Reading Time: 3 minutes

يعتقد معظمنا أن الركض لمسافة طويلة مثلما يحدث في الماراثون، يحتاج الكثير من الجهد ويستنزف جلّ طاقتنا، وهو الأمر الذي قد يدفعنا لعدم التفكير مطلقاً بالركض مسافة أطول في نفس اليوم. لكّن الكثير من الرياضيين يمكنهم الركض أكثر من ذلك. في الواقع، الإرادة للاستمرار وإنهاء السباق هي ما يكمن في صميم منافسات التحمل أو الماراثون الفائقة، وهذا هو بالضبط السبب بوصفها بالـ «فائقة».

تُخصص هذه الأحداث للرياضيين الذين يمتلكون القدرة على الجري أكثر من مسافة الماراثون النموذجية البالغة حوالي 42 كيلومتراً، أو بذل مجهودٍ بدني لمدة 6 ساعاتٍ متواصلة أو أكثر عموماً. وتُجرى مثل هذه المنافسات الفائقة سنوياً، وتنطوي أيضاً على سباقات الدراجات أو السباحة أو الجري، وحتّى رياضة التجديف بالقوارب الصغيرة «الكاياك».

ننظر في بحثنا الجديد، والمنشور في دورية «بلس وان»، في دور الصلابة/ القوة الذهنية في أداء العدائين فائقي التحمل، وتشير النتائج التي توصلنا إليها إلى أن القدرة على التحكّم الذهني بالنشاط البدني هو ظاهرة حقيقية، ولكنها لها حدود في الواقع.

أساسيات منافسات الماراثون الفائقة

تُعتبر منافسات الماراثون الفائقة تحدياً كبيراً، حيث تبدأ من مسافاتها من 56 كيلومتر، وتصل إلى 150كيلومتر. وغالباً ما تُقام مساراتها في بيئاتٍ جبلية نائية، وتنطوي غالباً على ظروف غير متوقعة على الطريق، وتغيراتٍ هائلة في الارتفاع والانخفاض، لذلك لم يكن من المفاجئ أن تجد الأبحاث التي تُجرى على فئة عدائي الماراثون الفائق الفريدة؛ بأنهم يعانون من العديد من الصعوبات خلال هذه المنافسات.

تشمل هذه الصعوبات مشاكل جسدية أكثر شيوعاً مثل الغثيان والقيء وظهور البثور و/ أو آلام العضلات، حيث تنتهي بهم إلى الانسحاب من السباق. ومن الشائع أيضاً، إلى جانب الأعراض الجسدية وعدم الراحة، الشعور بالتعب الشديد وتجربة المشاعر القاسية، والأفكار السلبية.

جري, إصابات, البرية, اسعافات اولية

يمكن أن يعاني المتسابقون في الماراثون الفائق من آلام المفاصل وتلف العضلات، وتشوش الرؤية والصداع والدوخة، وعسر الهضم.

هل تستطيع القوة الذهنية التحكم بالقدرة البدنية؟

عادة ما ترتبط «القوة الذهنية» بالقدرة على البقاء متسقاً ومتوازناً في مواجهة التحديات والصعاب، أو بالتعافي السريع من النكسات والشدائد.

أردنا أن نتحرى في دراستنا عما يحفز الرياضيين ذوي القدرة الفائقة على التحمل للاستمرار؛ بالرغم من التحديات الجسدية والعقلية الواضحة. للقيام بذلك، ركزنا البحث على 56 عدّاء ماراثون تنافسوا في سباق «HURT100» الفائق، والذي يُجرى في هونولولو، وتبلغ مسافته 161.7 كم، ويتكون من مسارٍ وعر لخمس دوراتٍ متتالية عبر مختلف التضاريس الطبيعية والجبال؛ ليصل حتى ارتفاع 3400 متر عن سطح البحر، وبارتفاعٍ تراكمي يصل حتى 7500 متر. يحتوي المسار على مسافاتٍ قليلةٍ للركض، حيث يقضي المتسابقون معظم وقتهم يتنقلون بين الأشجار ويقطعون الأنهار.

أكمل الرياضيون النخبة في دراستنا استبيانين، واستنتجنا من خلالهما أن مستوى القوة الذهنية عامل غير محددٍ، ولا يمكن أن يكون مؤشراً على مستوى الأداء بين أفراد المجموعة. نستنتج من ذلك أنه قد يكون هناك مستوى «عتبة حدية» من القوة الذهنية ينبغي على المرء التمرّن عليها، وتجاوزه حتى يكون قادراً على الاستعداد لمثل هذا الحدث والمنافسة فيه، ولكن فيما يتجاوز ذلك، يبدو أن لعدة عوامل نفسية وجسدية ولوجستية أخرى تأثيرٌ أكبر على الأداء.

كما قارنا مجموعة عدائي الماراثونات الفائقة في دراستنا بالرياضيين في الرياضات الأخرى، بما في ذلك الهوكي والتنس، وكرة القدم المحترفة وألعاب القوى عالية الأداء، وفنون القتال والدفاع عن النفس المختلطة. ووجدنا أن العدائين يتمتعون بمستويات أعلى بكثير من الصلابة الذهنية.

من حيث الخصائص المحددة التي أدت لرفع مستوى القوة الذهنية لدى العدائين، مثل الثقة والالتزام والمسؤولية الشخصية أو التحكم بأفكار الفرد، سجلت «النجاعة الذاتية» درجة عالية، حيث تشير هذه الخصيصة إلى مدى إيمان الرياضي بقدرته على تنفيذ مهمةٍ ما. على سبيل المثال، الإيمان بقدرتهم على إكمال مسافة سباق «HURT100» في الوقت المحدد الذي يبلغ 36 ساعة.

تجاوز العقل البشري

لبحثنا فوائد عملية للرياضيين سواء كانوا يريدون زيادة قوتهم الذهنية، أو معرفة ما يلزم للمنافسة في سباقات الماراثون الفائقة.

إن امتلاك معرفة متقدمة بالآليات التي تُبنى عليها أسس القوة الذهنية -مثل النجاعة الذاتية- يمكن أن يساعد أيضاً علماء النفس والمدربين في إنشاء برامج تدريبية أكثر فعالية واستهدافاً. ومع ذلك، فإن النتائج التي توصلنا إليها تفتح الأبواب لمزيد من الأسئلة. مثل ما هي العوامل الأخرى التي يمكن أن تتنبأ بالأداء لدى عدائي الماراثون الفائق؟ وما مدى اتساع نطاق الخصائص التي يمكن ربطها بالقوة الذهنية؟ وهل يمكن لأي شخص أن يتعلمها؟

قد يجادل البعض بأن الناس ولدوا ولديهم مستوى أعلى من القوة الذهنية، وأنها موجودة في جيناتهم، بينما يدعي آخرون بأنه يمكن أن تتطور بمرور الوقت كنتيجةٍ للتجربة والظروف الفردية. يبدو أن الجدل حول أن هذه القدرات مرتبطة بجينات الفرد بالأساس مقابل القدرة على تنمية المهارات ما يزال مستمراً ولن ينتهي قريباً.

مقال من «ذا كونفيرسيشن»