Reading Time: 4 minutes

أفكار أساسية حول استغلال وسائل التواصل الاجتماعي وحدتنا.

  • تستغل وسائل التواصل الاجتماعي العزلة من خلال «فصلنا» عن أصدقائنا، ثم بجعلنا نرغب في تفقّد ما يفعله هؤلاء الأصدقاء.
  • الاتصال عبر وسائل التواصل الاجتماعي يؤدي إلى المزيد من الانفصال.
  • استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يعزلنا عن شبكات المعارف في العالم الواقعي.

تخيّل أنك تجلس وحدك في المنزل، ولديك القليل من الوقت لتضيّعه؛ وهذا ليس أمراً صعباً حالياً، نظراً لأن أكثر من 3 من أصل كل 5 أميركيين كانوا يعانون من الوحدة حتى قبل الجائحة. ماذا ستفعل في وقت الفراغ هذا؟ هل تتصل بصديق؟ تقرأ كتاباً؟ إذ كنت مثل معظم البشر في يومنا هذا، فقد تقول لنفسك: «أتمنى لو أستطيع فعل ذلك؛ لكن هذا الزمن قد ولّى. لماذا -أيها الكاتب- لا تستيقظ وتدرك أننا أصبحنا في القرن الحادي والعشرين؟».

نعم، صحيح أن معظمنا يختار قضاء الوقت في تصفح فيسبوك أو انستغرام، أو في ألعاب الفيديو بدلاً من العزف على الغيتار أو الخروج للمشي مع صديق ما؛ ما نفعله في الواقع هو أننا نستلقي على الأريكة ونستخدم أجهزتنا الإلكترونية.

مشاهدة البشر الذين كنا مثلهم

ليس من الصدفة أن برامج الواقع أصبحت رائجةً بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. قبل الإنترنت؛ كان يمكن أن يستجيب العديد من البشر لفكرة برنامج تلفزيون الواقع قائلين: «لماذا أشاهد أحداً مثلي؟»، أما الآن، فنحن نشاهد هذه البرامج لأننا لا ننظر لهؤلاء البشر على أنهم مثلنا، بل لأننا ننظر إليهم على أنهم يمثّلون الصورة التي كنا عليها.

الآن؛ أصبح الكثيرون يرغبون بمعرفة الأحداث التي تحصل في حياة أشخاص حقيقيين يتفاعلون مع بعضهم بشكلٍ مباشر، لأن الأشخاص الحقيقيين يزيلون أنفسهم بشكلٍ تدريجي من حياتنا؛ ولكن ليس من صفحات الفيسبوك خاصتنا.

Phone, Technology, Mobile, Internet, Touchscreen

باستغلالها للعزلة الاجتماعية؛ تميل برامج تلفزيون الواقع لتصوير شخصيات اجتماعية للغاية، لديها عائلات وشبكات أصدقاء واسعة. نريد أن نعلم ما الذي يفعله الأشخاص الحقيقيين، كما أننا نرغب بامتلاك ما يمتلكون، نحن لسنا مستعدين لأن نترك شاشاتنا ونذهب لرؤيتهم بشكلٍ مباشر؛ بل نحن نتبعهم بشكلٍ افتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتلفاز.

اقرأ أيضاً: هل الإفراط في استخدام هواتفنا الذكية يشعرنا حقاً بالوحدة؟

ضعفك يزيد من قوتّها

خلقت وسائل التواصل الاجتماعي ضرورتها الخاصة بعزلك عن أصدقائك؛ تصبح الوحدة التي تشعر بها أكبر، وتشعر أنك متأثر أكثر بدافع تدعوه «باميلا كوالتر»؛ عالمة النفس البريطانية «دافع إعادة الانخراط» الذي يدفعك لتفقّد وسائل التواصل، ورؤية ما يفعله أصدقاؤك.

من بعض النواحي، فإن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يشبه الاتصال برقم التوصيل الخاص بمطعم بيتزا القريب منك، فكلما طلبت أكثر؛ ستزداد وزناً، وتقل قدرتك على الذهاب مشياً إلى متجر الخضراوات والفواكه، أو المطاعم الأخرى.

إذاً ما الذي ستفعله؟ ستتصل برقم التوصيل بشكل أكثر تكراراً، لتوفّر على نفسك المشي الذي يصبح أكثر صعوبةً تدريجياً. بشكلٍ تلخيصي متعمّد لهذه الظاهرة؛ كتب «أومبيرتو إيكو» الروائي الإيطالي ما يلي:

«يمثّل الإنترنت شيئاً ما وعكسه؛ حيث يمكن أن يرمم الوحدة التي يشعر بها كثير من الأشخاص؛ ولكن يبيّن أنه يُقافم تلك الوحدة. سمح الإنترنت لكثير من الناس بالعمل من المنزل؛ وهذا الأمر زاد من عزلتهم، كما أنه خلق حلولاً خاصةً لإزالة هذه العزلة؛ مثل: وسائل التواصل الاجتماعي (تويتر، فيسبوك)؛ والتي تزيد بدورها من هذه العزلة».

شلّ الحركة وانعدام التواصل

تلغي وسائل التواصل الاجتماعي قدرتك على التواصل المباشر مع الأشخاص المهمين لك، وتجعلك على اتصال واطلاع بأشخاص غرباء لا تعرفهم، أو أصدقاء قدماء لا يهمّونك. مجدداً؛ تبين الأبحاث أن هذا الأثر المتناقض موجود في وجود الإنترنت في حياتنا، بالتالي فنحن نعلم ما الذي يحدث؛ ولكننا نبدو عاجزين عن تغيير عاداتنا.

الأسوأ من ذلك هو أن دراسة جديدة وجدت أنه بازدياد الوقت الذي تقضيه في استخدام هاتفك، تنخفض المتعة التي تشعر بها من الحوارات المباشرة مع الأشخاص الموجودين في حياتك، ستبدأ في النظر إليهم -مع كل خصوصياتهم التي تستهلك الوقت- على أنهم يتطلّبون الكثير من الجهد.

مع ذلك؛ نظل نتوق للتواصل الحميمي الذي ينتج فقط عن التفاعل المباشر، ويدفعك للحصول عليه بأسهل الطرق وأقلها مجهوداً؛ وهي نفسها التكنولوجيا التي ألغته من حياتك، وسائل التواصل الاجتماعي نفسها تحديداً.

إذاً، ومثل مطعم البيتزا الذي يوصل طعاماً لذيذاً غير صحي بسعادة إلى منزلك؛ تتسبب وسائل التواصل الاجتماعي بالاضطراب ثم تقدّم الوسيلة للتخلص منه. لن تعود للتواصل مع البشر بشكلٍ طبيعي تماماً بعد أن تعتاد على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ ولكنك لن تستطيع الاستغناء عن هذا التواصل أيضاً.

اصنع التغيير

سأذكر هنا إحدى الآليات الموجودة في كتابي الجديد بعنوان «محميّ: فن العيش الحر في العصر الرقمي»؛ والتي تساعدك في التوقّف عن لمس هاتفك (عدد المرات الوسطي الذي نلمس فيه هواتفنا يومياً يتجاوز 2600)، واستبدال ذلك بقضاء الوقت مع الآخرين.

ضع التطبيقات التي تستخدمها عدة مرات في اليوم -ومن ضمنها كل تطبيقات التواصل الاجتماعي- في الشاشة الأخيرة. قرر عدد المرات التي تريد فيها تفقّد هذه التطبيقات أسبوعياً، وتفقّدها وفق ذلك فقط. هذا الأمر لوحده سيجعلك واعياً تجاه القرارات التي تتخذها عدّة مرات يومياً في حياتك؛ كمحاولة للتواصل مع الآخرين عبر الهاتف بدلاً من التواصل المباشر.

ماذا سيحصل عندما يبدأ القلق الوجودي الناتج من عدم وجود «أداة الراحة الإلكترونية الخاصة بك» التي تلجأ إليها في كل لحظة يفترض أن تكون هادئة في يومك؟ يمكنك في الواقع استخدام هاتفك كـ … استعد … هاتف! يمكنك الاتصال ببعض الأشخاص الذين يرافقونك، أو الذين يمكن أن يرافقوك خلال نجاحاتك والتحديات التي تواجهك في الحياة؛ والذين يساعدونك في الحفاظ على صحة اجتماعية وجسدية وعقلية جيدة.

جرّب هذه الآلية، فبمجرد أن تعتاد على تنظيم عدد المرات التي تتفقّد فيها تطبيقاتك الأكثر إدماناً؛ ستبدأ في الرد على الهاتف دون أن تشعر بأن المتصل هو عقبة مزعجة أمام محاولاتك في تشذيب قائمة انتظار الرسائل التي تصلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ستبدأ في استبدال الوحدة بالتواصل المباشر، وستستمتع بمزيد من المتعة في هذا العالم الشاسع والجميل المحيط بك.