Reading Time: 5 minutes

لقد وصلنا إلى مرحلةٍ بات علينا أن نقول فيها وداعاً لكثيرٍ من الحيوانات والنباتات حول العالم عاجلاً أم آجلاً، فوفقاً لتقريرٍ صادر عن الأمم المتحدة عام 2019، هناك حوالي مليون نوعٍ معرض لخطر الإنقراض، وفي دراسةٍ نُشرت في دورية «نيتشر» هذا العام، وجد الباحثون أنّ النظم البيئية في المحيطات الأستوائية قد تبدأ في الانهيار بحلول عام 2030، بينما ستنهار النظم البيئية في الغابات والجبال بحلول عام 2050.

أشارت أبحاث أخرى في هذا الصدد أنه إذا استمر معدل احترار الكوكب بالمعدلات الحالية، سيَفقد حوالي نصف الحيوانات أكثر من 50% من موائله بحلول عام 2100. في عام 2019، صرّح السير «روبرت واتسون»، رئيس المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية قائلاً: «نحن أمام صورةٍ متشائمة».

تكيف الحيوانات مع الوضع الحالي

ومع ذلك، فإنّ بعض الأحياء تحاول التكيُّف، فقد باتت الطيور تهاجر في وقتٍ أبكر من السنة، والسلاحف البحرية تعدل مساراتها، وأصبحت غزلان الرنّة تنجب في وقتٍ مبكرٍ أكثر في الربيع، لقد باتت العديد من الحيوانات تغير سلوكها للتكيُّف بالفعل، ولكن كيف ستتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة المستمر؛ والذي إذا لم نفعل شيئاً لإيقافه، فسوف يحطم الأرقام القياسية عاماً بعد عام؟

تقول «مارتا مونيوز»؛ عالمة الوراثة التطورية بجامعة ييل: «ما تزال الإجابة لغزاً تطورياً نحاول الكشف عنه. في الواقع، ما يزال فهمنا لكيفية تطوُّر الحيوانات لتستخدم استراتيجيات مختلفة للحفاظ على أجسامها عند درجة حرارة معينة -والذي يُعرف بالتنظيم الحراري- حديثاً جداً. ربما تعتقد أنّ مفهوم تنظيم الحرارة لدى الحيوانات يعود إلى القرن الثامن عشر. لا على الإطلاق. في الواقع، ولكي تفهم مدى حداثة معرفتنا بهذا الأمر، لم يُستخدم مصطلح «التنظيم الحراري» رسمياً حتى عام 1944، ولم نكتشف بنية الحمض النووي إلا بعد أقل من عقدٍ من اكتشافنا فكرة التنظيم الحراري».

هناك طريقتان تطورَت بهما الحيوانات لتنظيم الحرارة: إما أنها تستخدم الطاقة المتولدة في أجسامها للحفاظ على درجة حرارة ثابتة؛ وهي الطريقة التي طورَتها الحيوانات ذوات الدم الحار، أو إبطاء عملية التمثيل الغذائي لتتناسب مع درجة الحرارة الخارجية؛ وهو التكتيك الذي تتّبعه البرمائيات والزواحف والحشرات ومعظم الكائنات التي تعيش تحت الماء. لذلك قد نرى بعض سحالي الإغوانة تسقط من الأشجار عندما يبرد الطقس في ميامي؛ حيث يتباطأ التمثيل الغذائي لديها إلى درجةٍ تتوقف عندها عضلاتها عن العمل.

تكيف الحيوانات مع تغيّر درجة الحرارة

ووفقاً لمونيوز، فإنه بغض النظر عن الطريقة التي تتكيف معها الحيوانات مع ظروف الحرارة المختلفة، سيكون التكيُّف مع ارتفاع الحرارة أصعب بكثير من التكيُّف مع انخفاضها. لقد أظهرَت مونيوز في بحثها أنّ قدرة السحالي على مقاومة درجات الحرارة الباردة تطورَت أسرع بعشر مرات من قدرتها على تحمل الظروف الحارّة.

يمكن تفسير ذلك من خلال حقيقة أنه عندما تكون درجات الحرارة منخفضةً جداً، فإنّ على الحيوانات إما التكيُّف مع ظروف البرودة الشديدة أو الموت من البرد. تقول مونيور: «لا يمكنك الاختباء أو الهروب من البرد. بالمقابل، يمكن للسحلية العثور دائماً على بقعةٍ مظلّلة من الغابة حيث تكون درجة الحرارة أقل بكثير من الأماكن التي تسقط عليها أشعة الشمس المباشرة، لذلك، وعلى مدى آلاف السنين، أدت حقيقة أنّ بإمكان الحيوانات التكيُّف مع درجات الحرارة المرتفعة عن طريق التنقُّل فقط إلى إبطاء تطور الخصائص الفيزيائية لديها للتعامل مع الحرارة الشديدة».

وقد اكتُشفت سلوكيات مماثلة لدى الفراشات. يقول «أندرو بلادين»، الباحث في جامعة كامبريدج، والذي يدرس أثر ارتفاع الحرارة على الفراشات في المملكة المتحدة: «يمكن لهذه الحشرات التكيّف مع ارتفاع الحرارة إما عن طريق إيجاد بقعٍ باردةٍ أكثر في الغابة، أو باستخدام حِيَلٍ مثل تحريك أجنحتها بزاوية معينة لعكس أشعة الشمس عنها».

لقد درس أندرو وفريقه مؤخراً أكثر من 4 آلاف فراشة من 16 نوعاً مختلفاً، وقاموا بقياس درجة حرارة أجسامها لمعرفة ما إذا كانت تنظم حرارة جسمها عن طريق انتقالها إلى مناطق أقل حرارة أو من خلال تحريك أجنحتها باتجاهاتٍ مختلفة لاتّقاء حرارة الشمس، ونشروا النتائج التي توصّلوا إليها في سبتمبر/ أيلول من هذا العام في دورية «أنيمال إيكولوجي».

يقول أندرو: «لقد وجدنا أنّ أعداد أنواع الفراشات التي تعتمد على الانتقال للتكيُّف مع ارتفاع الحرارة أكثر تميل إلى التناقص خلال الأربعين سنة الماضية. بالمقابل، وفي نفس الفترة، تزايدت أنواع الفراشات التي تعتمد سلوكياتٍ محدّدة للتكيُّف مع درجات الحرارة المرتفعة؛ وذلك يعني أنه على المدى الطويل، يمكن أن يؤدي تعديل بسيط في سلوك بعض الأفراد إلى تغيير مصير النوع بأكمله».

لكنّ تغيُّر المناخ لا يتعلق فقط بارتفاع درجة الحرارة؛ حيث بات المناخ يُظهر تقلبات مفاجِئة شديدة في درجات الحرارة يمكن أن تصيب الكائنات الحية بحالةٍ من الصدمة. تقول عالمة الأحياء البحرية «ديانا ماديرا»: «سيكون على الحيوانات النجاة من هذه الأحداث المناخية الشاذة بشكلٍ متكرر مع تفاقُم تغيُّر المناخ، والذي سيؤدي بدوره في النهاية إلى إعادة تشكيل النظم البيئية».

تدرس ماديرا في مخبرها بجامعة أفيرو بالبرتغال مدى استعداد العديد من أنواع الأسماك وقدرتها على البقاء في مثل هذه الظروف الشاذة، وقد وجدت أنّ أحد أهم الأنواع بالنسبة لمصائد الأسماك الأوروبية؛ وهو الدنيس ذو الرأس المذهبة، يمكنه البقاء على قيد الحياة لمدة تصل إلى 28 يوماً في مياه دافئة تصل حرارتها إلى 30 درجة مئوية؛ وهي درجة الحرارة المتوقع أن تشهدها البحار الأوروبية خلال فترة نهاية القرن عام 2100 إذا لم تتوقف أزمة المناخ، وبعد هذه النقطة، تبدأ أنسجتها بالتلف سريعاً وتموت جرّاء ذلك.

ولكن ماذا لو تعرّض سمك الدنيس وهو لا يزال في مراحل نموه الأولى -حين يكون شراغيف صغيرة أو عندما تكون أسماكاً فتية عديمة الخبرة- إلى درجات حرارةٍ عالية؟ وجدت ماديرا أنّ شراغيف الدنيس الصغيرة ستكون معرضة بشدة لخطر ارتفاع الحرارة؛ حيث لا يمكنها التحرُّك كثيراً للهروب من المياه الحارة، لكن يمكن للأسماك الفتية السباحة والهرب من هذه الظروف والبقاء على قيد الحياة، أما بالنسبة للأسماك البالغة، فربما لن يكون بمقدورها النجاة لأنها تستهلك الكثير من طاقتها في التكاثر، وتختلف هذه النتائج من نوعٍ لآخر، فقد يختار بعضها البقاء على المدى القصير، لكنّ الأجيال اللاحقة ستعاني. تقول ماديرا: «ما تقوم به سيكون أشبه بالمقايضة. كأنما تقول، حسناً، يمكنني البقاء على قيد الحياة الآن، ولكن بعد ذلك لن أتكاثر بنفس القدر، أو لن أنمو كثيراً».

بالنسبة للثدييات والطيور، فحسب «تريفور فريستو»؛ الباحث في جامعة كونستانز بألمانيا، فإنها تميل لاستخدام الطاقة لتنظيم درجة حرارة جسمها الداخلية، فعلى العكس من السحالي أو الأسماك، لا تنهار الحيوانات ذوات الدم الحار بالسرعة نفسها في الحرارة الشديدة، فقد طوّرت استراتيجاتٍ مختلفة لتبريد نفسها؛ كاللهاث والتبرز وحتى عن طريق التخلص من الحرارة عبر آذانها الكبيرة. بينما تطوّر بعضنا، وأعني الرئيسيات والخيول، لتبريد جسمه عن طريق التعرّق؛ حيث يستهلك الجسم الطاقة عندما يقوم بنشاطٍ ما، مما يؤدي لارتفاع حرارته، فيلجأ الجسم لإطلاق الحرارة الزائدة عن طريق التعرّق، ولكن إذا استمرت هذه الدورة فترةً كافية من الوقت، فإنها تؤدي إلى الإصابة بضربة الشمس، وقد وجدت الأبحاث في هذا الصدد أنّ الحد الأقصى لدرجة الحرارة التي يمكن للحيوانات ذوي الدم الحار تحمله يتراوح بين 42.2 و 47.8 درجة مئوية.

كيف تتكيف الحيوانات مع درجة الحرارة الشديدة؟

لفهم كيفية تكيُّف الحيوانات مع الحرارة الشديدة، قاد فريستو في عام 2015 دراسة تناولت البحث في كيفية تطور 211 طائراً و 178 نوعاً من الثدييات. يوضح فيرستو أنّ تكيُّف الحيوانات ذات الدم الحار مع الحرارة المرتفعة من الناحية التطورية يتعلّق بتحقيق توازنٍ دقيق بين حجم الجسم وشكله (يمكن للحيوانات الصغيرة التكيُّف مع الظروف شديدة البرودة بشكلٍ أفضل)، وبوتيرة التمثيل الغذائي، ومدى تعرُّض جسمه للعوامل الخارجية (كاحتوائه على الريش أو الفراء وغيرها من آليات العزل المشابهة؛ والتي تحمي الحيوانات إلى حدّ ما من أثر عوامل الطقس الخارجية).

وجد فريستو أنّ الحجم لا يلعب دوراً رئيسياً في التكيُّف مع الحرارة، وذلك نظراً لوجود حيواناتٍ ضخمة وصغيرة على حدّ سواء في جميع أنحاء العالم، بينما لعبت معدلات التمثيل الغذائي دوراً رئيسياً لدى الطيور، وكان لاستراتيجيات العزل؛ مثل شعر الجسم واحتياطي الدهون، دورٌ أساسي في تكيف الثدييات مع الحرارة.

لكنّ دراسة فيرستو تغفل ما كانت مارتا مونيوز تحاول اكتشافه في دراستها حول السحالي، أي دور سلوك الحيوانات في التكيف. لقد اكتشف الباحثون مؤخراً أنّ عصافير الزيبرا تغني أغنية ذات نغماتٍ خاصةٍ أعلى لبيضها أثناء العناية لها عندما تصل حرارة الجو الخارجي إلى حوالي 44 درجة مئوية لتخبر الصغار في البيض أنّ عليها إبطاء نموها، مما يجعل الجيل الجديد أكثر تحملاً لدرجات الحرارة المرتفعة مقارنةً بآبائهم. لقد أظهرت المزيد من الأبحاث أنّ السلوك هو الأداة الأكثر أهمية في الواقع للتكيف مع الحرارة الشديدة لدى الكائنات ذوات الدم الحار على ما يبدو.

في الواقع، لن يكون ارتفاع درجة الحرارة سوى أحد العوامل التي ستؤثر على الحيوانات بسبب أفعال الإنسان. إذ أنّ ارتفاع حموضة المحيطات وإزالة الغابات والتوسع الحضري والتلوث، وأنماط الطقس المتغيرة، جميعها ستخلق تحدياتٍ إضافية للأنواع، لكن العلماء يعتقدون أنّ الحيوانات ستلجأ لحيلٍ سلوكيةٍ أخرى أيضاً للتكيُّف مع تلك التحديات الإضافية، لكنّ ماديرا تقول: «قد لا تنطبق استنتاجاتنا حول على أحد العوامل على العوامل الأخرى، خصوصاً إذا تزامن حدوثها في نفس الوقت».

المقالة باللغة الإنجليزية