كيف غذّى التغير المناخي الفيضانات المدمرة في الباكستان؟

3 دقائق
كيف غذّى التغيّر المناخي الفيضانات المدمرة في الباكستان؟
حقوق الصورة: غيتي إيميدجيز
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

غمرت المياه ثلث أراضي باكستان. تتعرض البلاد حالياً لأسوأ موجة من الفيضانات منذ عقد من الزمن، حيث هطلت أمطار قياسية تسببت بمقتل 1325 شخصاً وتشريد أكثر من 33 مليون شخص. يقول خبراء التغيّر المناخي إن هذه الظروف المناخية المتطرفة لم تكن لتحدث من فراغ، ويشيرون إلى أن الاحتباس الحراري ربما يكون وراء هذه الفيضانات، ومن المرجح أن يتسبب بحدوث المزيد منها في المستقبل.

سيناريوهات التغير المناخي

يقول عالم التغيّر المناخي في جامعة جونز هوبكنز، بنجامين زايتشيك: «على الرغم من أن الدراسات لم تؤكد السبب الرسمي وراء هذه الفيضانات المدمرة في الباكستان، لكنها تحمل كل الأدلة التي تشير إلى أن التغيّر المناخي زاد من وطأتها». هناك العديد من القرائن التي يدرسها الباحثون، مثل زايتشيك، لفهم سبب حدوث هذه الأمطار الموسمية المستمرة وما الظروف الجوية التي يجب مراقبتها للاستعداد للأحداث الطقسية المتطرفة في المستقبل.

غازات الدفيئة

يتعلق أحد السيناريوهات الأكثر ترجيحاً بغازات الدفيئة. يقول زايتشيك في هذا الصدد: «مع تسخين غازات الدفيئة في الهواء، يُتوقع أن تزداد غزارة الأمطار في العديد من المناطق بالنظر إلى أن الهواء الدافئ يمكن أن يحمل كميات أكبر بكثير من بخار الماء مقارنة بالهواء البارد». بعبارة أخرى، عندما ترتفع درجة حرارة الهواء، تزداد قدرته على حمل كمية أكبر من الرطوبة، ما يخلق ظروفاً مناسبة لهطول الأمطار الشديدة الغزارة.

من المحتمل أيضاً أن تكون الفيضانات الشديدة في باكستان مرتبطة بالتيارات النفاثة المتغيّرة. التيارات النفاثة عبارة عن رياح قوية تتدفق بسرعة على ارتفاع 8 إلى 11 كيلومتراً فوق الغلاف الجوي. يقول زايتشيك موضحاً: «تنتقل هذه التيارات الهوائية عبر الكوكب، لكن هناك أوقاتاً تتذبذب فيها قليلاً، ما يتسبب في تسرب الهواء البارد من الشمال أو الهواء الدافئ من الجنوب».

تهب التيارات النفاثة من الغرب إلى الشرق، ولكن تدفقها يتحول غالباً من الشمال إلى الجنوب. يقول زايتشيك: «الاختلاف بين درجة حرارة الهواء الدافئ عند خط الاستواء والهواء البارد عند القطب هو ما يبقي التيارات النفاثة متماسكة وتسير في خط مستقيم أثناء تدفقها حول الكوكب. كلما زاد الفرق بين درجة حرارة الهواء البارد والدافئ، كان التوازن أفضل للحفاظ على استقرار التيار النفاث. في الشتاء، عندما يكون الاختلاف في درجات الحرارة أكبر ما يمكن، تنتقل التيارات النفاثة مصحوبة برياح قوية شديدة البرودة إلى الجنوب. ولكن في الصيف، يدفع الهواء الدافئ التيارات النفاثة للانتقال ببطء إلى الشمال.

ولكن في ظل الاحتباس الحراري، تتدفق التيارات النفاثة في كثير من الأحيان في نمط متغيّر متعرّج، فتنخفض بعض التيارات وترتفع حتى تنقسم إلى عدة تيارات في كثير من الأحيان أكثر مما ينبغي. يقول زايتشيك موضحاً: «عندما يتسخّن الكوكب بفعل ارتفاع درجة حرارة غازات الدفيئة، يقل الفرق الحراري بين الهواء البارد في القطبين والدافئ في خط الاستواء. مع تذبذب التيارات النفاثة في كثير من الأحيان، يمكن أن تنشأ حالات تُدعى أنماط الحجب، حيث يحجب التيار النفاث الهواء ويخلق تياراً مرتفعاً أو منخفض الضغط يبقى لفترة أطول فوق منطقة معينة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تشكل أنماط طقسية تستمر فترة أطول من المعتاد، مثل موجات الحر».

من المحتمل أيضاً أن تكون موجات الحر وراء هذه الفيضانات. يقول زايتشيك موضحاً: «عندما يرتفع الهواء الدافئ في طبقات الجو العليا، ينشأ نظام ضغط منخفض فوق مناطق مثل الباكستان، تشهد في الأصل درجات حرارة مرتفعة وظروف جفاف. يمتص الضغط المنخفض الهواء الداخل ويسحب الرطوبة من المحيط». ويقول عالم الهيدرولوجيا وأستاذ العلوم البيئية في كلية بارنارد، مارتن ستيوت: «يمر العالم حالياً بظاهرة النينا، والتي تميل إلى التسبب في ارتفاع الرطوبة أكثر صيفاً في الباكستان وفي دول آسيوية أخرى. تغذّي الرطوبة الدافئة من المحيط العواصف، ما يزيد من شدة الرياح والأمطار». ويضيف زايتشيك موضحاً: «تؤدي موجات الحر إلى ظروف طقسية جافة وحارة تجلب المزيد من الرطوبة التي تزيد بدورها من شدة العواصف».

ذوبان الأنهار الجليدية

ويعد ذوبان الأنهار الجليدية في الباكستان أحد العوامل الرطبة الأخرى التي تغذّي الفيضانات. توجد في البلاد أكثر من 7200 نهر جليدي، ما يجعلها إحدى أكبر المناطق الجليدية خارج القطبين الشمالي والجنوبي. يساهم ذوبان الأنهار الجليدية السريع الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة المستمر في زيادة تدفق الأنهار كما يقول ستيوت. بعد ذلك، ربما غذّى الجريان السطحي البحيرات والأنهار التي فاضت مياهها إلى البلدات والقرى المجاورة.

على الرغم من أن زايتشيك يلقي باللائمة بشكلٍ خاص على دول العالم الغنية مثل الولايات المتحدة والصين، والتي تنتج بصمة كربونية عالية لانبعاثات غازات الدفيئة، في التسبب بهذه الكوارث الطبيعية، فإنه يتعين على بقية دول العالم مواجهة هذه العواقب غالباً. ​لقد نما استخدام الكربون في باكستان في السنوات القليلة الماضية، مع ذلك، فإن بصمتها الكربونية أقل بكثير من مثيلاتها في الدول المتقدمة. على سبيل المثال، يبلغ معدل انبعاثات الكربون في الباكستان 0.67%، بينما تبلغ نسبة انبعاث الكربون للولايات المتحدة نحو 14%. يقول زايتشيك في هذا الصدد: «نرى أن بعض البلدان الفقيرة التي تكون فيها معدلات انبعاثات الكربون للفرد منخفضة نسبياً، ومع ضعف بنيتها التحتية ومرونتها المناخية، تتحمل العبء الأكبر من العواقب بدلاً عن الدول الغنية».

كانت فيضانات باكستان مدمرة بالفعل، ولكنها لم تكن متوقعة. لقد أحرزت باكستان، بوصفها دولة نامية، تقدماً كبيراً في تصدير المنسوجات والسلع الجلدية فضلاً عن إنتاج الطاقة. ومع ذلك، فإن إعادة بناء ملايين المنازل المدمرة قد يكون صعباً مع مشكلات الإسكان والصحة والفقر التي تواجهها البلاد في الأصل.

يقول ستيوت إنه يجب على الدول الاستعداد للمزيد من الفيضانات، سواء عن طريق دعم بناء المساكن أو حفر المزيد من الآبار العميقة للوصول إلى مياه الشرب النظيفة. ويضيف: «نتوقع أن تكون الفيضانات أكثر شيوعاً في المستقبل. حتى لو توقفت انبعاثات غازات الدفيئة الآن، فسنشهد المزيد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية لأن نظام مناخ الأرض يحتاج إلى بعض الوقت للتكيف».