Reading Time: 4 minutes

وفقاً لبحثٍ نُشر في دورية «بلود»؛ فإن أكبر عدد من مرضى كوفيد-19 يعانون من جلطاتٍ دموية بعد التعافي ومغادرة المستشفى، بشكلٍ أكبر مما كان يُعتقد سابقاً. يقول «أليكس سبيروبولوس»؛ كبير مؤلفي الدراسة والأستاذ في معهد فاينشتاين للأبحاث الطبية (وهو جزء من نظام مستشفى نيويورك نورثويل الصحي): «زادت خطورة الإصابة بجلطات الدم بنسبةٍ تتراوح بين 3 إلى 5 أضعاف؛ مقارنةً بفترة ما قبل جائحة كورونا، وفي الحقيقة؛ لم أرَ قط خطر هذا النوع من الجلطات الدموية في حياتي».

من المعروف سابقاً أن مرضى كوفيد-19 الذين يدخلون إلى المستشفى؛ خصوصاً في العناية المركزة، يواجهون مخاطرَ عاليةً لحدوث الجلطات؛ لكن سبيروبولوس يقول: «تُظهر هذه الدراسة لأول مرة أن ارتفاع مخاطر الإصابة بجلطات الدم يستمر بعد مغادرة المرضى للمستشفى».

في الواقع؛ يمكن أن يؤدي مرض كوفيد-19 إلى تجلّط الدم؛ عن طريق إثارة استجابة مناعية مفرطة تدعى «عاصفة السيتوكين»؛ حيث تُصيب المريض بالالتهابات، وتُحدِث تلفاً موضعياً في الأوعية الدموية وبطانتها؛ مما يثير أنظمة التخثر في الجسم ويدفعها للاستجابة بشكلٍ غير متوقع. يبدو أن هذا الخطر يبقى مرتفعاً حتى بعد تعافي المريض من أكثر مراحل المرض خطورةً على الحياة. يقول سبيروبولوس في هذا الصدد: «إن عودة أنظمة المناعة إلى طبيعتها يستغرق وقتاً طويلاً، ولا يعلم نظام المناعة ونظام التخثر أن المريض قد غادر المستشفى».

تناولت الدراسة أكثر من 11 ألف شخصٍ أُدخلوا إلى عدّة مستشفيات في ربيع عام 2020؛ حيث توفي منهم حوالي 3000 بسبب المرض، بينما تمكّن الباحثون من متابعة 4000 مريض آخر بعد مغادرتهم المستشفى، وتوثيق حالات الوفيّات التي حدثت بعد ذلك في هذه المجموعة.

الأمراض المزمنة كعوامل مؤثرة

الاوبئة في المستقبل, كورونا

shutterstock.com/ theskaman306

توفي حوالي 5% من المجموعة السابقة بعد خروجهم من المستشفى في غضون 90 يوماً، وحوالي 3% أُصيبوا بجلطاتٍ دموية خطيرة، وتُبيّن الإحصائيات أن المرضى الذين تزيد أعمارهم عن 75 عاماً؛ والذين أُدخلوا إلى وحدات العناية المركزة، أو من لديه تاريخ مرضي متعلّق بتخثر الدم أو أمراض القلب أو الكلى، كان أكثر عرضةً للوفاة من الآخرين.

كانت معدلات تخثّر الدم التي وثقتها هذه الدراسة أعلى من المعدلات التي وثقتها دراساتٌ أخرى؛ وذلك أمر منطقي وفقاً لـ «رشاد باتيل»؛ اختصاصي أمراض الدم في «مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي»؛ والذي درس ظاهرة حدوث الجلطات الدموية لدى مرضى كوفيد-19 بعد خروجهم من المستشفى أيضاً؛ وذلك نظراً لأن الباحثين جمعوا البيانات في إطارٍ زمني أطول من الدراسات السابقة، وضمّنوا بياناتٍ طبيةً من مصادرَ مختلفة يصفها باتيل بأنها «نقطة قوةٍ لدراسةٍ قائمة على الملاحظة».

تلقى حوالي 13% من المرضى علاجاتٍ تنطوي على مميعات الدم؛ كإجراء وقائي ضمن الدراسة. يقول سبيروبولوس: «استهدفنا المجموعات المعرضة لخطر كبير؛ حيث تبين أن استخدام مميعات الدم بعد الخروج من المستشفى لمدة 30 إلى 45 يوماً، قلل من مخاطر الجلطات الدموية بنسبة 50% تقريباً، ولقد أحدث ذلك فرقاً مهماً في الواقع».

الوفيات بسبب الجلطات الدموية

يعتقد سبيروبولوس أن هناك وفياتٍ في المستشفى حدثت بسبب الجلطات الدموية أكثر مما يمكن أن توثقه الدراسة، لأن العلاج بمميعات الدم قلل من المعدل الكلّي للوفيات، وليس فقط الوفيات التي كانت الجلطات سبباً رئيسياً بحدوثها. ويضيف قائلاً: «لو لم تكن الوفيات مرتبطةً بالجلطات، لم تكن المميعات لتخفّض عددها».

وذلك ممكناً أيضاً نظراً لأن الباحثين لاحظوا أن مرض كوفيد-19 يسبب جلطات دقيقة في الرئتين. يقول سبيروبولوس في هذا الصدد: «هذا الأمر جديد كلياً. تُعرف الجلطات التي تحصل في الرئتين باسم «الانصمام الرئوي». حيث تتشكل في البداية عادة في الساقين قبل أن تتفتت وتنتقل إلى الجانب الأيمن من القلب، ثم تُضخ إلى الرئتين». لكن يبدو أن كوفيد-19 يؤدي إلى تشكّل ما يُسمى بـ «الميكروثرومبي الرئوي»، أو ما يُعرف بالجلطات الصغيرة التي تتشكل في الأوعية الدموية للرئتين نفسها.

يقول سبيروبولوس: «نستطيع البحث عادة عن أدلةٍ على وجود جلطات دموية في الساقين باستخدام الموجات فوق الصوتية، أو في الرئتين من خلال استخدام التصوير المقطعي»، بينما من الصعب للغاية تشخيص الإصابة بالجلطات الدموية الدقيقة دون تشريح الجثة، كما تذهب بعض التقديرات إلى أن بين 60 إلى 100% من الأشخاص الذين يدخلون المستشفى بسبب مرض كوفيد-19 يُصابون بنوعٍ ما من الجلطات الدموية عند وفاتهم.

يوافق باتيل على أن البيانات «توفر دليلاً للاعتقاد بحدوث جلطات غير مُشخّصة في مرضى كوفيد-19 الذين خرجوا من المستشفى، ويضيف قائلاً: «لقد كان الأطباء يعرفون حتى قبل ظهور فيروس كورونا بأن المرضى يعانون من الجلطات الدموية لحوالي 4 – 6 أسابيع بعد خروجهم من المستشفى؛ لكن يبدو أن مرض كوفيد-19 يؤدي إلى تفاقمها. ربما تدفع الأعداد الكبيرة من الحالات وقلّة موارد المستشفى إلى إخراج المرضى مبكراً؛ في الوقت الذي لا يزالون فيه عرضةً للإصابة بالجلطات الدموية»، ويشير سبيروبولوس أيضاً إلى أن مدة الإقامة في المستشفى في الولايات المتحدة أقصر من تلك الموجودة في أوروبا أو الصين؛ مما قد يجعل هذه الظاهرة أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة.

لكن يقول باتيل أن البيانات «يجب أن تُفسَّر بحذر»؛ خاصةً عندما يتعلق الأمر باستنتاج إصابة المرضى بمعدل مرتفع من الجلطات غير المشخّصة. لقد أُعطي المرضى مميعات الدم بناءً على قرارات أطبائهم، وليس كجزءٍ من تجربة عشوائية مُعشّاة؛ لذلك من الممكن دائماً أن يكون هناك نوعٌ من التحيز في العلاج.

ومع ذلك؛ فإن استخدام مميعات الدم يحمل مخاطر أيضاً؛ إذ يمكن أن تسبب المميعات نزيفاً داخلياً؛ بالتالي؛ وكما يقول سبيروبولوس: «لا توجد فائدة عموماً من إعطاء المميعات للمرضى ذوي المخاطر المنخفضة عندما تكون خطورة حدوث نزيف مساوية لخطورة حدوث الجلطات»؛ لكنه يعتقد أن فائدة المميعات أكبر من ضررها بالنسبة للمرضى ذوي المخاطر العالية، وقد أثبتت الدراسة ذلك عملياً.

لكن تُظهر الدراسة أيضاً ارتفاع معدلات ما يُعرف باسم «النزيف الشديد» بعد الخروج من المستشفى (يعبّر مصطلح النزيف الشديد عن النزيف الخارجي والداخلي؛ ولكن المقصود هنا هو النزيف الداخلي لأنه أكثر شيوعاً؛ باعتباره أحد الأعراض الخطيرة لمرض كوفيد-19). يصف باتيل هذا الاكتشاف بأنه «مذهل»، ويلاحظ أن «المزيد من التقارير تُظهر أن النزيف الشديد شائعٌ جداً أيضاً، على الأقل في مرضى كوفيد-19 الذين يُدخلون إلى المستشفى لتلقي العلاج». تؤكد هذه الدراسة أن هناك توازناً يجب أخذه بعين الاعتبار بالنسبة للأدوية المُعطاة لمرضى كوفيد-19؛ إذ تُظهر أن نفس العلاجات التي قد تنقذ أحد المرضى قد تقتل مريضاً آخر.

اقرأ أيضاً: انتشار المعلومات المُضللة خلال الأزمات قد يكون «مميتاً»

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.