Reading Time: 3 minutes

انتخاب «جو بايدن» كرئيس للولايات المتّحدة الأميركية أعاد إحياء الاهتمام للإنجازات التي حققها الأفراد الذين يعانون من التلعثم (التأتأة)، فقد عانى الرئيس بايدن من هذه الحالة منذ طفولته، وقبل 10 سنوات، أثار فيلم «خطاب المَلِك» اهتماماً مشابهاً؛ إذ يصور الفيلم الطريقة التي ساعد فيها معالجو النطق، الملك «جورج السادس» في التحكّم بالتلعثم -علاج التلعثم- خلال أول خطاب بُث له على المذياع، وفاز الفيلم بـ 4 جوائز أوسكار، ومُنح 12 ترشيحاً.

تعرض قائمة جُمّعت في جامعة ولاية مينيسوتا، حوالي 200 شخصية تاريخية ومعاصرة من الأشخاص الذين عانوا من التلعثم، كما تعرض إنجازاتهم التي تستحق الذكر؛ تتضمن هذه القائمة ممثلّين مشهورين ونجوماً رياضيين، وسياسيين، ومغنّين وموسيقيين وكتّاب وغيرهم، وبوضوح؛ التلعثم ليس عائقاً صعباً في وجه تحقيق الإنجازات.

مع ذلك؛ تشير الأبحاث إلى أن العديد من البالغين الذين يعانون من التلعثم يعانون أيضاً من مشاكل نفسية؛ تتضمّن هذه اضطراب القلق والاكتئاب والرهاب الاجتماعي، كما أنّهم ينظرون للتلعثم كأنه وصمة عار في شخصياتهم.

لقد عانيتُ من التلعثم منذ أن كنت صغيراً، وكبالغ الآن؛ بدأت مسيرتي المهنية بتخصّصي في علم النفس السريري، ثم عملت كأستاذ في عدة جامعات، وبناءً على ذلك؛ يتناول هذا المقال تجاربَ سلبيةً وإيجابيةً متعلّقةً بالتلعثم من وجهة نظر شخصية وأكاديمية على حد سواء.

التلعثم هو حالة وراثية، وتتضمن أولى ذكرياتي مشاعر الفخر بأنني مصاب بالتلعثم مثل والدي؛ أما ذكرياتي الأكثر بشاعةً هي عندما كنت أضطر للقراءة بصوتٍ عال في المدرسة الابتدائية. مع ذلك؛ وعلى عكس الكثير من الأطفال الذي يتلعثمون؛ لا يمكنني أن أتذكر أية حوادث سخرية أو تنمّر من قِبل زملائي في المدرسة.

بعد خضوعي لعلاج النطق خلال المراهقة، تعلّمت طرقاً للتحايل على التلعثم الحاد، والآن؛ يظهر التلعثم فقط عندما أكون قلقاً، أو عندما أتحدّث عبر الهاتف، أو عندما أكون غير واثق مما يجب أن أقول.

نماذج تفسّر التلعثم

تنسب الأبحاث في علم الأعصاب والوراثة، الأسباب العميقة للتلعثم إلى خللٍ وظيفي دماغي متوارث، وقد كشف علماء النفس -منذ وقت طويل- الروابط بين التلعثم وبعض السّمات الشخصية والاضطرابات؛ مثل القلق والاكتئاب، ويضيف بعض الباحثين إلى ذلك منظوراً اجتماعياً متعلقاً بثقافة الإعاقة (أو ما يدعى بالنموذج الاجتماعي) لتفسير التلعثم؛ وهو ينص على أن المصابين بهذه الحالة قد يتشاركون برابط أو هوية، أو بكونهم ذوي كبرياء خاص.

الرفاه النفسي؛ والذي يقاس من خلال تقارير شخصية عن السعادة أو الرضا عن الحياة، يلعب دوراً مهماً على الأرجح، وعادةً ما تنسب الأبحاث الحديثة انخفاض الرفاه إلى تجارب الحياة السلبية المرتبطة بالتلعثم، ومع ذلك؛ تشير بعض النماذج الأخرى إلى أن العكس مرجّح أكثر.

ضمن هذه النماذج، فإن الرفاه له تأثير عميق على التجارب اليومية، وتبقى مقاييس الرفاه مستقرّةً نسبياً بغض النظر عن التغيّرات في الظروف الحياتيّة للفرد؛ هذا يقتضي أن الفروق الفردية في الرفاه، تؤثّر على تجارب الأشخاص وعلاج التلعثم الذي يخضعون له؛ بدلاً من كون التلعثم هو المؤثّر في الرفاه.

بالنسبة للأشخاص منخفضي الرفاه، فالتأثير السلبي للتلعثم على الحياة اليومية كبير، كما أن هذه الحالة تكون مرتبطةً بمشاعر الخزي التي تكون حاضرةً على الأرجح في هويّتهم.

تبعات المعالجة

لتحسين جودة الحياة؛ يحتاج الأفراد منخفضي الرفاه علاجاً يتجاوز ذلك الذي تقدّمه معالجة النطق، وتوفّر دراسة واسعة أُجريت على الأشخاص الذين ينتظرون بدء معالجة النطق مثالاً؛ ثبت أن ثلث المشاركين كانوا مصابين باضطراب القلق الاجتماعي.

بلّغ أفراد هذه المجموعة عن مستويات أعلى من عدم الرضا عن نطقهم، وعن أنهم يعانون من آثار سلبية أكثر نتيجة للتلعثم؛ مقارنةً بالمشاركين غير المصابين باضطراب القلق الاجتماعي، وكان أفراد هذه المجموعة بحاجة لعلاج مشاكل لا تقتصر على عدم الطلاقة في النطق حتى يحسّنوا نوعية حياتهم.

بالمثل؛ ينصح الباحثون في دراسة مراجعة بـ «التعاون بين علماء الأمراض المتخصصون في النطق وعلماء النفس»؛ الهدف من ذلك هو تطوير برامج لتقييم وعلاج اضطراب القلق الاجتماعي بشكلٍ فعّال عند الأفراد المصابين بالتلعثم.

العنوان المختصَر لمقال نرويجي يلخّص هذه المقاربة بشكل جيد هو: «السمات الشخصية ضرورية في تحديد نوع العلاج الأكثر فعّاليةً».

الآثار الإيجابية المرتبطة بالتلعثم

تجاهل مجتمع الباحثين بأغلبيته أية نتائج إيجابية محتمَلة للتلعثم، إن تجارب الأشخاص البارزين الذين يعانون من هذه الحالة تشير إلى وجود العديد من هذه المنافع المحتمَلة؛ مثل: ازدياد التعاطف، تقدير الدعم الاجتماعي، وازدياد المرونة والإيجابية.

  • وصف الرئيس بايدن التعاطف الذي ينبع من المعاناة بقوله: «التلعثم مَنحني بصيرةً لمعاناة الآخرين لا أعتقد أني كنت سأحصل عليها بطرق أخرى، وهو علّمني أن أطمح بعيداً وأعمل جاهداً، وأن أكون واثقاً في ملاحقة أهدافي».
  • المدوّن «مايكل بونزي» بلّغ عن أنه أصبح يقظاً أكثر، وأنه أصبح منصتاً ومُفكّرا أفضل، لأن «التكلّم كان أمراً صعباً دائماً» حسب قوله.
  • تكلّم «برايدن هارينغتن» البالغ من العمر 13 سنة بلعثمة مؤثّرة عبر الفيديو خلال المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي لعام 2020، عن الطريقة التي ساعدته فيها إنجازات بايدن في التغلّب على مشكلة التلعثم.
  • يصف «كنوت فالباكن»؛ الروائي الذي حققت كتبه أفضل المبيعات، اكتسابه مرونةً مُعزَّزةً نتيجة للتغلب على المصاعب؛ مُعزياً نجاحه لـ «الصلابة الناتجة عن التلعثم. ليس هناك ما هو سهل، وأنا لا أستسلم أبداً».

تتضمن تجربتي الخاصة مشاعر الامتنان تجاه كل الأشخاص الذين قدّموا لي الدعم أو تابعوني خلال حياتي، فهم علّموني أن أطمح وأعمل بجدّ، وأن أكون واثقاً في ملاحقة أهداف حياتي.

سأختم هذا المقال بسؤال لأقيّم المنافع المرتبطة بالتلعثم: «نتيجةً لأن التلعثم ساعدني في تشكيل شخصيّتي؛ هل سأختار أن أعيش حياتي مجدداً من دونه إذا أمكن ذلك؟

أدركت أن الجواب هو لا، وأعتقد أن الرئيس بايدن سيجاوب مثلي.

الوسوم: الطفولة