Reading Time: 5 minutes

يتكون الكون المرئي؛ بما في ذلك الأرض والشمس والنجوم والمجرات الأخرى، من البروتونات والنيوترونات والإلكترونات المجمعة معاً في الذرات، وربما كان أحد أكثر الاكتشافات إثارةً للدهشة في القرن العشرين هو أن هذه المادة العادية؛ أو «الباريونية»، تشكل أقل من 5% من كتلة الكون، بينما يتكوّن ما تبقى منه من الطاقة المظلمة والمادة المظلمة، فما هما؟

نشأة مفهوم الطاقة المظلمة

في أوائل التسعينيات، كان هناك شيء واحد مؤكد إلى حد ما حول تمدد الكون؛ هو أنه قد يكون لديه كثافة طاقيّة كافية لإيقاف تمدده وانهياره، وقد يكون لديه كثافة طاقيّة قليلة جداً لدرجة أنه لن يتوقف عن التوسع أبداً، لكنه كان من المؤكد أن الجاذبية تُبطئ التوسع مع مرور الوقت، ومن المؤكد أن التباطؤ لم يلاحَظ، ولكن من الناحية النظرية؛ كان على الكون أن يتباطأ.

الكون مليء بالمادة وقوة الجاذبية الشادّة التي تجمع كل مكونات المادة معاً، وفي عام 1998، أظهرت أرصاد تلسكوب هابل الفضائي للمستعرّات الأعظمية البعيدة جداً أنه منذ زمن بعيد، كان الكون في الواقع يتوسع ببطء أكثر مما هو عليه اليوم؛ لذا فإن تمدد الكون لم يتباطأ بسبب الجاذبية كما اعتقد الجميع، بل إنها جعلته يتسارع، لم يتوقع أحد هذا، ولم يعرف أحد كيف يفسر ذلك، لكن شيئاً ما غامضاً كان يسبب ذلك.

في النهاية، توصل المنظّرون إلى ثلاثة أنواع من التفسيرات؛ الأول هو أنه ربما كان ذلك نتيجة لنسخة تم تجاهلها لفترة طويلة من نظرية الجاذبية لأينشتاين؛ والتي احتوت على ما كان يسمى «الثابت الكوني»، والثاني هو أنه ربما كان هناك نوع غريب من مائع الطاقة يملأ الفضاء، أو ربما هناك خطأ ما في نظرية الجاذبية لأينشتاين، ويمكن أن تتبنى نظريةً جديدةً نوعاً من المجال الذي يخلق هذا التسارع الكوني، ولا يزال المنظرون لا يعرفون ما هو التفسير الصحيح، لكنهم أعطوا الحل اسماً؛ الطاقة المظلمة.

ما هي الطاقة المظلمة؟

الطاقة المظلمة

موجة الغاز الحار «تشاندرا». الصورة: وكالة ناسا

شيء مجهول أكثر مما هو معروف؛ فنحن نعلم مقدار الطاقة المظلمة الموجودة لأننا نعرف كيف تؤثر على تمدد الكون، لكن بخلاف ذلك؛ إنها لغزٌ كامل، لكنه لغز مهم. اتضح أن ما يقرب من 68% من الكون عبارة عن طاقة مظلمة، بينما تشكّل المادة المظلمة حوالي 27%، أما ما تبقى؛ كل شيء على الأرض، كل ما لوحظ من أي وقت مضى مع جميع أدوات الرصد، كل المواد الطبيعية، يشكل ما يصل إلى أقل من 5% من الكون، وبالتفكير في الأمر، ربما لا ينبغي أن يطلق عليها مادة «طبيعية» على الإطلاق؛ ذلك لأنها جزء صغير جداً من الكون.

أحد تفسيرات الطاقة المظلمة هو أنها خاصية مميزة للفضاء، كان ألبرت أينشتاين أول شخص أدرك أن الفضاء ليس بشيءٍ فارغ، للفضاء خصائص مذهلة؛ الكثير منها بدأ العلماء مؤخراً في فهمها، والخاصية الأولى التي اكتشفها أينشتاين هي أنه من الممكن تمدد الكون بحد ذاته.

وتقوم نسخة من نظرية الجاذبية لأينشتاين؛ النسخة التي تحتوي على ثابت كوني، بالتنبؤ الثاني؛ وهو أنه يمكن للـ«الفضاء الفارغ» يمكن أن يمتلك طاقته الخاصة؛ لأن هذه الطاقة هي خاصية للفضاء نفسه، فلا تقلّ مع توسع الفضاء، ومع ظهور المزيد من الفضاء، ستظهر المزيد من طاقة الفضاء هذه، ونتيجةً لذلك؛ قد يتسبب هذا النوع من الطاقة في تمدد الكون بشكل أسرع وأسرع، لكن لسوء الحظ؛ لا أحد يفهم سبب وجود الثابت الكوني هناك، ولا سبب امتلاكه للقيمة الصحيحة تماماً للتسبب في التسارع المرصود للكون.

يأتي تفسير آخر لكيفية اكتساب الفضاء للطاقة من نظرية الكم للمادة؛ في هذه النظرية، يكون الفضاء الفارغ مليء في الواقع بجسيمات مؤقتة -افتراضية- تتشكل باستمرار ثم تختفي، ولكن عندما حاول الفيزيائيون حساب مقدار الطاقة الذي سيعطي مساحةً فارغة، جاءت الإجابة خاطئةً- خاطئةً كثيراً-؛ جاء الرقم أكبر من 100 ألف مرة من اللازم، ومن الصعب الحصول على إجابة بهذا السوء؛ لذلك استمر اللغز.

تفسير آخر للطاقة المظلمة هو أنها نوع جديد من مائع أو مجال الطاقة الديناميكي؛ شيء يملأ كل الفضاء ولكن تأثيره على تمدد الكون هو عكس تأثير المادة والطاقة العادية، وقد أطلق بعض المنظرين لقب «الجوهر» على ذلك، تيمّناً باسم العنصر الخامس للفلاسفة اليونانيين، ولكن إذا كان الجوهر هو الجواب، فما زلنا لا نعرف ما هو شكله، وما الذي يتفاعل معه، أو سبب وجوده؛ لذلك يستمر اللغز كذلك.

الاحتمال الأخير هو أن تكون نظرية أينشتاين في الجاذبية ليست صحيحة، ولن يؤثر ذلك على تمدد الكون فحسب، بل سيؤثر أيضاً على الطريقة التي تتصرف بها المادة الطبيعية في المجرات وعناقيد المجرات، وستوفر هذه الحقيقة طريقةً لتقرير ما إذا كان حل مشكلة الطاقة المظلمة هو نظرية جاذبية جديدة أم لا.

يمكننا أن نلاحظ كيف تتجمع المجرات في مجموعات، ولكن إذا اتضح أن هناك حاجةً إلى نظرية جديدة للجاذبية، فما نوع هذه النظرية؟ كيف يمكنها أن تصف حركة الأجسام في النظام الشمسي بشكلٍ صحيح؛ كما تفعل نظرية أينشتاين، ولا تزال تعطينا التنبؤ المختلف الذي نحتاجه للكون؟ هناك نظريات مرشحة، لكن لا توجد نظريات مقنعة؛ لذلك يبقى اللغز مستمراً، والشيء المطلوب للاختيار بين كون الطاقة المظلمة خاصية للفضاء، أو سائل -مائع- ديناميكي جديد، أو نظرية جديدة للجاذبية، هو المزيد من الأبحاث والملاحظات، وبياناتٌ أفضل.

ما هي المادة المظلمة؟

المادة المظلمة

الصورة: مرصد هابل الفضائي

حالها كحال الطاقة المظلمة؛ تستمر المادة المظلمة في إرباك العلماء؛ ففي حين أن الطاقة المظلمة هي القوة التي تفسر الكون المتوسّع، فإن المادة المظلمة تشرح كيفية عمل مجموعات من الأجسام الفلكية معاً.

العلماء أكثر يقيناً بالسيناريوهات المستبعَدة لتفسير المادة المظلمة من ماهيّتها بحد ذاتها. أولاً، إنها مظلمة؛ بمعنى أنها ليست على شكل نجوم وكواكب كتلك التي نراها؛ إذ تُظهر الملاحظات أن هناك القليل جداً من المادة المرئية في الكون لتشكل نسبة الـ27% التي تتطلبها الملاحظات. 

ثانياً، إنها ليست على شكل غيوم مظلمة من مادة عادية؛ وهي مادة مكونة من جسيمات تسمى «الباريونات»، ونحن نعلم هذا لأننا كنا سنكون قادرين على اكتشاف الغيوم الباريونية عن طريق امتصاصها للإشعاع الذي يمر عبرها؛ وهذا ما لا يحصل مع المادة المظلمة.

ثالثاً، المادة المظلمة ليست مادة مضادة؛ لأننا لا نرى أشعة جاما الفريدة التي تنتج عندما تتلاشى المادة المضادة مع المادة، وأخيراً؛ يمكن استبعاد وجود ثقوب سوداء كبيرة بحجم المجرة على أساس عدد بؤر الجاذبية التي نراها؛ إذ تعمل التركيزات العالية من المادة على انحناء الضوء الذي يمر بالقرب منها؛ والقادم من أجسام بعيدة، لكننا لا نرصد أحداثاً كافيةً تشير إلى أن مثل هذه الأجسام تشكّل نسبة 25% المطلوبة من المادة المظلمة. مع ذلك؛ في هذه المرحلة؛ لا يزال هناك عدد قليل من احتمالات المادة المظلمة القابلة للتطبيق؛ حيث لا تزال المادة الباريونية قادرةً على أن تكون المكوّن للمادة المظلمة إذا ما كانت مترابطة ببعضها البعض بأقزام بنية، أو في أجزاء صغيرة كثيفة من العناصر الثقيلة.

تُعرف هذه الاحتمالات باسم الأجسام الهائلة المدمجة الضخمة، أو «MACHOs»، لكن الرأي الأكثر شيوعاً هو أن المادة المظلمة ليست باريونية على الإطلاق، ولكنها تتكون من جسيمات أخرى أكثر غرابةً؛ مثل الأكسيونات أو الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل «WIMPS».

وفي الخمسينيات من القرن الماضي، توقع العلماء الذين يدرسون المجرات الأخرى أن تتسبب الجاذبية في دوران المراكز بشكل أسرع من الحواف الخارجية؛ بناءً على توزيع الأجسام بداخلها، وما أدهشهم هو أن كلتا المنطقتين كانتت تدوران بنفس المعدل؛ مما يشير إلى أن المجرات الحلزونية تحتوي على كتلة أكبر بكثير مما بدت عليه، وكشفت الدراسات التي أُجريت على الغاز داخل المجرات الإهليلجية ومجموعات المجرات، أن هذه المادة المخفية منتشرة في جميع أنحاء الكون.

اقرأ أيضاً: لماذا لم تتسبب المادة المظلمة في وفاة أي شخص حتى الآن؟