Reading Time: 4 minutes

رُوّج لحمض الفوليك طويلاً كمغذٍ ضروري في فترة ما قبل الولادة، يساعد على الوقاية من بعض التشوهات الخلقية، وتشير الدراسات الجديدة الآن إلى أنّه يمكن أن يقلل خطر الإصابة باضطراب طيف التوحّد.

رُبط استهلاك حمض الفوليك (فيتامين ب) بانخفاض خطر الإصابة باضطراب طيف التوحّد منذ سنوات؛ ولكن قدّمت دراسة جديدة نُشرت في دورية «جاي إيه إم إيه سايكايتري»، المزيد من الأدلة على هذا الارتباط. درس باحثون من جامعة كاليفورنيا في مقاطعة ديفيس، مجموعةً من الأطفال الذين شُخّص أشقاؤهم الأكبر سنّاً بالتوحّد.

يعتبر هؤلاء الأطفال أكثر عرضةً للإصابة بهذا المرض، وتمثّل هذه الدراسة النظرة الأولى من نوعها التي تعمّقت في دراسة هذه الفئة بهذا السياق. من بين 241 طفلاً؛ أُصيب 14.1% من هؤلاء الذين تناولت أمّهاتهم الفيتامينات الخاصة بمرحلة ما قبل الولادة بالتوحّد، بينما أُصيب 32.7% من الأطفال الذين لم تتناول أمّهاتهم هذه الفيتامينات بنفس المرض.

حمض الفوليك وتأثيره على الحامل

وجدت دراسات أخرى نتائج مشابهةً عند دراسة أمّهات تناولن حمض الفوليك خلال الأشهر الأولى الحاسمة من الحمل، ووصلت إلى الاستنتاج العام الذي ينص على أن تناول هذه المادة يقلل من خطر إصابة الوليد بالتوحّد بنسبة حوالي 40%. هناك بالطبع ارتباطات إحصائية فقط؛ وهذا أحد الأمور التي تشكّل تحدّياً في وجه دراسة العوامل البيئية؛ مثل تناول الفيتامينات.

Pregnant, Tummies, Heart, In Anticipation Of The

بما أننا نعلم سلفاً أن تناول مكمّلات حمض الفوليك، يساعد في الوقاية من التشوهات التي يمكن أن تحدث في الأنبوب العصبي قيد النمو الخاص بالأجنّة؛ سيكون من غير الأخلاقي بالنسبة للأطباء أن يجروا التجارب مزدوجة التعمية الأكثر حسماً؛ والتي تتضمّن منح مجموعة من الأمهات حمض الفوليك، ومنح مجموعة أخرى علاجاً وهميّاً. هذا يجعل الباحثين مضطرين لإحصاء حالات الإصابة بالتوحّد، ومقارنتها بمدخول الأمّهات من حمض الفوليك.

لكن تركيز الدراسة الجديدة على الأطفال الأكثر عرضةً، يساعد في تقوية الاستنتاجات. يقول «جوزيف براون»؛ عالم أوبئة يدرس اضطرابات النمو العصبية -ومن ضمنها التوحّد- في جامعة براون، وغير مشارك في الدراسة الجديدة: «هذه الدراسة تجعلني أكثر ثقةً بأن التغذية قُبيل الحمل لها علاقة وثيقة بالإصابة باضطراب طيف التوحّد».

وفقاً لبراون؛ تُجرى معظم الأبحاث حول علاقة فيتامينات مرحلة ما قبل الولادة باضطراب طيف التوحّد على العوام؛ ولكن هذه المجموعة من المرجح أن تكون غير متجانسة، ومنه؛ يصبح كشف الارتباط بين حمض الفوليك واضطراب طيف التوحّد أكثر صعوبةً. بتعبير آخر؛ ستكون هناك الكثير من العوامل المؤثّرة؛ لكن حسب براون؛ الأطفال المعرضون لمخاطر عالية يكونون أكثر حساسيةً للتغيرات البيئية؛ لأنهم بالفعل أكثر استعداداً للإصابة باضطراب طيف التوحد في المقام الأول.

على الرغم من أن الباحثين لا يستطيعون إجراء تجارب بشريّة لتحديد علاقة سببيّة بين التغذية والإصابة باضطراب طيف التوحّد؛ إلّا أن براون يعتقد أن الأدلة التي تربط بين حمض الفوليك والتوحّد مقنعة، فهو يقول أنه من إحدى النواحي؛ يعلم الباحثون سلفاً أن حمض الفوليك يلعب دوراً حاسماً في نمو الأنبوب العصبي؛ لأن نقص الفولات (وهو الشكل الذي يأخذه حمض الفوليك داخل الجسم) يتسبب بتشوهات خلقية، ويقول أيضاً: «من ناحية أخرى؛ فالجهاز العصبي قيد النمو يكون حسّاساً للغاية للمعطيات البيئية»، ويضيف: «من المنطقي اعتبار أن نقص الفولات- حتى ولو كان طفيفاً- يمكن أن يؤثّر سلباً على على مناحٍ عدّة من النمو العصبي». هناك أيضاً حقيقة أن الدلائل في علم الأوبئة تدعم أن التغذية قُبيل الحمل هي عامل خطر مهم لاضطراب طيف التوحّد.

حمض الفوليك وطيف التوحّد

لكن الأمر ليس محسوماً بعد؛ فحمض الفوليك ليس المغذّي الوحيد في خلائط الفيتامينات الخاصة بفترة ما قبل الولادة، يشير براون إلى أن نفس الباحثين من جامعة كاليفورنيا في مقاطعة ديفيس، وجدوا من قبل أن تناول مكمّلات الحديد يبدو أنه يقلل من خطر الإصابة باضطراب طيف التوحّد؛ وهو أمر يتعلّق على الأرجح بدور الحديد في النمو العصبي السليم. لذا؛ ربما يكون أحد المركّبات الأخرى الموجودة في خلائط الفيتامينات هو المسؤول عن تقليل خطر الإصابة.

ماذا بشأن القاعدة التي تنص على أن الارتباط لا يعني السببيّة؟

ربما يكون السبب هو أن النساء اللواتي يتناولن حمض الفوليك يفضّلن امتلاك سمات أو سلوكيّات أخرى تؤثّر على خطر إصابة أطفالهن بالتوحّد. في النهاية؛ النساء اللواتي لا يتناولن الفيتامينات كنّ الأغلبية في الكثير من الدراسات، وفي الدراسة الأخيرة؛ تناولت 95.9% من الأمّهات فيتامينات ما قبل الولادة خلال فترة الحمل؛ إلا أن 36.1% منهن فقط تناولنها خلال الـ 6 أشهر التي سبقت الحمل (وهو ما يُنصح به).

تواجه الأبحاث السابقة نفس المشاكل؛ ففي دراسة واسعة للغاية أُجريت في 2015 في النرويج؛ تناولت حوالي نصف النساء المشاركات حمض الفوليك خلال الشهر الأول من الحمل، وزادت الكمية التي تناولنها حتّى نهاية الثلث الأول من الحمل؛ لكن كان من المرجح أن تكون النساء في مرحلة الدراسة الجامعية، وأن تكُنّ غير مدخّنات، ولهنّ مؤشر كتلة جسم طبيعي، وأن يكُنّ قد خططن للحمل. بشكلٍ مشابه؛ كانت الأمهات اللواتي تناولن حمض الفوليك في الدراسة الأخيرة أكثر عرضةً ليحصلن على درجة جامعية، وأن يمتلكن تأميناً خاصاً، ومنزلاً، وأن يكُنّ قد حمِلن عن قصد. كل هذه العوامل يمكن أن تؤثّر على صحّة الرضّع ونموهم.

تأثير حمض الفوليك على مدى الإصابة بالتوحّد

بَيّن بعض الخبراء أن انتشار التوحّد ازداد في السنوات الأخيرة؛ على الرغم من تناول الأمهات فيتامينات مرحلة ما قبل الولادة بنفس المعدّلات السابقة، أو بمعدّلات أكبر؛ لكن براون يشير إلى أن هذا لا يعني بالضرورة أن حمض الفوليك يقلل من خطر الإصابة باضطراب طيب التوحّد؛ إذ يقول: «على سبيل المثال؛ خذ بعين الاعتبار معدّلات التدخين؛ والتي انخفضت في الولايات المتحدة وبعض البلدان الأخرى خلال العقود الماضية»، مضيفاً: «تزامَن هذا مع ازدياد في نسب العديد من الأمراض المزمنة (مثل السكري وأمراض القلب) خلال نفس الفترة. هل هذا يعني أنه يجب أن نقول للأشخاص أن يبدؤوا بالتدخين لتقليل خطر إصابتهم بهذه الأمراض؟ لا، في الواقع؛ التدخين يزيد من خطر الإصابة ببعض تلك الأمراض على المستوى الفردي».

يمكن أن تغيّر مادة ما من خطر إصابة شخص على المستوى الفردي دون التأثير على مستوى جماعي؛ بسبب وجود عوامل أخرى مؤثّرة على الجماعات. قد لا يقلل حمض الفوليك خطر الإصابة باضطراب طيف التوحّد بنسبة تطغى على عوامل الخطر الأخرى الأكثر تأثيراً؛ والتي يمكن أن تكون في ازدياد في نفس الوقت؛ ولكن دوره في تقليل خطر الإصابة بهذا الاضطراب يبقى موجوداً.

الأخبار السّارة هي أن حمض الفوليك هو مادّة آمنة ومتوفّرة بسهولة، إذا كنتِ تفكّرين بالإنجاب؛ فإن تناول كميةً زائدةً من حمض الفوليك ستساعد في الوقاية من تشوهات الأنبوب العصبي بجميع الأحوال. لذا؛ من الجيد تناول المكمّلات في كل الحالات.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.