Reading Time: 4 minutes

لا يعيش معظم البشر تحت سماء الليل المظلمة، وعلى الرغم من أنك قد تعلم أنّك لا تستطيع رؤية النجوم في طوكيو أو مدينة نيويورك؛ لكن قد لا تعرف بأن هناك نسبةً من التلوث الضوئي في معظم المناطق التي يسكنها البشر حالياً. التلوث الضوئي هو أي شكل من الضوء الزائد الذي يشوّش على ضوء النجوم الطبيعي في السماء أثناء الليل.

حالياً؛ يزداد التلوث الضوئي سنوياً بنسبة 2%؛ وهي نسبة تعادل ضعف معدّل تزايد النمو السكّاني. أدّى النمو السريع للمجتمعات الصناعية وازدهار المدن إلى انتشار الإضاءة الصناعية في كل مكان، ومع ذلك؛ فإن عواقب التلوث الضوئي لا تقتصر على زوال ضوء النجوم فحسب؛ حيث تربط العديد من الدراسات التلوّث الضوئي بتردّي حالة الحياة البريّة والبشر والكوكب ككل. يشوّش الضوء الصناعي على ساعاتنا البيولوجية من خلال التسبب باضطراب في تركيب الميلاتونين، كما أنه يعيق عمليات طبيعيةً مثل التكاثر والهجرة عند كل الكائنات؛ بدءاً من سلاحف البحر إلى الطيور، وهناك أيضاً أدلة تشير إلى أن الإضاءة الساطعة تتسبب في التراجع المتسارع للتنوّع الحيوي بين الحشرات؛ وهو ما يعرف أيضاً بـ «نهاية عالم الحشرات».

ومع قلق العلماء -في مجال البيئة والفلك وغيرها- نتيجةً لهذه المشكلة المتفاقمة؛ فمن الصعب تحديد مقدار التلوث الضوئي الذي يتسبب به البشر بدقّة؛ لكن يحاول الباحثون إنجاز ذلك عن طريق «أطلس العالم الجديد الخاص بالإضاءة الصناعية للسماء»؛ وهو أطلس تم تأليفه ضمن دراسة قادها «فابيو فالتشي»؛ وهو فيزيائي في معهد علوم وتكنولوجيا التلوث الضوئي في إيطاليا. باستخدام بيانات من الأقمار الاصطناعية وقياسات سطوع السماء؛ وجد فالتشي وزملاؤه أن أكثر من 80% من سكان الأرض يعيشون تحت سماء ملوّثة ضوئياً، وأن أكثر من ثلث البشر على الكوكب لا يستطيعون رؤية ذراع درب التبانة الشهير، وفي أوروبا وأميركا الشمالية، هذه الأرقام تزداد سوءاً، أما على المستوى الوجودي؛ فنحن منفصلون عن سماء الليل حالياً أكثر من أي وقت سابق.

الأخبار السّارة هي أنه وعلى عكس معظم المشاكل البيئية الأخرى التي يتسبب بها البشر؛ فإننا قادرون على تخفيض ما نساهم به من التلوث الضوئي بشكلٍ كبير عن طريق تطبيق بعض الإجراءات البسيطة للغاية، وتتضمّن هذه الإجراءات الحفاظ على الأماكن المظلمة، وتغيير نوع الإضاءة التي نستخدمها.

إنشاء أماكن السماء المظلمة

تبيّن الأماكن المظلمة حول العالم مقدار الجمال الذي يمكننا رؤيته إذا استخدمنا الضوء بشكلٍ فعّال، وهذه المواقع؛ كما تبيّن الجمعية الدولية للسماء المظلمة، تحتوي على «ليالٍ مرصّعة بالنجوم وبيئات ليلية ذات جودة استثنائية أو مميزة».

أُسّس البرنامج عام 2001 ترافقاً مع تحديد مدينة فلاغستاف في ولاية أريزونا كأول مكان للسماء المظلمة بشكلٍ رسمي، وصُمّم بهدف خلق مساحات لتشجيع الاستمتاع بسماء الليل، وتوعية المجتمعات بالممارسات المتعلّقة بسياسات الإضاءة، ولكن لا تتم معاملة كل المواقع على قدر من المساواة؛ فهناك 5 تسميات مختلفة للمناطق المظلمة: المجتمعات، المنتزهات، المحميّات، الملاذات، مواقع سماء الليل في المدن.

لكل تسمية معاييرها الخاصة؛ فمثلاً: تحتوي المحميّات على منطقة داخلية مظلمة محاطة بأخرى خارجية حيث يوجد القليل من الضوء المحيط، بينما الملاذات هي بعض من أكثر الأماكن المظلمة على الكوكب، وهي تكون عادةً معزولة جغرافياً، ويتم التركيز فيها على الحماية بعيدة المدى للبيئة الموجودة فيها. هناك حالياً 17 ملاذاً مخصصاً للسماء المظلمة بين دولة «نيوويه» الجُزريّة الصغيرة في المحيط الأطلسي، ونصب «رينبو بريدج» التذكاري الوطني في ولاية يوتاه في الولايات المتّحدة.

يقول «راسكن هارتلي»؛ المدير التنفيذي للبرنامج: «تبدأ هذه العملية عادةً بشخص يجمع الأشخاص حوله ويقول: اسمعوا. نمتلك هنا أمراً مميّزاً وقيّماً: الظلام. نحن نقدّر الليل ولا نريد للتلوّث الضوئي أن يزداد هنا». مع تضامن المزيد من المجتمعات لحماية سماء الليل، يتم تخصيص المزيد من المواقع المظلمة بشكلٍ رسمي، والعديد من هذه المواقع لها أهمية ثقافية أيضاً بالنسبة لسكانها الأصليين.

تم تعيين منتزه «ميسا فيرديه» الوطني في ولاية كولورادو مؤخراً بأنه المكان رقم 100 للسماء المظلمة في العالم، وتشكّل منتزهات المواقع المظلمة معظم الأماكن المشمولة بالبرنامج، ويمكن أن تحتاج إلى 18 شهراً إلى 10 سنوات حتى تُنهي عملية التقديم ذات المعايير القاسية. يستطيع الأشخاص التجول في المنتزهات ليلاً ورؤية كيفية استخدام الإضاءة الفعّالة دون المساهمة في التلوّث الضوئي بكثرة، وعلى عكس المحميّات والملاذات؛ تُخصَّص المنتزهات للتوعية والتسالي العامّة أكثر من الحفاظ الصارم على البيئة.

حلول لتقليل التلوث الضوئي

للتلوث الضوئي حل بديهي للغاية: تخفيض كمية الضوء. على عكس الكثير من الإجراءات التي تتطلّب جهوداً جبارةً لإنجازها حالياً -مثل ارتفاع درجات الحرارة وفضلات الطعام-؛ يبدو أن هناك عدد أكبر من الحلول ممكنة التطبيق لتقليل التلوّث الضوئي، ولا يتعلّق الأمر بإطفاء الأنوار عند الخروج من الغرفة فقط؛ بل بتغيير نوع المصابيح التي نستخدمها.

يقول هارتلي: «يمكننا أن نستمر بالنشاطات التي نريد إنجازها خارج المنزل ليلاً، مع حماية الكوكب وتقليل التلوث الضوئي الكلّي في نفس الوقت. هناك 5 مبادئ متعلّقة بالإضاءة، وإذا اتّبعها البشر، سيكون بإمكاننا تحقيق الكثير بسرعة بما يتعلّق بتقليل التلوث الضوئي».

المبادئ الخمس هذه هي:

  1. إضاءة الأماكن الضرورية فقط.
  2. استخدام الأضواء المغطّاة وتوجيهها للأسفل.
  3. التحكّم في مقدار السطوع.
  4. استخدام الأضواء ذات الألوان الحارّة.
  5. التحكم بمدّة الإضاءة عن طريق المخفّتات، حسّاسات الحركة والموقّتات.

حالات التلوث الضوئي جميعها ليست متساوية

على الرغم من أن طريقة تقليل التلوث الضوئي تبدو مباشرةً؛ لكن إطفاء الأنوار ليس أمراً سهلاً. يشير هارتلي إلى أن البشر لديهم «علاقة معقّدة مع الضوء؛ إذ أننا نفترض أنه كل ما زادت الإنارة كان ذلك أفضل»؛ لكن هذه الإضاءة الزائدة للمدن -خصوصاً في بعض المجتمعات- تعني أن القرارات حول الإضاءة هي سياسية أيضاً، وأحياناً ما تكون متعلّقة بالعِرق.

كما تبيّن «سيليستي هينري» في مقالتها بعنوان «العِرق ومفارقات الليل»؛ استُخدمت الإضاءة الزائدة في وجه المجتمعات المستضعفة للرقابة. تاريخياً؛ تعمل السياسة العامة على أسس مسلّمة تنص على أن الجرائم يمكن تجنّبها ببساطة عن طريق الكثير من الإضاءة، ولكن ليس هناك أي برهان يثبت أن زيادة الإضاءة تؤدّي إلى تقليل نسب الجرائم.

تتعلّق إمكانية المساواة بين البشر في الاستمتاع بسماء الليل المظلمة بمناحٍ عدّة. يقول هارتلي: «لا يتعلّق الأمر بالوصول إلى دخول الأماكن المظلمة بشكلٍ عادل فقط، وواقعياً؛ أماكن السماء المظلمة ستكون دائماً نائيةً وريفيةً نوعاً ما، وما يهمّنا بنفس الدرجة أيضاً؛ وربما بدرجة أعلى، هو الإجابة على السؤال: ما هي مصادر التلوّث الضوئي في المدن والمجتمعات؟».

علم الفلك الثقافي هو علم يبحث في الطريقة التي تنظر فيها الثقافات القديمة والحديثة للأجسام السماوية وتأثيرها في المعتقدات، وهو جزء هام من الحركة؛ لكن الدخول إلى الأماكن المظلمة؛ والذي يتطلّبه البحث في هذا المجال، ليس متوافراً تماماً بعد.

في شهر يونيو/ حزيران 2020، اعترفت الجمعية الدولية للسماء المظلمة بأنّها فشلت في خلق حركة شاملة بعد أن وُجد مسح للأعضاء أن النساء والأشخاص ذوي البشرة الملوّنة، والطبقة العاملة وغير الأميركيين، كلها فئات غير ممثّلة بشكلٍ جيد في الحركة. لجعل الأماكن المظلمة متوافرةً للجميع؛ يجب اتّباع خطوات لفهم السبب وراء الإفراط في استخدام الأضواء في بعض المناطق، واكتشاف كيفية التغلّب على العوائق للوصول إلى قرارات أفضل حول استخدام الضوء.

في النهاية؛ أماكن السماء المظلمة لا تقلل التلوّث الضوئي فحسب؛ بل تمنحنا المزيد من الفرص للارتباط بالطبيعية، وتمنح الشعوب الأصليّة فرصة لاستعادة صِلاتهم بسماء الليل، كما توفر الظلام والنجوم لكل من يعيش على الأرض.

اقرأ أيضاً: كيف تصور السماء ليلاً كالمحترفين

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.