً؛ وبالتالي المساعدة في منع الكوارث المالية في المستقبل.

ببساطة؛ سيكون لدى البنوك المركزية في جميع الأوقات صورة واقعية للسيولة المالية وتوزيع المخاطر، وسيكون لديهم أيضاً فهم لكيفية تصرف كل شركة مالية فردية؛ وهذا يمكن أن يزيل قدراً هائلاً من عدم اليقين من عملية تقييم سلامة النظام المالي، وفي المقابل؛ سيعرف المنظمون مسبقاً متى بدأت الأمور في عدم الاستقرار، ويمكنهم التكيف وفقاً لذلك قبل أن تتطور الأزمة.

يرى العنزي أيضاً أن البلوك تشين ستؤثر على العديد من العمليات التي تقوم بها البنوك والمؤسسات المالية؛ والتي تشكل عبئاً عليها وتزيد من تكاليف خدماتها، ويقول: «البلوك تشين تعطي البنوك طريقةً بديلةً لتداول الأموال وتناقلها بين العملاء وبين البنوك المختلفة بتكلفة أقل وموثوقية أعلى».

ويؤكد العنزي أنه البلوك تشين ستمكن البنوك من تتبع هويات العملاء والعمليات المصرفية كاملة بدون تزوير أو تغيير في سجل العمليات، ويضيف قائلاً: «ستمكن تقنية البلوك تشين المؤسسات المالية من الوصول إلى شريحة أكبر من العملاء بدون إضافة تكاليف باهظة عليها؛ وبالتالي إتاحة الفرصة لعدد أكبر من البشر للدخول للنظام المالي العالمي».

دراسة صندوق النقد العربي

البلوك تشين في الوطن العربي 

الوطن العربي لم يكن ببعيد عن التحرك العالمي تجاه تقنية البلوك تشين، وتوقعت دراسة أجراها صندوق النقد العربى حول تطبيق تقنية بلوك تشين فى الخدمات المالية، أن تبلغ المكاسب الاقتصادية التى يمكن تحقيقها عالمياً بحلول عام 2030 من هذه التقنية نحو 3.1 تريليون دولار، فضلاً عن التأثير الإيجابى الذي تتركه هذه التقنية على مختلف القطاعات الاقتصادية.

كشفت الدراسة عن وجود فرص واعدة لاستخدام تقنية البلوك تشين في تقديم الخدمات المالية على وجه التحديد، فعلى الرغم من التقدم المحرز في مجال الخدمات المالية على مدار العقود الماضية؛ لا تزال الوظائف المرتبطة بتنفيذ وإبرام الصفقات وحفظ التعاملات المالية تتطلب إجراءات طويلةً ومعقدةً في عدد من الأنشطة المالية. بناءً عليه؛ يعتقد البعض أن تقنية البلوك تشين يمكن أن تسهم في زيادة مستويات كفاءة وفاعلية الخدمات المالية، بطريقة تماثل الطريقة التي غير بها الإنترنت صناعة الإعلام، وسوف تمكّن الأفراد والشركات من الحصول على خدمات مالية أفضل دون وجود وسطاء ماليين.

منصة البلوك تشين في الدول العربية

Shutterstock.com/whiteMocca

دأبت عدة دول عربية على تمكين البلوك تشين في معاملاتها؛ تمهيداً لاستخدامها على نطاق واسع. على سبيل المثال؛ أُطلقت استراتيجية دبي للتعاملات الرقمية التي تهدف إلى تطويع التقنيات المتقدمة وتوظيفها، لتحويل 50% من التعاملات الحكومية على المستوى الاتحادي إلى منصة بلوك تشين، وفي المملكة العربية السعودية، قدمت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية مشروع منصة البلوك تشين؛ والذي يهدف لبناء فريق من الخبراء في المملكة في هذه التقنية، تكون مهمته بناء الحلول التقنية والتطبيقات لتحقيق أعلى درجات الأمان في التعاملات الإلكترونية.

يقدم مشروع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية الاستشارات التقنية للجهات الحكومية والأفراد في المملكة، ويتوافق مع برنامج التحول الوطني الهادف إلى تعزيز مكونات البحث والتطوير والابتكار في المجال التقني، ورفع مستوى المملكة في هذا القطاع، كما يهدف إلى بناء منصة سلسلة كتل خاصة بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية؛ متاحة للاستخدام من قبل المطورين والباحثين في المملكة، لبناء وتشغيل الحلول التقنية والتطبيقات على هذه التقنية.

تهدف مبادرات المدينة إلى ضمان برنامج التحول الوطني لتحقيق رؤية المملكة 2030 في مجال تقنية المعلومات؛ من خلال تطوير عدد من المبادرات والمشروعات الهادفة إلى نقل وتوطين تقنية المعلومات في مجال البيانات الضخمة والمفتوحة المصدر، وتصميم البرمجيات، ونظم إدارة المعرفة، وحماية البيانات الوطنية في القطاعات الحكومية.

يختتم العنزي حديثه عن الخطط المستقبلية لكاكست فيما يخص البلوك تشين بقوله: «ندرس في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، إنشاء منصة بلوك تشين وطنية حسب احتياج السوق السعودي، ونعمل على تدريب متخصصين في تقنية البلوك تشين لتطوير تطبيقات وطنية تخدم مختلف القطاعات في المملكة». 

ويضيف العنزي: «الهدف الرئيسي في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية هو تمكين استخدام تقنية البلوك تشين في المملكة العربية السعودية من خلال برامج التدريب والتطوير الحالية، لخلق مجتمع مطورين قادرين على إنشاء أعمال مبنية على تقنية البلوك تشين لخدمة السوق السعودي».