Reading Time: 4 minutes

منذ نحو 2700 عام قبل الميلاد، اعتقد المصريون القدماء أن تقديم الأسماك؛ خاصةً المملَّحة، إلى الآلهة في بداية الربيع، سيضمن الحصاد الجيد، ويزيد من خصوبة التربة، وحضَّر المصري القديم سمكاً مملحاً خصيصاً لهذا الاعتقاد؛ مثل سمك البوري الرمادي المخمر، المعروف بالفسيخ. 

يحضَّر الفسيخ بتجفيفه في الشمس، ثم نقعه في محلول ملحي لمدة شهر، ثم يصبح جاهزاً للأكل، ورغم تحذيرات الحكومة كل عام؛ إلا أن الفسيخ يتربع على عرش شهية المصريين.

خطورة تناول الفسيخ

يمكن أن يتسبب الفسيخ في حدوث حالة من التسمم تُعرف بـ «التسمم الوشيقي أو الممباري – Clostridium botulinum»،  بسبب الطريقة التي يُحضَّر بها؛ حيث لا تُنظف الأسماك قبل عملية النضج والتمليح، وقد تُستخدم أسماك ميتة أو تضاف كمية غير مناسبة من الملح؛ مما يعطي الفرصة للبكتيريا التي قد تكون في أمعاء السمكة للنمو، وإفراز السموم التي تسبب التسمم.

تتشكل سموم «بوتولينوم» التي تنتجها بكتيريا «الكلوستريديوم» في الأطعمة الملوَّثة أو المعالَجة بطريقة غير سليمة، وتُعد هذه السموم من أقوى السموم المعروفة، ومع أنها حالة نادرة الحدوث؛ إلا أنها يمكن أن تكون مميتة؛ خاصةً إذا لم يتم إعطاء تشخيص سريع وعلاج فوري مناسب (إعطاء مبكر لمضادات السموم والرعاية التنفسية المكثفة)، ويمكن أن تحدث لدى الرضع، أو نتيجةً لتلوث الجروح، أو عن طريق الاستنشاق.

تهاجم هذه السموم الجهاز العصبي للإنسان مسببةً ضعفاً في العضلات؛ مما يؤدي في النهاية إلى الشلل الذي قد يصل لعضلات التنفس إذا لم يُعالج سريعاً.

يمكن العثور على سموم البوتولينوم في مجموعة متنوعة من الأطعمة؛ بما في ذلك الخضروات المحفوظة؛ مثل الفاصوليا الخضراء والسبانخ والفطر والبنجر، والأسماك؛ مثل سمك التونة المعلبة، والأسماك المملَّحة والمدخَّنة، ومنتجات اللحوم؛ مثل النقانق.

اقرأ أيضاً: ماهو التسمم الوشيقي؟

أعراض التسمم بالفسيخ

 

أعراض التسمم. الصورة: ويكيميديا كومنز

يمكن أن يستغرق ظهور الأعراض من عدة ساعات حتى بضعة أيام، وتشمل: 

  • تدلي الجفون. 
  • مشكلات في الرؤية والبلع والكلام والتنفس. 
  • ومن الأعراض المبكرة تعب شديد وضعف ودوار.
  • القيء والإسهال أو الإمساك وتورم في البطن. 
  • لا تحدث حمى، كما لا يفقد المريض الوعي.

كيف يحدث التسمم بالفسيخ؟

تفرز بكتيريا الكلوستريديوم سموم البوتولينيوم في غياب الأكسجين؛ سواءً كانت في التربة أو أوعية الطعام المغلقة، أو في بعض الأحيان في جسم الإنسان، ويتسمم الشخص عند تناوله الأطعمة الفاسدة أو الفسيخ الذي نمت فيه البكتيريا، وتكمن خطورة هذه البكتيريا كونها مقاوِمةً للحرارة؛ لكن يمكن القضاء على سمومها بالغليان.

ماذا تفعل إذا أصبت بالتسمم؟

إذا اشتبهت بحدوث تسمم غذائي، يجب الحصول على عناية طبية فورية، لذلك اذهب إلى أقرب مستشفى للطوارئ في منطقتك، وتذكر أن العلاج لا يمكنه عكس أي شلل وقع بفعل السم، لذا كلما كان العلاج أبكر، كان أكثر فاعليةً. يتضمن العلاج حقن بمضادات للسموم أو أجسام مضادة لدعم وظائف الجسم، كما يقوم الأطباء في بعض الأحيان بتنظيف الجهاز الهضمي عن طريق تحفيز التقيؤ وإعطاء أدوية لحث حركة الأمعاء.

علاج التسمم منزلياً

لا يمكن علاج التسمم في المنزل، ويجب الذهاب إلى المستشفى لاتخاذ الإجراءات اللازمة؛ لكن توجد بعض الخطوات يمكن اتباعها لتخفيف الأعراض؛ مثل:

  1. شرب السوائل؛ لكن انتبه من شرب كمية كبيرة مرة واحدة، فهذا يؤدي إلى تفاقم الغثيان والقيء؛ فقط رشفات قليلة متكررة على مدار بضع ساعات.
  2. التبول على فترات منتظمة، ولاحظ أن يكون لون البول فاتحاً وصافياً، فلون البول الداكن علامة على الجفاف.
  3. تجنب الأدوية المضادة للإسهال، فقد تبطئ من عملية التخلص من الجراثيم أو السموم داخل جسمك.

اقرأ أيضاً: بكتيريا تسبب التسمم الغذائي لكنها أيضاً تمنح الجسم العناصر الغذائية الرئيسية

ماذا يقول العلم عن الفسيخ؟

ومن المتوقَّع أن يتحسن الشلل الواقع في غضون عدة أسابيع أو الأشهر التالية. يشير «منير بهجت»؛ أستاذ الكبد والجهاز الهضمي في كلية الطب جامعة المنصورة بمصر في حديثه إلى “بوبيولار ساينس – العلوم للعموم،  إلى أنّ: “أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر الفسيخ هو كمية الملح الكبيرة العائدة إلى طريقة تصنيعه التي تتخطى النسب التي حددتها منظمة الصحة العالمية بـ 5 جم في اليوم؛ فما يشكل خطورةً على مرضى ارتفاع ضغط الدم ومرضى القلب عموماً؛ حيث يمكن أن يحدث هبوط في القلب، وتزداد أمراض القلب إلى نسبة 20% تقريباً بسبب تناول الفسيخ.

ويضيف بهجت أن الفسيخ لا يشكل خطورةً فقط على من يتناوله يوم شم النسيم فحسب؛ بل على من يتناوله على مدار العام، خاصةً الفسيخ الصيني الذي تعتبره منظمة الصحة العالمية من المسرطنات من النوع الأول- سرطان البلعوم الانفي بشكل اساسي. هناك العديد من الدراسات في اليابان وغيرها أثبتت ذلك؛ ولكن السبب غير مؤكد، ويعتقد أنه بسبب وجود بعض المركبات النيتروجينية في الفسيخ.

ويفيد بأن الفسيخ يحتوي على المعادن الثقيلة؛ مثل الرصاص، الزرنيخ، والزئبق؛ والتي من الممكن أن تسبب تسمم، ويقول بأن القيء والإسهال والمغص الذي يحدث بسبب التسمم ليس مشكلةً، ولكن المشكلة في التسمم الممباري الذي يمكن أن يؤدي إلى الوفاة، لذا ينصح بهجت بعدم أكل الفسيخ في باقي فترات السنة، وعدم أكل كمية كبيرة، وعلى مرضى الضغط وأمراض القلب تجنب تناول الفسيخ تماماً، والذهاب للمستشفى عند رؤية أية أعراض للتسمم حتى لا تصل الإصابة لعضلات التنفس، ويضطر الطبيب لوضع المريض على جهاز التنفس الصناعي.

ومن جانبها؛ تنصح المنظمات والهيئات العالمية باتباع إجراءات النظافة الغذائية وتوصيات التعليب، وعدم أكل أية أطعمة من علب منتفخة أو تالفة، أو تناول الأطعمة ذات الرائحة الكريهة أو المخزَّنة في درجة حرارة غير صحيحة، والأطعمة منتهية الصلاحية.

الوقاية

ختاماً؛ تمكن الوقاية من التسمم الغذائي بشكل عام عن طريق الممارسات الجيدة عند إعداد الطعام خاصةً التسخين والنظافة، فالتسخين الشديد يمكن أن يعطل سموم البكتيريا، كما وضعت منظمة الصحة العالمية 5 قواعد من أجل طعام أكثر أماناً كالتالي:

  • الحفاظ على النظافة.
  • فصل الطعام النيء عن المطبوخ.
  • طبخ الطعام جيداً.
  • تخزين الطعام في درجات حرارة مناسبة.
  • استخدام المياه والمواد الخام الصالحة.

اقرأ أيضاً: السماد الطبيعي قد يحمينا من التسمم الغذائي