لدغات البعوض أكثر بكثير من مجرد مصدر إزعاج صيفي يسبب الحكة والحمرة. فمن المعروف أن من الصعب السيطرة على الأمراض التي تحملها وتقتل أكثر من 700,000 شخص في أنحاء العالم كافة سنوياً. والأكثر من ذلك، طور العديد من حشرات البعوض مقاومة للمبيدات الحشرية الاصطناعية، وهي المواد نفسها التي يمكن أن تشكل مخاطر بيئية وصحية أيضاً.
وللتوصل إلى حل لهذه المشكلة، يبحث علماء الأحياء الدقيقة في مبيدات حشرية حيوية مشتقة من الكائنات الحية. ووفقاً لدراسة نشرت في 7 يوليو/تموز في مجلة علم الأحياء الدقيقة التطبيقي والبيئي، ثمة عزلة بكتيريا جمعها الباحثون من جزيرة كريت في البحر الأبيض المتوسط تعمل عمل مبيد حشري ضد بعوضة البيبين المزعجة (Culex pipiens molestus). يلقب هذا النوع من البعوض ببعوضة مترو أنفاق لندن لأنه كان يلدغ الأشخاص الذين يحتمون في محطات القطارات تحت الأرض في المدينة خلال الحرب العالمية الثانية، ويمكن لهذا النوع أن ينقل مسببات الأمراض الخطيرة التي تصيب الإنسان، بما في ذلك فيروس غرب النيل وفيروس حمى الوادي المتصدع.
مستخلصات بكتيرية تكافح البعوض حيوياً
وقد نجحت المستخلصات التي تحتوي على هذه المستقلبات، التي أنتجتها ثلاث عينات معزولة، في قتل يرقات البعوض كلها خلال 24 ساعة من التعرض لها. وهذه المستقلبات هي التي يمكن استخدامها لتطوير مبيدات حيوية ذات آثار جانبية بيئية ضئيلة، وفقاً للفريق البحثي.
يقول المؤلف المشارك في الدراسة والمختص في علم الحشرات الجزيئي وعلم الأحياء الدقيقة في جامعة جونز هوبكنز في مدينة بالتيمور الأميركية وفي معهد علم الأحياء الجزيئي والتكنولوجيا الحيوية في جزيرة كريت، جورج ديموبولوس: "إنها تتحلل بسرعة أكبر في البيئة ما يعني أنها لا تتراكم، وغالباً لا تقتل مثل هذه المجموعة الواسعة من أنواع الحشرات المختلفة كما تفعل المبيدات الحشرية الكيميائية".
البحث عن البكتيريا
في علم الأحياء الدقيقة، العزلة هي نوع واحد من البكتيريا التي يجري فصلها من مستنبت بكتيري مختلط ويجري الحصول عليها أيضاً من مستنبت بكتيري نقي. ونتيجة لذلك، تكون البكتيريا في المستنبت كلها من النوع نفسه. وهذا ما يسهل على علماء الأحياء دراسة تلك البكتيريا بعينها (أو الكائن البكتيري بعينه) وتحديدها.
وفي هذه الدراسة الجديدة، جمع ديموبولوس والمختص في علم الأحياء الجزيئي في معهد علم الأحياء الجزيئي والتكنولوجيا الحيوية، جون فونتاس، 186 عينة مختلفة من 65 موقعاً منتشراً في أنحاء جزيرة كريت كافة. وشملت العينات التربة السطحية، والتربة المحيطة بجذور النباتات، والأنسجة النباتية، وعينات من المياه، والحشرات الميتة. ثم عرضوا يرقات بعوضة مترو أنفاق لندن إلى محاليل مائية تحتوي على أكثر العزلات الواعدة الموجودة في العينات. ويعد قتل يرقات البعوض قبل أن تنمو لتصبح بعوضاً بالغاً طريقة شائعة للمكافحة لأن الحشرات تتكاثر بسرعة كبيرة.
تمكن أكثر من 100 من هذه العزلات من قتل يرقات البعوض كلها في غضون أسبوع، كما تمكن 37 منها من قتل اليرقات في غضون ثلاثة أيام. وهذه العزلات الـ 37 تمثل 20 جنساً من البكتيريا، وكثير منها لم يجر تحديدها من قبل لاستخدامها في المبيدات الحيوية، على حد قول ديموبولوس.
وكشف تحليل إضافي أن البكتيريا السريعة المفعول لم تقتل اليرقات من خلال العدوى. بل حفزت اليرقات بدلاً من ذلك على إنتاج مركبات مثل البروتينات والمستقلبات، وهي جزيئات صغيرة تنتج عن هضم الكائن الحي للطعام. وتعد هذه الطريقة واعدة لأنها تشير إلى أن المبيد الحشري الذي يستخدم هذه البكتيريا لن يعتمد على بقاء الميكروبات حية. ومن المحتمل أن يؤدي عدم الاعتماد على الميكروبات الحية إلى جعل المبيدات الحيوية تعمل فترة أطول. وقد يكون لهذه الطريقة آثار في مكافحة البعوض والآفات الزراعية المحتملة.
اقرأ أيضاً: كيف سيبدو العالم من دون بعوض؟
من مرحلة الاكتشاف إلى مرحلة العلوم
يعمل الفريق أيضاً على دراسة الطبيعة الكيميائية للجزيئات المبيدة للحشرات من كثب، وتحديد إن كانت بروتينات أو مستقلبات. كما يعكفون أيضاً على تحديد مدى قدرة البكتيريا على ممارسة نشاط مبيد الحشرات، بما في ذلك فحص العزلات ضد سلالات أخرى تهدد المحاصيل من البعوض والحشرات الحاملة لمسببات الأمراض.
وبما أن مبيدات الآفات الحيوية غالباً ما تتحلل بسرعة وتتطلب تطبيقات متعددة، فإن إيجاد الطريقة الصحيحة لصياغة هذه المركبات وتوفيرها للاستخدام سيشكل تحدياً في المستقبل.
يقول ديموبولوس: "لقد دخلنا الآن مرحلة العلوم الأساسية لفهم البنى الكيميائية للجزيئات وطرق عملها، وبعد ذلك سننتقل إلى مسار أكثر قابلية للتطبيق، بهدف تطوير نموذج أولي للمنتج. ثمة مساع كبيرة نحو تطوير مبيدات حشرية صديقة للبيئة".