Reading Time: 3 minutes

تشير نتائج دراسة نُشرت حديثاً في دورية «ساينس أدفانس»، إلى أنّ أكثر البيئات التي كانت قابلة لوجود الحياة فيها على كوكب المريخ قديماً، ربما وُجدت تحت سطحه في الأعماق.

يعتقد العلماء أنّ حرارة المريخ قبل 4 مليار سنة كانت أقل مما هي عليه الآن، نظراً لأن شمسنا كانت أقل قوة، ومع ذلك، وجد العلماء الكثير من الأدلة التي تشير إلى وجود الماء السائل في وقتٍ مبكر من حياة الكوكب الأحمر. يقول «لوجندرا أوجا»؛ عالِم الكواكب في جامعة روتجرز في نيو برونزويك: «يعود التناقض في الأساس إلى الاختلاف بين ما كنا نتوقع أن يبدو عليه المريخ منذ 4 مليار عام، وبين ما تُظهره الخصائص الجيولوجية للمريخ».

كيف يمكن استمرار الماء السائل في هذه البيئة شديدة البرودة؟

يعتقد أوجا وزملاؤه أنّ حرارة الكوكب الداخلية قد أذابت قاعدة الصفائح الجليدية في المرتفعات الجنوبية للكوكب، ويقولون أنه سواء أكان المريخ القديم بارداً أو دافئاً، فإنّ الظروف على عمق عدة أميالٍ من سطحه كانت دافئة بدرجةٍ كافية لتسمح بوجود بيئةٍ صالحة للحياة.

يبعد المريخ حوالي 48 مليون ميلاً أكثر مما يبعد كوكب الأرض من الشمس، ولذلك لا يتلقى سوى 43% من ضوء الشمس الذي يتلقاه كوكب الأرض. يقول أوجا: «إنّ الطاقة التي تتلقاها هذه الكواكب من الشمس هي في الواقع ما يقرّر احتمال وجود الحياة عليها ممكناً من عدمه. إذا كان الكوكب قريباً جداً من الشمس سيتلقى الكثير من طاقتها، بالتالي سترتفع درجة حرارة الكوكب، وبالطبع العكس صحيح تماماً».

تشبه الوديان القديمة على المريخ تلك الموجودة حول جزيرة ديفون في أرخبيل القطب الشمالي الكندي.

في الواقع، كانت الشمس أكثر خفوتاً عما هي عليه الآن بحوالي 30% في حقبة «نوشتيان» على كوكب المريخ، أي بين 3.7 إلى 4.4 مليار سنة الماضية، وذلك يعني أنّ كوكب المريخ كان ينبغي أن يكون شديد البرودة، أي أنّ الحرارة ستصل إلى ما دون نقطة تجمد الماء بلا شك. ومع ذلك، تُظهر تضاريس المريخ وجود قنوات الأنهار وأحواض البحيرات والشواطئ، بالإضافة إلى دلائل على احتواء الماء على العناصر المعدنية والطين. لقد ناقش العلماء هذا التناقض الواضح (والذي لوحظ على الأرض أيضاً)، والمعروف باسم مفارقة الشمس الفتية الخافتة، لعقود. يعتقد العلماء أنه يمكن تفسير ذلك من خلال أثر الغازات المسببة للاحتباس الحراري في غلاف المريخ الجوي القديم، حيث حافظت على حرارة السطح دافئةً بدرجةٍ كافية ليبقى الماء سائلاً.

وقد اقترح باحثون آخرون أنّ الحرارة جاءت من داخل الكوكب نفسه. فالقشرة والطبقات العميقة في الكواكب الصخرية تحتوي على عناصر تشع الحرارة عند تحللها، بما فيها الثوريوم واليورانيوم والبوتاسيوم، وتحدث هذه الظاهرة على كوكب الأرض؛ حيث يحمل الماء والبخار الساخن هذه الطاقة الحرارية بدوره إلى السطح. وبالفعل، تستفيد العديد من الدول؛ مثل آيسلندا والولايات المتحدة وغيرها، من هذه الظاهرة في التدفئة. كما تتسبب بتشكُّل بحيراتٍ وقنوات تحت الأنهار الجليدية الضخمة في القارّة القطبية الجنوبية وآيسلندا وجرينلاند وأرخبيل القطب الشمالي الكندي.

وللتحقق مما إذا كانت هذه النظرية تنطبق على كوكب المريخ أيضاً، لجأ أوجا وزملاؤه إلى تقدير سُمك الرواسب الجليدية في نصف الكرة الجنوبي لكوكب المريخ ومعدّل درجة الحرارة السنوي على سطح الكوكب. كما استخدم الفريق قياسات الثوريوم واليورانيوم والبوتاسيوم في تربة المريخ؛ والتي جمعَتها المركبة الفضائية «مارس أوديسي»؛ التابعة لوكالة ناسا، من أجل نمذجة كيفية انتقال الحرارة من أعماق كوكب المريخ إلى سطحه.

يقول أوجا: «كنا قادرين على تقدير كمية الحرارة المنبعثة من جوف كوكب المريخ قبل 4 مليارات سنة، بالإضافة لتقدير إذا ما كانت هذه الحرارة كافيةً لإذابة بعضٍ من الطبقات القاعدية الجليدية السميكة. لقد أظهرنا أنّ ذلك ممكن حقاً».

اقرأ أيضاً: قد يكون المريخ مكاناً رائعاً للحياة.. لكن ليس لنا

يعتقد أوجا أنّ الماء ربما تَشكَّل على عمق 3 أميال تقريباً تحت القشرة السطحية، مع ذلك، فهو يأمل أن يحسّن هذه التقديرات في المستقبل مع المزيد من البيانات التي سيجمعها مسبار ناسا «إنسايت» حول بنية قشرة المريخ. يقول أوجا في هذا الصدد: «من المحتمل أن تكون البحيرات التي تشكلت تحت الصفائح الجليدية بيئةً مثالية لأشكال الحياة القديمة؛ على غرار الاكسترويموفيل (كائنات وحيدة الخلية يمكنها العيش في ظروفٍ بيئية قاسية)؛ التي وُجدت في المَنافس الحرارية المائية تحت سطح البحر، وفي فوهات الينابيع الحارّة في حديقة يلوستون الوطنية. قد توفر موائل المياه الجوفية أيضاً الحماية للكائنات المحتملة من البرودة والإشعاع وغيرها من المخاطر الموجودة على السطح».

وخلص الباحثون إلى أنه سواء أكان المريخ رطباً أو جليدياً في بداياته، فقد أصبحت هذه البحيرات بمرور الوقت المكان الوحيد الذي يمكن أن يستمر فيه الماء بشكله السائل في الوقت الذي فقد فيه الكوكب مجاله المغناطيسي، وتقلصت سماكة غلافه الجوي وانخفضت درجات الحرارة عليه.

تنطوي نتائج هذه الدراسة على تداعيات محتملة بالنسبة للبحث عن الحياة خارج نظامنا الشمسي. في الواقع، قد تجعل الطاقة الحرارية المنبعثة من الأعماق وجوداً للحياة على كوكب بارد غير مضياف، كما يفترض على حافة المنطقة القابلة للسكن في نظامه الشمسي أمراً ممكناً.

يقول أوجا: «على الرغم من أن حرارة السطح قد تكون منخفضة جداً، فإن العناصر المُنتِجة للحرارة -الموجودة في بنية أي كوكبٍ صخري- ستولّد حرارة كافية لإذابة الجليد، وتشكيل بيئةٍ حيوية في الأعماق».

المقالة باللغة الإنجليزية