Reading Time: 5 minutes

إذا كنت تقرأ هذا المقال، فعلى الأرجح تعاني من التوتّر أو الملل. لا تخف، فقد بحثنا عن الأدلّة العلميّة حتّى نكشف ما يقوله العلم حول إيجاد السّكينة والحفاظ عليها خلال الأوقات الصعبة. هل تريد أن تجرّب التأمّل؟ أو تتعامل مع القلق؟ مرحباً بك في «شهر الهدوء».

هي عادة مستمَدّة من مسلسل كوميدي من خمسينيّات القرن الماضي: عد من العمل إلى المنزل، تناول العشاء، ثم استلقِ على الأريكة واسترخِ أمام التلفزيون، لكن بدأت الحدود بين أوقات العمل وأوقات الرّاحة بالتلاشي بشكلٍ متزايد (أو بمصطلحات الجائحة الخاصّة بالعمل من المنزل: «الشاشات المفيدة» و«الشاشات الضارة»). وفقاً لـ «تقرير إجمالي المشاهدين» الذي أصدرته شركة «نييلسن» مؤخراً، فإن حوالي 29% من الموظّفين الذين يعملون عن بُعد يشاهدون التلفزيون يومياً خلال ساعات العمل المدفوعة. تبيّن الأرقام الواردة في التقرير أن البالغ الأميركي يقضي ما مجموعه -في المتوسط- 5 ساعات و56 دقيقة يومياً في مشاهدة الفيديوهات.

وسط تحذيرات الآباء؛ التي تنص على أن قضاء وقت طويل في مشاهدة التلفزيون «يُفسد الدماغ»، فمن الجدير طرح السؤال: هل مشاهدة التلفزيون تساعدنا على الاسترخاء فعلاً؟ هل يمكن لهذه العادة المترسّخة أن تساعد في تهدئة العقل والجسم؟ الإلهاء بحد ذاته له منافعه بالتأكيد، لكن عندما يتعلّق الموضوع بمشاهدة التلفزيون بشكلٍ خاص، فإن القدرة على «إزالة التوتّر» تصبح مُعتمدة على ما تشاهده، والطريقة التي تشاهده فيها، وكأي مخاطر محتملة أخرى؛ فإن الإكثار من مشاهدة التلفزيون يمكن أن يحوّل أي أثر إيجابي أوليّ إلى سلبي، حتّى وإن ساعدك فعلاً على الاسترخاء.

اقرأ أيضاً: افعل «لا شيء»: 3 نصائح لتصفية ذهنك

من ناحية النشاط الدماغي، لمشاهدة التلفاز آثار متفاوتة، ولن تؤدّي بك على الأرجح إلى حالة «تأمّليّة نموذجيّة من السّكينة». يحدث الاسترخاء عندما تتغيّر موجات الدمّاغ من «موجات بيتا»؛ التي تجعلك تركّز على مشروع أو مهمّة معينة، إلى «موجات ألفا» المُتعرّجة؛ التي تحوّل كل تجاربنا الجديدة إلى ذاكرة. وجدت إحدى الدراسات من سنة 1980 حول كهربيّة الدّماغ ازدياداً في في نشاط موجات ألفا خلال مشاهدة التلفاز مقارنةً بأوقات القراءة، لكن بحثاً آخر أحدث نُشر في دورية «ميديا سايكولوجي»؛ والذي تخصص في الإعلانات التجاريّة المصمَّمة لشد الانتباه، أشار إلى أن المُعالجة الدماغية الصوريّة لا تنخفض أثناء مشاهدة التلفاز.

هل هناك برامج تلفزيونية محددة تساعد على الاسترخاء؟

مشاهدة التلفزيون ضمن الظروف المناسبة يمكن أن تساعد الدماغ على «إعادة الشحن». وجدت دراستان نُشرتا في دوريتَيّ «سوشال سايكولوجي» و«بيرسوناليتي ساينس» أن إعادة مشاهدة برامج التلفزيون المفضّلة يمكن أن يمنح المشاهدين دفعة عقليّة. عند مشاهدة حلقة من مسلسل «ذا أوفيس» للمرّة الخامسة (أو العشرين) مثلاً؛ يجد المشاهد نفسه في بيئة مألوفة مع شخصيّات محبوبة، كما أنه يكون عالِماً بما سيحدث. هذه الحالة من «الثقة» -كما يفترض مؤلفو الدراسات السابقة- تجعل الأدمغة تشعر بالأمان؛ مما يسمح لها بـ «إعادة الشحن».

زادت نسب تكرار المشاهدة «الحنينيّة» خلال جائحة كورونا. وجد مسح أجرته الشركات «نييلسن، بيلبورد، أم سي آر داتا» أن 54% من المشاهدين أعادوا مشاهدة برامجهم المفضّلة. التعرّض المتكرّر للحبكات المألوفة يوفّر بالتأكيد درجةً ما من الرّاحة، لكن «فيالي رايت»؛ وهي عالمة نفس سريريّة ومديرة الابتكار في مجال الرعاية الصحية في مؤسسة علم النفس الأميركيّة، تشير إلى أن الأمر يتعلّق أيضاً بدرجة التركيز الذي نمنحه للأشياء التي سبق وشاهدناها. تقول رايت: «يمكنني أن أُحاجج أننا لا نعير الانتباه دائماً».

أفلام الحركة (الأكشن) والرّعب والأخبار يمكن أن يكون لها أثر عكسي. عدم التيقّن حول ما سيحدث تالياً يمكن أن يحفّز استجابة «الكرّ والفرّ» في أجسامنا؛ مما يجعل نسب هرمونات التوتّر (مثل السيروتونين) ترتفع كثيراً، لكن تُبين رايت أن كل شخص يستجيب بطريقته الخاصّة. بالنسبة للبعض، فإن الانغماس في عوالم تخيّلية تحتوي الكثير من الدراما يمكن أن يمثّل مهرباً من الواقع؛ ولو كان مؤقّتاً.

اقرأ أيضاً: هل تعاني من التوتر؟ قد تساعدك ألعاب الفيديو على الاسترخاء

عند أي حد تصبح مشاهدة التلفزيون مُفرطة؟

للأسف، هناك مرحلة تصبح عندها مشاهدة التلفزيون مُفرطة. عند الأطفال، الإفراط في التعرّض للشاشات ربط بتأخر النمو ومشاكل سلوكيّة. عند البالغين، المشاهدة بنهم تترافق إحصائياً مع حالات الاكتئاب واضطراب النّوم وحتّى الإدمان. على الرغم من أنه ليس محسوماً بعد ما المشاكل (إن وُجدت) التي يمكن أن يتسبب بها، أو يُفاقمها الإفراط في التعرّض للشاشات، إلّا أنّه من المنطقي اعتبار الإفراط في التعرّض للشاشات أمراً سيئاً.

تقول رايت: «يمكن الإفراط في فعل أي شيء»، مشاهدة أحد المسلسلات بين الفترة والأخرى ليس مقلقاً، لكن كما تضيف رايت: «إذا كان هذا السلوك يمثّل آليّة التأقلم الوحيدة لديك، فهذه على الأرجح إشكاليّة».

وصلت مراجعة لـ 28 دراسة حول المشاهدة بنهم نُشرت في دورية «ذا إنترناشيونال جورنال أوف إنفايرومينتال ريسيرتش آند ببليك هليث» في يونيو/ حزيران 2020 إلى نفس الاستنتاجات؛ التي تُبيّن أن مشاهدة التلفزيون يمكن أن تكون سلاحاً ذو حدّين. مشاهدة مسلسل جديد بنهم يمكن أن تعزز التواصل الاجتماعي؛ نتيجةً لوجود اهتمامات مشتركة بين المشاهدين، لكن قضاء ساعات أمام الشاشات يمكن أن يتسبب بالعُزلة أيضاً.

المسلسلات يمكن أن توفّر مهرباً عاطفياً من مسببات التوتّر اليوميّة، لكنّها يمكن أيضاً أن تتسبب بحالة من الاستثارة بعد انتهاء جلسات المشاهدة؛ ما يجعل المشاهدين متلهّفين للاستمرار بالمشاهدة، أو تجعلهم يعلقون في حالة من القلق حول ما سيحدث تالياً عندما يحاولون النوم. مشاهدة شخصيّات المسلسلات المحبوبة تبعث على الرّاحة، لكنّها أيضاً تعرّض المشاهدين إلى خطر تشكيل روابط عاطفيّة غير صحيّة مع أشخاص تخيّليين بدلاً من تشكيلها مع أشخاص حقيقيين.

أي شكل من المشاهدة المستمرّة المفرطة له مخاطره المحتملة الحقيقيّة. الرضا العاطفي الآنيّ الذي يترافق مع مشاهدة المسلسلات أو الأفلام لساعات طويلة يُشابه آليّات التأقلم التي نلاحظها عند الأشخاص الذين يعانون من الإدمان على أشكال أخرى من الوسائل الرقميّة؛ مثل ألعاب الفيديو؛ وذلك وفقاً لما ذكره مؤلفو الدراسات السابقة. على سبيل المثال، الأشخاص الذين يشاهدون المسلسلات أو الأفلام بإفراط يميلون لأن يشعروا بفقدان السيطرة، ويهملوا مسؤوليّاتهم اليوميّة خلال جلسات المشاهدة، كما أنّهم يميلون للشعور بالقلق وقلّة التركيز في الأوقات ما بين هذه الجلسات.

كيف يمكن للضوضاء المحيطة أن تزيد التركيز؟

يمثّل التلفزيون بالنسبة لبعض الأشخاص رفيقاً شبه دائم أكثر مما يمثّل وسيلة للهروب، كما تبيّن بيانات شركة نييلسن، فإن تشغيل التلفزيون في الخلفية خلال أيام العمل هو أمر شائع؛ حتّى وإن لم يكن الشخص منتبهاً له. وفقاً للمسح الذي أجرته شركة نييلسن، يعترف أكثر من ربع الموظفّين الذين يعملون من منازلهم بأنّهم يشاهدون التلفزيون أثناء العمل على الأقل مرّة كل أسبوع.

رغبتنا الكبيرة في مشاهدة برامج التلفزيون في الخلفيّة دفعت البعض لافتراض أن بعض خدمات البث -مثل نتفليكس- تبتكر مسلسلات لم يكن الهدف منها جذب انتباه المشاهد أبداً. في عمود صحفي من سنة 2020، أطلق الكاتب «كايل تشايكا»؛ الذي يعمل في صحيفة نيويوركر اسم «تلفزيون الخلفيّة»، على هذا النّوع الجديد من البرامج. يقدَّم مسلسل «إيميلي إن باريس» من نتفليكس كمثال. يجادل تشايكا أن هذا المسلسل المليء بالمجازات النمطيّة والحبكات التي يمكن التنبّؤ بها لا يتطلّب من المشاهد إلا القليل من الانتباه. أما في جوهره، فإن المسلسل يوفّر نفس الدرجة من الراحة التي توفّرها إعادة مشاهدة مسلسل «باركس آند ريكرياشن»؛ وهو مسلسل مبتذل لدرجة أن مشاهدته لأول مرة مشوّقة مثل مشاهدة مسلسل مألوف للمرّة الثانية.

تشير بعض الأبحاث إلى أن هذا الإلهاء المنخفض يمكن أن يساعدك في إنجاز المهام التي تتطلّب الإبداع. يقول «رافي ميهتا»؛ وهو أستاذ مساعد في التسويق في قسم الأعمال في جامعة «إلينويز آت أوربانا-شامبين»، والذي بحث في آثار ضجيج الخلفيّة على الإدراك: «إذا كنت مُحاطاً بأي نوع من الضجيج أو أشخاص يثرثرون، ولم تكن قادراً على التركيز فيه (أي إذا كان ينبغي عليك تجاهله)، فهذا يُشتّت دماغك قليلاً، ويجعلك تفكّر من منظور أوسع أو بطريقة أكثر تجرّداً». في دراسة عام 2012 كان فيها ميهتا مؤلّفاً مشاركاً، أدّى المشاركون الذين تعرّضوا لأصوات من المحيط؛ تقترب من مستوى محادثة نموذجية في مقهى، بشكلٍ أفضل في مهمة تتطلّب الإبداع (إنشاء روابط بين الكلمات التي تبدو غير مرتبطة) من أولئك الذين جلسوا في بيئة هادئة.

على الرغم من محدودية هذا الاكتشاف، إلا أنّه يبيّن أن بعض مسبّبات الضغط المحدّدة في أيام العمل قد يكون لها آثار إيجابيّة. قد تساعد الضوضاء البيضاء الناتجة عن التلفزيون على تخفيف العوائق العقليّة التي تثير القلق عند الأشخاص الذين يعملون في المجالات الإبداعية، ولكنها قد تعيق الانتباه أثناء أداء المهام التي تتطلّب الكثير من التركيز والاهتمام بالتفاصيل؛ مثل المحاسبة.

لكن ميهتا يشير إلى أن الإلهاء ليس بالضرورة أن ينتج من التلفزيون فحسب، لكن أي صوت محيط؛ يشابه تمتمة الأشخاص الذين يتحدثون أو يتحرّكون في الخلفية، يمكن أن يكون له نفس التأثيرات. قنوات سبوتيفاي ومواقع الويب؛ مثل «كوفيتيفيتي»، تنشئ ضجيجاً يشابه الضجيج الذي يحيط بنا في مقهىً مزدحم، وتسمعه مباشرةً في سماعات الرأس دون الحاجة إلى تشغيل التلفزيون.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.