Reading Time: 5 minutes

هناك مقولة شهيرة تقول: «أنت ما تأكل». حسناً، ربما الأصح من ذلك أن نقول «أنت ما أكلت عندما كنت طفلاً». إذ أن الدراسات تثبت واحدةً تلو الأخرى تأثير النظام الصحي في مرحلة الطفولة على الجسم مدى الحياة، سواء كان ذلك التأثير عضوياً أو نفسياً. 

وتوصلت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد الأميركية إلى أن تناول الكثير من الدهون والسكر في مرحلة الطفولة يمكن أن يغير «الميكروبيوم» مدى الحياة، حتى لو تعلّمت لاحقاً أن تأكل طعاماً صحياً.

أثر لا يفارق الأمعاء مدى الحياة

تظهر الدراسة أن النظام الغذائي الغني بالدهون والسكر كان له تأثيرات دائمة على ميكروبيوم الفئران، وقد يكون الأمر كذلك بالنسبة للإنسان. هذه واحدة من أولى الدراسات التي أظهرت انخفاضاً كبيراً في العدد الإجمالي وتنوع بكتيريا الأمعاء في الفئران الناضجة التي تغذت على نظام غذائي غير صحي عندما كانت في سن صغير. وتم نشر ورقة بحثية تصف الدراسة مؤخراً في دورية «إكسبيريمينتال بيولوجي».

يشير مصطلح «الميكروبيوم» إلى مجموع البكتيريا والفطريات والطفيليات والفيروسات التي تعيش على وداخل جسم الإنسان أو الحيوان. توجد معظم هذه الكائنات الدقيقة في الأمعاء، ومعظمها مفيدة في تحفيز جهاز المناعة وعمليات هضم الطعام والمساعدة في تصنيع الفيتامينات الرئيسية.

في الجسم السليم، هناك توازن بين الكائنات الدقيقة المسببة للأمراض والمفيدة. ومع ذلك، إذا اختل التوازن، إما من خلال استخدام المضادات الحيوية أو الإصابة بمرضٍ ما أو اتباع نظام غذائي غير صحي، فقد يصبح الجسم عرضة للإصابة بالأمراض.

بحث الفريق في هذه الدراسة عن التأثيرات على الميكروبيوم بعد تقسيم الفئران إلى مجموعتين؛ الأولى تغذت على النظام الغذائي القياسي الأكثر صحة، نصفها لديه إمكانية استخدام عجلة الجري للتمرين، ونصفها الآخر لا. والأخرى تغذت على نظام غذائي أقل صحة، كذلك نصفها لديه إمكانية استخدام عجلة الجري، ونصفها الآخر لا.

بعد ثلاثة أسابيع من اتّباع هذه الحميات الغذائية، تمت إعادة جميع الفئران إلى نظام غذائي قياسي وعدم ممارسة أي تمارين رياضية، وهي الطريقة التي يتم بها الاحتفاظ بالفئران في المختبر. عند مرور 14 أسبوعاً، أي بلوغها سناً متقدم، فحص الفريق تنوع ووفرة البكتيريا في أجسامها.

وجدوا أن كمية البكتيريا مثل «Muribaculum intestinale»؛ التي تشارك في استقلاب الكربوهيدرات، قد انخفضت بشكل كبير في مجموعة النظام الغذائي الأقل صحة. كما أظهر التحليل أن بكتيريا الأمعاء تلك كانت حساسة لمقدار التمارين التي تمارسها الفئران. فقد زادت لدى الفئران التي تتغذى على نظام غذائي قياسي كان لديها إمكانية الوصول إلى عجلة الجري وتقلّصت في الفئران التي تتبع نظاماً غذائياً عالي الدهون، سواء كانت تمارس الرياضة أم لا.

بشكل عام، وجد الباحثون أن النظام الغذائي الأقل صحة المبكر كان له تأثيرات طويلة الأمد على الميكروبيوم أكثر من التمارين الرياضية المبكرة. ويودّ الباحثون تكرار هذه التجربة وأخذ عينات في نقاط زمنية إضافية، لفهم موعد ظهور التغييرات في ميكروبات الفئران لأول مرة بشكل أفضل، وما إذا كانت تمتد إلى مراحل لاحقة من الحياة. لكن بغض النظر عن موعد ظهور التأثيرات لأول مرة، يقول الباحثون إنه من المهم أنها لوحظت بعد فترة طويلة من تغيير النظام الغذائي، ثم تغييره مرة أخرى.

صحتك كبالغ تتبع ما تناولته كطفل

أشار بحثٌ آخر أجرته جامعة كالجاري الكندية إلى وجود علاقة مباشرة بين ميل الشخص البالغ إلى زيادة الوزن ونظامنا الغذائي في مرحلة الطفولة المبكرة. إذ يظهر البحث أن الطعام الذي نأكله يغير مدى نشاط جينات معينة في أجسامنا. وعلى وجه الخصوص، يُعتقد أن نظامنا الغذائي له تأثير مباشر على الجينات التي تتحكم في كيفية تخزين أجسامنا للمغذيات واستخدامها. وهو ما يوطّد العلاقة بين صحتنا كبالغين ونظامنا الغذائي المبكر، وحتى نظام أمهاتنا الغذائي.

تقارن الدراسة المنشورة في دورية «جورنال أوف فيزيولوجي» بين ثلاث مجموعات من الفئران تم فطامها على ثلاث وجبات منفصلة في سن مبكرة جداً. تم تغذية مجموعة بنظام غذائي عالي البروتين، وتم تغذية مجموعة واحدة بنظام غذائي عالي الألياف بينما تم تغذية المجموعة الثالثة بنظام غذائي عشوائي. وعندما أصبحت الفئران بالغة، تحولت إلى نظام غذائي غني بالدهون والسكر.

أظهرت النتائج أن مجموعة الفئران التي تمت تربيتها على نظام غذائي غني بالبروتين كان وزنها ممتلئ وغنية بالدهون في الجسم أكثر بكثير من الفئران التي نشأت على نظاماً غذائياً غنياً بالألياف، والتي كان لديها أقل قدر من الوزن ودهون الجسم.

تظهر هذه الدراسة بوضوح أن تركيبة النظام الغذائي في مرحلة الطفولة المبكرة قد يكون لها تأثير مباشر مدى الحياة على الجينات التي تتحكم في التمثيل الغذائي وخطر السمنة. كما تشير هذه الدراسة بوضوح إلى أن تركيبة النظام الغذائي وحدها يمكن أن تغير مسار هرمونات الشبع المنتشرة والمسارات الأيضية التي تؤثر على كيفية زيادة الوزن أو التحكم في نسبة السكر في الدم عند البالغين.

سلوك الطفل الغذائي وأثره على بناء شخصيته

نظام الطفل الغذائي

shutterstock.com/Mangostar

قد تكون طريقة إطعام الأطفال لا تقل أهمية عن ما يتم إطعامهم، وفقاً لبيان علمي صدر عن جمعية القلب الأمريكية. وهو البيان هو الأول من الجمعية التي تركز على توفير استراتيجيات قائمة على الأدلة للآباء ومقدمي الرعاية لخلق بيئة غذائية صحية للأطفال الصغار تدعم تنمية سلوكيات الغذاء الإيجابية والحفاظ على وزن صحي في مرحلة الطفولة، وبالتالي تقليل المخاطر من زيادة الوزن والسمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية في وقتٍ لاحق من الحياة.

على الرغم من أن العديد من الأطفال يولدون ولديهم قدرة فطرية على التوقف عن تناول الطعام عندما يكونون ممتلئين، إلا أنهم يتأثرون أيضاً بالجو العاطفي العام، بما في ذلك رغبات مقدم الرعاية ومطالبه أثناء أوقات الوجبات. فإذا شعر الأطفال بالضغط على تناول الطعام استجابة لرغبات مقدم الرعاية، فقد يكون من الصعب عليهم الاستماع إلى إشاراتهم الداخلية الفردية التي تخبرهم عندما يكونون ممتلئين.

يُشجع السماح للأطفال باختيار ما يأكلونه وخاصة مقدار ما يأكلونه في بيئة تتكون من خيارات صحية الأطفال على تطوير قراراتهم المتعلقة بالطعام وتحملها في نهاية المطاف، وقد يساعدهم على تطوير أنماط الأكل المرتبطة بوزن صحي مدى الحياة. إذ يجب على الآباء ومقدمي الرعاية التفكير في بناء بيئة غذائية إيجابية تركز على عادات الأكل الصحية ، بدلاً من التركيز على القواعد الصارمة حول ماذا وكيف يجب أن يأكل الطفل.

يتمثل ذلك بعدة عوامل. منها؛ توفير توقيت ثابت للوجبات، والسماح للأطفال باختيار الأطعمة التي يريدون تناولها من مجموعة مختارة من الخيارات الصحية، وتقديم أطعمة صحية أو جديدة بجانب الأطعمة التي يستمتع بها الأطفال بطبعه، وتناول الأطعمة الجديدة والصحية بانتظام أثناء تناول الطعام مع الطفل وإثبات الاستمتاع بالطعام من قبل البالغ، والانتباه إلى إشارات الجوع والامتلاء اللفظية أو غير اللفظية لدى الطفل، وتجنب الضغط على الأطفال لتناول طعام أكثر مما يرغبون في تناوله.

وأشار الباحثون أنه قد يبدو فرض قواعد صارمة وسُلطوية حول تناول الطعام واستخدام تكتيكات مثل المكافآت أو العقوبات بمثابة تكتيكات ناجحة على المدى القصير. لكن الأبحاث لا تدعم هذا النهج. وقد يكون لها عواقب سلبية طويلة الأجل بدلاً من ذلك. إذ لا تسمح بيئة الأكل الاستبدادية للطفل بتطوير مهارات اتخاذ القرارات الإيجابية ويمكن أن تقلل من إحساسه بالسيطرة، وهي عمليات تنموية مهمة للأطفال. كما تم ربط النهج الاستبدادي بزيادة احتمال تناول الأطفال للأكل عندما لا يكونون جائعين. ومنه فإن تناول أطعمة أقل صحةً من المحتمل أن تكون أعلى في السعرات الحرارية، مما يزيد من خطر زيادة الوزن والسمنة واضطرابات الأكل.