Reading Time: 5 minutes

غالباً ما تدور أحاديث الآباء مع بعضهم حول عادات أطفالهم الغذائية؛ فمعظمنا يحب مشاركة الآخرين ما هي الأطعمة المفضلة لأطفاله، والأطعمة غير المفضلة لسببٍ غير مفهوم، فيما نحاول تقديم النصائح لبعضنا البعض حول انتقائية الطعام، وكيفية تجاوز هذا التحدي اليومي.

في الواقع؛ تعد انتقائية الطعام وتفضيل أنواع محددة من الأطعمة من قِبل الأطفال، مرحلةً طبيعية من تطوّرهم جزئياً، وغالباً ما تختفي أثناء نموهم؛ ولكنهم ما يزالون بحاجةٍ إلى مساعدتنا لإنشاء علاقةٍ صحيةٍ ومرنةٍ مع الطعام.

ستساعدهم القدرة على تجربة مختلف النكهات والأطعمة غير المألوفة على الشعور بالراحة في تجربة أنواع متعددة من الطعام، واكتشاف أطباقٍ جديدة قد يحبونها، كذلك سيصبح بمقدورهم تقييم الطعام بما يتجاوز مذاقه، وتقدير قيمته الغذائية، وفائدته لهم.

لماذا إرضاء الأطفال يعد أمراً صعباً؟

في الواقع؛ لا توجد إجابة واحدة تشرح هذا الأمر. تقول «سيندي هيردي»؛ الأخصائية الإكلينيكية في مستشفى نيكولاس للأطفال والمتخصصة في التغذية والبلع: «يتعلّم الأطفال سريعاً أنّ بمقدورهم اختيار تناول الطعام أو لا، وغالباً ما يمارسون نوعاً من السيطرة من خلال رفض الأطعمة، وحين يكون رد فعل الوالدين بالتوقّف عن تقديم الأطعمة التي يرفضها الطفل، يمكن أن يكتسب الطفل عادةً انتقائيةً الطعام».

لكن لا تُعتبر هذه المشكلة سلوكيةً فقط، فقد تكون هناك أسباب بيولوجية وراءها؛ إذ يتوقّف نمو الأطفال السريع في عمر السنة؛ مما يؤدي إلى انخفاض احتياجاتهم من الطاقة؛ وبالتالي انخفاض شهيتهم. تقول «كيسي بارنز»؛ أخصائية التغذية المسجلة، ومؤسِسة موقعٍ موجّه للأمهات، ومختصة بتغذية الأطفال: «إن ما يراه الآباء عند أطفالهم على أنه توقفٌ مفاجئ عن تناول الطعام، رغم أنهم كانوا يتناولون الطعام في السابق بنهم، قد يكون ببساطة نوعاً من استجابة الطفل لانخفاض احتياجاته الجسدية».

وتقول «نيكول أفينا»؛ الأستاذة المساعدة في علم الأعصاب في كلية ماونت سيناي الطبية، ومؤلفة كتاب «ماذا تطعم الرضيع والطفل الصغير»: «يمتلك الناس منذ ولادتهم ميلاً بيولوجياً يحثّهم على تجنّب الأطعمة الجديدة؛ إذ أن العديد من الأطعمة التي توجد في البرية سامّة أو قاتلة؛ لذا فإن تجنّب الأطفال الأطعمة الجديدة آلية دفاعٍ طبيعية».

المكافآت ليست مفيدةً دائماً

يقدّم الناس مختلف النصائح حول كيفية التعامل مع الطفل صعب الإرضاء بحُسن نية؛ لكن أكثرها قد يضر أكثر مما ينفع في الواقع، بينما ينصح معظم الخبراء الذين تحدثنا إليهم بأن نشجّع أطفالنا على الاستماع إلى إشارات أجسادهم بدلاً من تناول كل الطعام، وتشير بارنز إلى أنّ إجبار الطفل على تناول الطعام بعد أن يشعر بالشبع يمكن أن يخلق عاداتٍ غذائيةً غير صحيةٍ، وتتفق هيردي حول هذا الأمر وتقول: «أنت تقرر متى وماذا وأين تأكل، فلندع أطفالنا يتعلمون ذلك».

وكما يعلم الكثير من الآباء بالفعل؛ فإن مساومة أطفالنا ومكافأتهم لدفعهم إلى تناول الطعام المتبقي، قد تأتي بنتائج عكسية أيضاً؛ فإذا أقنعتهم بتناول المزيد من البروكلي، ووعدتهم بقطعة حلوى مقابل ذلك، فلن يكون لديهم حافزٌ لتناوله عندما لا يكون هناك حلوى بانتظارهم في نهاية الوجبة. بالإضافة إلى ذلك؛ فإن هذا النوع من المكافآت يعلّم الطفل أن الخضروات ربما ليست جيدةً بحد ذاتها، وأن الآيس كريم أو أي طعامٍ غير صحي آخر، سيكون الهدف النهائي لتناول الطعام.

ونظراً لأن أي طفلٍ يبلغ من العمر 3 سنوات لن يرغب بتناول أي شيءٍ ما عدا البسكويت والآيس كريم على العشاء؛ توصي أفينا أيضاً بتجنّب سؤالهم عمّا يريدون تناوله، وتقديم نوعين أو 3 من الطعام فقط بدلاً من ذلك؛ إذ أنّ عرض عدّة خيارات يمنح الطفل شعوراً جميلاً بالسيطرة، وفي نفس الوقت؛ لن يختار إلا الأطعمة الجيدة في هذه الحالة.

أخيراً؛ لا تحاول إجبار طفلك على تناول طعامٍ معين، لقد وجد استطلاعٌ أُجري عام 2002، وشمل أكثر من 400 طالبٍ جامعي، أن المشاركين تذكّروا الشعور بفقدان السيطرة والعجز أثناء معارك التغذية القسرية مع آبائهم، وما زال 72% منهم لا يأكلون الأطعمة التي أجبرهم آباؤهم على تناولها عندما كانوا أطفالاً.

خطوات تساعد بها أطفالك على تنويع طعامهم

لن تستطيع إقناع طفلك صعب الإرضاء بتناول السوشي في اليوم الأول؛ إذ أن إقناع الطفل بقبول أنواعٍ أخرى من الطعام هي عملية تنطوي على الاتساق والتواصل الصحيح، وفيما يلي بعض الأفكار التي يمكن أن تساعد طفلك.

1. الأمر كله يتعلق بالتعرّض

كلما اختبر أطفالك نكهات وروائح وأطعمة ذات قوامٍ مختلف وجديدة، زاد تقبلهم لتجربة أشياء جديدة، فإذا رفض طفلك الطعام أثناء الوجبة، وحتى لو لم يتناول قضمةً واحدة، فلا تستسلم، وكرر المحاولة في المرة القادمة، فربما يتقبلّه الطفل في النهاية.

ولا يتعلّق الأمر بتناول الطعام فقط؛ إذ يُعتبر التفاعل مع الطعام بحد ذاته تعرّضاً، ويجب تشجيعه عند الطفل. يمكن البدء عندما يكون طفلاً رضيعاً، كأن تعطيهم قطعاً من الطعام تناسب أعمارهم ليسحقوها بأيديهم، ومع تقدمهم بالسن، يمكنك إشراك طفلك معك في زراعة الخضراوات، أو اصطحابه لشراء الطعام، ودفعه لمساعدتك في اختيار البقالة.

كما يمكنك أيضاً طلب المساعدة منه في إعداد العشاء، والسماح له بتقديم الطعام للجميع على المائدة. على سبيل المثال؛ يحب أطفالي مساعدتي في تقليب المعكرونة وتقطيع الخضار باستخدام سكاكينهم البلاستيكية الآمنة للأطفال، يشجعهم ذلك على تناول الطعام الذي ساعدوا بإعداده.

تقول «نيكول بوركينز»؛ الأخصائية النفسية وأخصائية التغذية المرخصة: «مع ذلك؛ يجب أن تتحلّى بالصبر، فقد تحتاج إلى 10 محاولاتٍ من تعريض الطفل إلى طعامٍ معين قبل أن يتمكّن دماغه من اتخاذ قرارٍ بتناوله أخيراً».

2. نمذجة السلوك الذي ترغب برؤيته لدى طفلك

تقول بارنز: «يقلّد الأطفال سلوكك بشكلٍ عام، فإذا كنت تريدهم أن يتناولوا الخضار، يجب أن يشاهدوك تقوم بذلك، ولا ينطبق ذلك على الطعام فقط، فبمجرّد وضع نظامٍ وقواعد لوقت الوجبات بالنسبة للأطفال، اتّبعها أنت أيضاً. تناول مختلف الأطعمة، وابقَ على الطاولة حتى ينتهي الجميع، فمن خلال نمذجة السلوك المُتوقع باستمرار، سيعتاد أطفالك على اتباعه بمرور الوقت».

3. اجعل أوقات الوجبات تجربةً مفيدة

الوجبات مناسبات اجتماعية مهمة، وينبغي أن تكون مليئةً بالمرح والطاقة الإيجابية، بدلاً من أن تكون مناسبةً للجدال والتوتر. تقترح هيردي إيجاد طريقةٍ لجعل هذه المناسبة أكثر متعةً، وإدخال أطعمةٍ جديدة أثناءها؛ فمثلاً يمكنك أن تتنافس مع الأطفال حول من يمكنه تجميع أغرب طبقٍ من الأطعمة الموجودة على المائدة.

لقد نجحت زوجتي في جعل أطفالنا يتقبّلون تناول الفلفل والبطاطا المخبوزة عن طريق صنعها بشكلٍ فني؛ حيث كانت تقوم هي والأطفال بصنع أشكال متنوعة من البطاطا؛ مثل منزلٍ أو قارب أو حتى سفينة فضائية، ومن ثمّ وضع تماثيل من الفلفل والجبن والبصل والقشدة حولها؛ الأمر الذي جعلهم يتوقون لتذوقها بعد طهيها.

احرص أيضاً على تقديم الأطعمة التي يحبونها في كلّ وجبة، ولا تكتفِ بتقديم الأطعمة الجديدة فقط، وسيُشعرهم بالراحة، ويسمح لهم بتناولها في حال عدم تقبلهم للأطعمة الجديدة.

4. انتبه لكلماتك

إذا وصفت أطفالك بأنه من الصعب إرضاؤهم فيما يتعلّق بتناول الطعام، أو سمعوك تتحدّث عن ذلك مع الأصدقاء أو العائلة؛ فسيعتقدون أنهم أشخاصٌ غير طبيعيين، وبالمثل؛ إذا قلت أنهم لا يحبون طعاماً معيناً، فسوف يترسخ لديهم عدم تقبّل هذا الطعام.

بدلاً من ذلك؛ تقترح نيكول بوركينز أن يستخدم الآباء عباراتٍ معينة مثل «لا بأس أنّك لم تحبّ هذا الطعام»، أو «لا بأس أنك لست مستعداً لتناول هذا الطعام بعد»، أو «ما عليك سوى المزيد من التدريب»، وتُشير بيركينز إلى أن مثل هذه العبارات تسمح بالتغيير، وهي الخطوة الأولى نحو اكتساب الأطفال مرونةً تجاه الطعام.

5. حيلٌ بسيطة قد تؤدي الغرض أحياناً

من المهم للغاية تعريض أطفالنا لأطعمةٍ متنوعة؛ لكن ذلك قد ينطوي على أشياء كثيرة. تقول بيركنز في هذا الصدد: «يمكن أن يكون تغيير طريقة تقديم الأطعمة خطوةً أولى جيدة. ابدأ ببساطة؛ كأن تقدّم البسكويت المقرمش له في صحنٍ أو فنجانٍ بدلاً من تقديمه في وعاء، ويمكن أن ينطوي هذا التنوّع على تقديم أنواعٍ أخرى من البسكويت أيضاً».

هناك طريقة أخرى يمكن للوالدين من خلالها تفادي انتقائية الطعام، وإنشاء التنوع؛ من خلال إدخال نكهات جديدة في الأطعمة التي يحبها أطفالك بالفعل، تنصح أفينا مثلاً بإضافة القليل من هريس الجزر أو البروكلي إلى المعكرونة والجبن للأطفال الذين يصعب إرضاؤهم.

سيساعد ذلك في توسيع قائمة الأطعمة التي يحبونها، وسيرتاحون أكثر مع النكهات الجديدة. بالنسبة لأطفالي؛ كنا نقوم بذلك عن طريق وضع السبانخ في عصائر الفاكهة، وزيادة الكمية شيئاً فشيئاً بمرور الوقت.

كيف تعرف أن الأمر يتجاوز مشكلة الانتقائية؟

كثيراً ما يقلق الآباء بشأن انتقائية أطفالهم للطعام أكثر من اللازم؛ لكن قد تتطلّب صعوبة تقبّل الأطعمة في بعض الأحيان تدخلاً طبياً بالفعل. عليك الانتباه إلى هذه العلامات التحذيرية التالية:

  • عدم اكتساب الطفل للوزن الملائم لعمره.
  • التقيؤ أو صعوبة ابتلاع الطعام بشكلٍ منتظم أثناء تناول الطعام.
  • الضيق الشديد والقلق عندما تحين أوقات الوجبات.
  • عدم قبول تناول الطفل أكثر من 20 نوعاً من الأطعمة؛ بما في ذلك الأشكال المختلفة من الأطعمة (الفاصوليا الخضراء النيئة والفاصوليا الخضراء المعلبة طعامان مختلفان).
  • عدم ظهور علامات الجوع على الطفل إطلاقاً.
  • صعوبة النوم.

كما تنصح هيردي الآباء باتباع حدسهم، فإذا كنت قلقاً بشأن أي من الأشياء السابقة، أو إذا شعرت أن هناك شيئاً ما ليس طبيعياً، فمن الأفضل التحدث مع طبيب الأطفال بشأن ذلك.

لم يفتِ الأوان بعد

بشكلٍ عام؛ انتقائية الطعام لدى الأطفال ليست عادة دائمة، ويمكن للوالدين دائماً مساعدة أطفالهم على توسيع ذوقهم لتجربة نكهاتٍ وأطعمةٍ جديدة.

لا يوجد سنّ معين للطفل يمكننا القول عنده أن الأمر طبيعي، أو خطوة لا جدوى عندها من محاولة مساعدة أطفالنا، وكما تقول بيركنز: «ضع في اعتبارك دائماً أنه لم يفتِ الأوان بعد، ويمكنك البدء في محاولاتك في الحال بغض النظر عن سنّ أطفالك».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.