Reading Time: 3 minutes

الأطفال بطبيعتهم فضوليون ومتسامحون، ويسألون الكثير من الأسئلة، لكن في مرحلةٍ ما، يتوقف معظمهم -ومعظمنا أيضاً- عن طرح الأسئلة ببساطة. فلماذا أسئلة الأطفال مهمة؟

السبب

في الواقع؛ لا يتوقّف الأطفال عن طرح الأسئلة لأنهم باتوا يدركون ما حولهم بشكلٍ أفضل دون مساعدة الآخرين، بل لأنهم قد يتعرضون لضغوطٍ اجتماعية تدفعهم للتوقف عن ذلك. كثيراً ما يلجأ الأشخاص المحيطون بالطفل إلى طرح أسئلةٍ عليه؛ مثل ما هو ناتج 2+2؟ وكيف تهجئ تلك الكلمة؟ وكم الوقت عندما يكون العقرب الكبير على الرقم 11 والعقرب الصغير على رقم 5؟ … وغيرها من الأسئلة في محاولة لإثبات ذكائه. هذه الأساليب تضع الطفل تحت ضغط يوقفه عن طرح الأسئلة حتى يقوم هو بتقديم الإجابات.

يجب على معظمنا ألّا يتوقّف عن طرح الأسئلة؛ أقول هذا بصفتي شخصاً تتمثل مهمتي في طرح الأسئلة لمساعدة الطلاب في الجامعة، والمراهقين على تطوير مهارات لطرح الأسئلة المهمة، وأعتقد أن طرح الأسئلة يجب أن يكون ذا أهمية قصوى لأي شخص يهتم بنفسه أو بالآخرين.

الخوف من أسئلة الأطفال

في صيف عام 2020؛ انتشر فيديو لفتاةٍ شابة على موقع تيك توك تُدعى «جرايسي كننغهام»؛ تضع فيه مساحيق التجميل، وتتساءل عن أصول الجَبْر، وما إذا كانت الرياضيات «حقيقية» أم لا. انتشر الفيديو بسرعة بعد أن نُشر في تغريدةٍ حُذفت بعد ذلك؛ تحمل عنواناً توضيحياً يقول: «أغبى مقطع فيديو رأيته حتى الآن».

في البداية؛ سخر كثيرون من تساؤلات جريسي، إلى أن دفعت تساؤلاتها العديد للدفاع عنها؛ بمن فيهم علماء في الرياضيات والفلسفة وعلومٍ أخرى؛ ما دفع المزيد من الناس للوقوف بجانبها والدفاع عنها أيضاً. في الحقيقة، حتّى العلماء لم يعرفوا إجابة أسئلتها.

أعتقد أن هذه الحادثة تستحق التأمل والدراسة لما تنطوي عليه من أهمية الأسئلة، والتسامح مع طرحها. بالنظر إلى التعليقات التي أثارتها التغريدة، بدت أسئلة جرايسي في البداية سخيفةً للعديد من الذين سمعوها. هذه السخرية والاستهزاء -وحتى مجرد الخوف من السخرية منها- يشكّل رادعاً حقيقياً يمنع المرء من طرح المزيد من الأسئلة والتساؤلات عموماً، وفي محاولةٍ مثيرةٍ للإعجاب؛ ردّت جريسي على منتقديها بفيديو آخر لتطرح نفس الأسئلة السابقة.

بدت الفتاة هدفاً سهلاً للسخرية؛ فقد اعتُبرت أسئلتها تشكّك في علمٍ يُفترض أنه لا يرقى إلى الشك مطلقاً؛ وهو الرياضيات الأساسية. يعتقد القليلون الذين دافعوا عن جرايسي بأن أسئلتها صادقة وتكشف عن فضولٍ حقيقي، وبعضهم اعتبر أسئلتها عميقةً جداً؛ يبدو أن السبب الرئيسي في ذلك هو صعوبة الإجابة على أسئلتها بالفعل.

أسئلة جيدة وسيئة

ستجد إجاباتٍ سهلة على الكثير من الأسئلة الجيدة، لكن إذا سألت الشخص المناسب. غالباً ما يكون الدافع وراء السؤال الجيد هو الفضول الذي يدفعنا لمحاولة فهم شيء ما في العالم بشكلٍ أفضل؛ بما في ذلك فهم أنفسنا. وفقاً لذلك؛ تُعتبر أسئلة جرايسي جيدةً تماماً.

ولكن، هل كل الأسئلة جيدة؟

لا. تكون الأسئلة جيدة حسب سياقها، لأن هناك الكثير من الأسئلة السيئة بالطبع. عادةً ما يكون من غير اللائق طرح سؤالٍ أثناء حديث شخصٍ آخر (رغم أنه قد يكون من الجيد مقاطعته للسؤال مثلاً «هل يوجد طبيبٌ هنا؟» إذا استدعى الأمر ذلك)، كما تُعتبر الأسئلة المكررة سيئة أيضاً؛ مثل: هل وصلنا بعد؟ هل حان الوقت؟ أقول ذلك بصفتي أباً لطفلين صغيرين يميلان لطرح أسئلةٍ من الواضح أن الغرض منها ليس الحصول على إجابات، ومع ذلك، قد لا تكون هذه الأسئلة جيدةً بسبب السياق أو الدافع، ولكن هل كل سؤال يُطرح بدافع الفضول هو سؤال جيد؟ الأسئلة التالية ليست كذلك.

لنرَ على سبيل المثال ما إذا كان من المناسب طرح أسئلةٍ من قبيل: لماذا تبكين بسرعة؟ هل تربيت في مأوى؟ من أين أنت؟ أو حتى الأسئلة التي تنطوي على الاستفسار عن عرق أو جنس شخصٍ ما. في الواقع، لا يتقبّل الكثيرون الأسئلة الشخصية من الجميع، وبعض الأسئلة قد تكون مؤذيةً بالفعل.

الفلسفة كتفكير نقدي

باختصار؛ هناك أسئلة جيدة وأخرى سيئة؛ أولئك الذين يريدون السؤال بشكلٍ مثمر يحتاجون إلى أن يكونوا قادرين على معرفة الفرق؛ ليس من أجل فائدتك فقط​​، ولكن من أجل خير الجميع.

يتوقف الكثير على إمكانية طرح أسئلة «جيدة» دون تحفّظ، والقيام بذلك ضروري للتفكير النقدي المهم لحل المشكلات الكبيرة والصغيرة. من المفاهيم الخاطئة الشائعة هي أن الفلسفة هي مجرّد فكر نظري تخصصي، أو مجموعة من الحقائق أو الآراء المتنازع عليها، أو وجهات نظر أشخاص توفّوا منذ زمنٍ بعيد، لكنها في الواقع نشاط -تفكير نقدي- يحاول تحدّي الحقائق التي تبدو واضحة أو غامضة.

طرح الأسئلة ليس محصوراً على الأطفال أو الطلاب أو الفلاسفة. يحتاج الجميع إلى الاستفسار النقدي والتسامح مع الجهل الظاهر لدى الآخرين؛ لذلك عندما تسمع سؤالاً يُهيأ لك أنه سخيف، لا تفترض أنه كذلك في الحال، بل حاول أن تتخيّل سياقاً ما يجعل هذا السؤال ذا مغزى -بل سؤالاً مهماً- للشخص الذي يطرحه؛ فالقدرة على القيام بذلك مهارة تتطلب القدرة على رؤية وجهات نظرٍ مختلفة، وتناولها من ناحيةٍ نقدية، كما يعزز هذا الأمر التسامح تجاه الأسئلة أيضاً.

أهمية الاستفسار

العالم الذي نتشارك فيه مبنيّ على افتراضاتٍ مسبقة لم يتم فحصها؛ قد يكون هذا الأمر جيداً بالنسبة لمن يشعر بالرضا والقناعة بهذا العالم كما هو، ولكن قد يدفع أقلّ قدرٍ من التفكير المرء للسؤال لفهم العالم بشكلٍ أفضل.

إذا رغب أفراد المجتمع بالارتقاء بفكرهم ومعاييرهم، يجب أن يكونوا قادرين على التفاعل مع الأسئلة بحريةٍ تامة مهما بدت بسيطة وساذجة. يجب أن يكونوا قادرين على سماع الأسئلة على أنها أسئلة؛ وليس باعتبارها أدلّة أو تأكيدات، وأن يتسامحوا مع من يطرح الأسئلة.

في النهاية؛ إذا لم نتمكن من معالجة أسئلة مثل: من أين أتى الجبر؟ لماذا اخترت عدم ارتداء كمامة؟ لماذا ستصوّت لشخصٍ لا يحترم القانون؟ لماذا يطلق شرطي النار 7 مرات على رجل أعزل؟ كأسئلةٍ من شخصٍ يجد هذا الأمور محيرة وغامضة، ولم نعتبرها نحن دعوةً للمواجهة أو الاستهزاء؛ فالجميع سيعاني حتماً.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «ذا كونفيرسيشن» من هنا.