Reading Time: 4 minutes

يمثل الربيع معاناة لا تنتهي بالنسبة للعديد من الأشخاص المصابين بالحساسية الموسمية. تمتلئ رفوف متاجر الأدوية بالعقاقير والبخاخات الأنفية وقطرات العيون، ولكن أحياناً، هذه الأدوية لا تنفع. هناك أيضاً أدوية البروبيوتيك (تدعى أحياناً بالمُعينات الحيوية)، ويُروّج لها كثيراً كعلاجات لكل الأمراض، على الرغم من غياب الأدلة التي تثبت ذلك. ولكن ما تأثير البروبيوتيك لعلاج الحساسية الموسمية؟

على الرغم من وجود أدلة تبين أن البكتيريا التي تعيش داخل أمعائنا تلعب دوراً مهماً في مناعتنا، إلا أنه ليس هناك أدلة تثبت أن نوعاً معيناً من البروبيوتيك يقلل شدّة ومعدل تكرار الحساسية الموسمية.

اقرأ أيضاً: الحساسية: ما هي؟ وما أسبابها وأنواعها؟

استنتجت إحدى أشمل دراسات المراجعة التي أُجريت حتى الآن -والتي نُشرت في 2015، ونظرت في 23 دراسة عن فعالية سلالات متنوعة من البروبيوتيك في علاج الحساسية الموسمية- أن معظم الأدوية التي تحتوي على البروبيوتيك تحسّن أعراض التحسس، مقارنة بالعلاجات الوهمية. هذا أمر واعد للغاية، لكن المشكلة -كما بيّن المؤلفون- هي أن هذه الدراسات قد استخدمت سلالات مختلفة من البكتيريا، مما يجعل رسم استنتاجات نهائية أمراً مستحيلاً.

بكلمات أخرى، لم تبرز أي سلالة محددة كعلاج مُثبت. مثلاً، بيّنت إحدى الدراسات أن أحد أنواع البكتيريا كان فعالاً ضد التحسس الذي تتسبب فيه حبوب طلع الأعشاب، بينما وجدت أخرى أن نوعاً آخراً كان فعّالاً أيضاً، وبنفس الوقت، وجدت دراسة ثالثة أن هاتين السلالتين ليستا فعالتين أبداً. في حين الأدلة العلمية التي تبين أن أدوية البروبيوتيك كتصنيف عام لها فعالية معينة ضد التحسس موجودة، إلا أنه لا يمكننا معرفة نوع البكتيريا المحدد الذي يجب أن يستخدمه البشر لعلاج أية حالة معينة. حتى بوجود الأبحاث الجديدة، ليس من المرجّح أن تستبدل نظام الأدوية المضادة للهيستامين بأدوية البروبيوتيك بشكلٍ كامل.

يقول «ماثيو سيوربا»؛ أخصائي أمراض الجهاز الهضمي ومدير برنامج الأمراض المعوية الالتهابية في جامعة واشنطن في سانت لويس: «أشك بأن تصبح أدوية البروبيوتيك فعّالة بما يكفي لتستبدل أدوية التحسس الحالية في أي وقت قريب»، ويضيف: «إذا استُخدمت، فستكون علاجات مكمّلة على الأرجح».

مصادر البروبيوتيك

الميكروبات التي تعيش في الأمعاء تحافظ على صحة الشخص، والعلماء يكتشفون أخيراً كيفية قيامها بذلك.

البروبيوتيكات هي أحياء حيّة دقيقة يعتقد أن لها منافع للصحة. توجد هذه الأحياء في الأطعمة المخمّرة مثل اللبن والملفوف المُخمّر، كما أصبحت موجودة أيضاً على شكل حبوب تُباع في متاجر الأدوية حديثاً. عند تناول الحبوب، تصل هذه الأحياء إلى القولون حيث تنضم إلى بيئة تتألف من مليارات البكتيريا الأخرى التي تُعرف جمعاً باسم «الميكروبيوم». مؤخراً؛ وجد العلماء أن هذه الميكروبات تلعب دوراً مهمّاً في وظائف جسم الإنسان، مثل استجابة الجهاز المناعي لأنواع الخلايا المختلفة.

الميكروبات التي تعيش في أمعائنا يمكن أن تتغير، ويعتمد ذلك على عدة عوامل مثل الحمية والبيئات التي نتفاعل معها. يُعتقد أن بعض التركيبات البكتيرية لها منافع للصحة، بينما يُعتقد أن أخرى قد تساهم في الإصابة ببعض الأمراض. الفكرة التي تكمن وراء تناول أدوية البروبيوتيك هي تغيير ميكروبيوم الأمعاء بطريقة تُعزز الصحة الجيدة وتقي من الأمراض.

مع ذلك، تمكّن العلماء من إثبات أن عدداً قليلاً فقط من السلالات فعالة في علاج بعض الأمراض، معظم هذه الأمراض هي حالات مَعديِّة معويّة مثل متلازمة القولون العصبي والإمساك.

اقرأ أيضاً: مستقبل «البروبيوتيك» وميكروبيوم الأمعاء في علاج بعض الأمراض

أما بالنسبة للحساسية؛ نظرت الكثير من الدراسات -وتمت مراجعة العديد منها في الدراسة سابقة الذكر التي نُشرت في 2015- في قدرة عدد كبير من السلالات البكتيرية على تخفيف بعض الأعراض الموسمية. على سبيل المثال، وضمن دراسة نُشرت في 2013 في دورية «ذا جورنال أوف كلينيكال نيوتريشن»، مُنح 20 مريضاً مصاباً بالتهاب الأنف التحسسي الموسمي (انسداد أنفي ينتج عن حمّى الكلأ) سلالة معينة من بكتيريا «بيفيدو باكتيريوم لاكتس»، مما ساعد في تخفيف الأعراض التي عانى المرضى منها مقارنة بعلاج وهمي. نظرت دراسة أخرى من عام 2005 في الحساسية الموسمية، ولكن استُخدمت فيها سلالة أخرى من البكتيريا، وتسمّى «لاكتوباسيلوس أسيدوفيلوس»، ووجدت أن هذه البكتيريا تُحسن قليلاً من أعراض الحساسية.

لم تُدرس أي سلالة بكتيرية مراراً وتكراراً تحت نفس الظروف وبالاستعانة بأعداد كبيرة من البشر. لذلك لا يمكن صياغة أي إرشادات عامة بعد. مع ذلك، فكما يبين الباحثون في دراسة المراجعة التي نُشرت في 2015، يُفترض أن تكون الأعراض السلبية الناتجة عن تناول البروبيوتيك غير مُقلقة. إذاً، على الرغم من أن الأدوية التجارية التي تحتوي على البروبيوتيك لن توفّر فوائد كبيرة على الأرجح، إلّا أنها لن تضر بك أيضاً.

هل سنستخدم البروبيوتيك لعلاج الحساسية الموسمية يوماً ما؟ ربما. لكن أولاً، وبالإضافة إلى تحديد أي من السلالات هي التي لها تلك الفوائد المحددة، يجب على الباحثين أيضاً أن يفهموا الآلية التي تعمل وفقها هذه البكتيريا في تقديم فوائدها. لازلنا بعيدين عن فهم ذلك. تُبين بعض الدراسات على الفئران أن البكتيريا يمكن أن تتدخل في وظيفة الخلايا التائية (وهو نوع من الخلايا المناعية التي تساعد في توليد الاستجابات المناعية الفعالة في مقاومة العَدَوات).

تُبين دراسات «حيوانية» أخرى أن البروبيوتيك يساعد في تعديل بروتين اسمه «الغلوبولين المناعي هـ»، مما يمكن أن يتسبب في تقليل تركيب هذا البروتين في الجسم. عندما تصاب بنوبة تحسس؛ ينتج جهازك المناعي كمّيات هائلة من هذا البروتين كاستجابة غير ضرورية مبالغ بها لأحد العوامل المسببة للتحسس، مثل غبار حبوب اللقاح للأعشاب. إذا فهمنا بالضبط كيف تُعدّل البكتيريا البروتين سابق الذكر؛ قد نستطيع استخدام البروبيوتيك لتخفيف أعراض التحسس.

يقول سيوربا: «من المحتمل أنه يوماً ما، سيُكتشف أن نوعاً محدداً من البروبيوتيك قادر على تخفيف الاستجابة المناعية التي يُحدثها الغلوبولين المناعي هـ، والمرتبطة بالحساسية الموسمية».

في الوقت الحالي، كل ما نعرفه هو أن الأحياء الدقيقة يمكن أن تفيدنا، ولكنها على الأرجح لن تتسبب بأي أضرار خطيرة.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.