Reading Time: 4 minutes

«الرجال من المريخ والنساء من الزهرة»؛ عنوان الكتاب الذي ألفه الكاتب «جون جراي»؛ والذي أصبح من أكثر العبارات التي يتم الاستشهاد بها في كل مرة يهز فيها رجلٌ رأسه في حالة عدم تصديق محاولة اكتشاف امرأة، أو العكس. لكن ماذا يقول العلم عن الموضوع؟ هل هناك اختلافات جوهرية فعلية في أدمغة الذكور والإناث؟ أم أن الاختلافات بيننا هي بالأحرى نتيجة أعراف اجتماعية؟ خلصت دراسة حديثة؛ نُشرت في دورية «سايكولوجيكال أسيسمينت» العلمية، إلى أن النساء أكثر قدرةً على قراءة العقول من الرجال.

قراءة العقول

طوّر باحثون في جامعات باث وكارديف ولندن البريطانية نهجاً جديداً لـ«قراءة الأفكار»؛ لتحسين فهمنا لما يفكر فيه الآخرون، واتّضح أن النساء أفضل بكثير من الرجال في رؤية الأمور من منظور الطرف الآخر.ويقول الباحثون أن جميعنا نمتلك قدرات مختلفة على قراءة الأفكار، وبعضنا أفضل بطبيعته من الآخرين، وحقيقة أن ليس الجميع جيدين في قراءة الأفكار يمكن أن تسبب تحديات؛ خاصةً للأشخاص المصابين بالتوحد؛ حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى صراعات اجتماعية في بناء العلاقات أو الحفاظ عليها.

لتحديد هؤلاء الأشخاص الذين يواجهون صعوبات، وتزويدهم بالدعم المناسب، صمّم الفريق البحثي اختباراً جديداً لقراءة العقل؛ والذي يعتمد على بيانات من أكثر من 4000 شخص مصاب بالتوحد وغير مصاب بالتوحد في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية.

تراوحت نتائج الاستبيان البسيط ؛ المكوّن من أربع خطوات، بين 4 إلى 16 درجة؛ إذ تشير 4 إلى ضعف قدرات قراءة العقل، و 16 إلى قدراتٍ ممتازة. كان متوسط ​​درجات الاستبيان بين 12 و 13 درجة، وبعد التأكد إحصائياً من أن الاختبار يقيس نفس الشيء لدى الرجال والنساء، وُجد أن الإناث أبلغن عن قراءة أفضل للعقل مقارنةً بالذكور، مع تأكيد الإبلاغ على عدد لا بأس به من التحديات التي يواجهها المصابون بالتوحد.

قام الاستبيان على اختيار واحدٍ من الخيارات التالية لأربع عباراتٍ مختلفة؛ «أرفض بشدة»، «أرفض قليلاً»، «أوافق قليلاً»، و «أوافق بشدة». وكانت العبارات الأربع:

  • أجد أنه من السهل أن أضع نفسي في حذاء شخص آخر.
  • أجد أحياناً صعوبة في رؤية الأشياء من وجهة نظر الآخرين.
  • أحاول أحياناً أن أفهم أصدقائي بشكل أفضل من خلال تخيل كيف تبدو الأشياء من منظورهم.
  • يمكنني فهم وجهة نظر شخص آخر عادةً؛ حتى لو كانت تختلف عن وجهة النظر الخاصة بي.

أكد الباحثون كذلك على الأهمية السريرية للاستبيان؛ إذ أن هذا الاختبار الجديد؛ الذي يستغرق أقل من دقيقة لإكماله، له فائدة مهمة في التقييمات السريرية للمشاركين؛ إذ أنه ليس من الواضح دائماً ما إذا كان شخصٌ ما يعاني من صعوبات في فهم الآخرين والاستجابة لهم، كما تعلّم الكثير من الناس تقنياتٍ يمكن أن تقلل من الصعوبات الاجتماعية- رغم استمرارها.

ويمكن أن يحقق هذا البحث تطوراتٍ كبيرة لفهمٍ أفضل للتجربة المعيشية للأشخاص الذين يعانون من صعوبات في قراءة العقل؛ مثل المصابين بالتوحد، عند حصولهم على درجاتٍ تقييميةٍ دقيقة يمكن أن يستخدمها الأطباء لتحديد الأفراد الذين قد يحتاجون التدخل الطبي.

اختلاف بنية الدماغ بين الرجال والنساء

الصورة: بيكساباي

في دراسةٍ أُجريت عام 2014، فحص الباحثون في جامعة برينستون وجامعة بنسلفانيا الأميركيتين أدمغة ما يقارب ألف رجل وامرأة؛ في محاولةٍ لمعرفة ما إذا كانت هناك أي اختلافات ملحوظة في بنية أدمغة الذكور والإناث التي تم فحصها، وبالفعل، وُجد بعضٌ منها؛

  • أدمغة الذكور أكبر حجماً بنسبة 8% من أدمغة الإناث، ومع ذلك، فإن الخلايا العصبية لأدمغة الإناث تُظهر عدداً أكبر من الروابط.
  • تمتلك أدمغة الإناث قدراً كبيراً من الروابط بين الجزء الأيمن والأيسر من الدماغ. من ناحية أخرى، يمتلك دماغ الذكر روابط أكثر بين جزئه الأمامي والخلفي؛ وهذا دليلٌ على حقيقة أن النساء أفضل في اتخاذ القرار بناءً على أسسٍ تحليلية -المسؤول عنها الجزء الأيسر من الدماغ- وكذلك على أسس بديهية -المسؤول عنها الجزء الأيمن من الدماغ.
  • لم ينطبق هذا على المخيخ في الدماغ؛ حيث ظهر أن هناك روابط بين الجزء الأيمن والأيسر من المخيخ في دماغ الذكر أكثر من دماغ الأنثى، ويشير هذا إلى أن الرجال يمكنهم إتقان تسلسل الحركات المعقدة؛ مثل التزلج، بسهولة أكبر.
  • من ناحيةٍ أخرى، يكون ما يسمى بـ«الجهاز الحوفي» أكثر وضوحاً في دماغ الأنثى، وأحد أهم الأشياء التي يكون الجهاز الحوفي مسؤولاً عنها هو التقييم العاطفي للتفاعلات الاجتماعية والشخصية؛ مثل المحادثات؛ مما يؤدي إلى افتراض أن النساء أكثر حساسيةً في تقييم التفاعلات الاجتماعية عاطفياً.
  • أما ما يسمى بـ«الفصيص الجداري السفلي»، فهو متطورٌ بشكل أكثر وضوحاً في دماغ الذكر منه في دماغ الأنثى، وهو جزءٌ من الدماغ ضروري لتنمية المهارات الرياضية، والسبب في أن الرجال يميلون إلى الأداء بشكل أفضل في التمارين الرياضية لاختبارات الذكاء.

دور القوالب النمطية

 

على الرغم من أن هذه النتائج واضحة للغاية، يجب أن نكون حريصين على عدم تعميمها؛ سواء كنا نتطلع إلى حل معادلة رياضية، أو تفسير الاحتياجات العاطفية لنظيرنا من الجنس الآخر، فإن مهاراتنا تعتمد على عدد من الميزات المختلفة؛ فالدافع الشخصي- على سبيل المثال- هو عنصر أساسي في تحديد نجاح الأداء الأكاديمي أو المهني للفرد كما يعرف الكثير منا بحُكم التجربة.

على هذه الخلفية، تجدر الإشارة إلى دراسة أخرى أُجريت في جامعة فيينا. كان الهدف من الدراسة هو مقارنة الأداء الرياضي للفتيان والفتيات في اختبار الذكاء، وتم تقسيم المشاركين إلى مجموعتين؛ واحدة لم تتلقَّ أية تعليمات معينة، والأخرى على النقيض من ذلك؛ تم إخبارهم أن الفتية والفتيات يتمتعون بنفس الكفاءة في حل المشكلات الرياضية.

كانت النتائج ملفتةً للنطر؛ فالمجموعة التي لم تتلقَّ أية تعليمات معينة أوضحت الفروق المذكورة أعلاه بين أداء الذكور والإناث، في حين لم توجد فروق مرتبطة بالجنس في أداء المشاركين في المجموعة الثانية؛، المجموعة التي تم قيل لها مسبقاً أن الكفاءة الرياضية للمرأة مساوية لكفاءة الرجل.

وتُظهر هذه النتائج ككل أن السياق الاجتماعي يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند النظر إلى الاختلافات في أداء الرجال والنساء، كما هو الحال في كثير من الأحيان؛ فالقوالب النمطية المتجذرة بعمق في داخلنا تؤثر على إدراكنا للاختلافات بين الجنسين، وبالنظر إلى السياق الأكاديمي، يمكن تأكيد هذه النظرية؛ إذ أنه قبل بضعة عقود، كان عدد الطلاب المسجلين في اختصاصاتٍ مثل الطب، أكبر بكثير من عدد الطالبات؛ فقد ساد الافتراض أن الرجال أكثر ملاءمةً لدراسة الطب مقارنةً بالنساء، أما اليوم، فإن الإناث يشكّلن عموماً غالبية طلاب الطب.

إذاً باختصار، ما يمكن قوله هو أن هناك بالفعل اختلافات كبيرة بين دماغ الذكر والأنثى، لكن يجب أن نكون حريصين على عدم إيلاء أهمية كبيرة لهذه الاختلافات، لأن المعايير الاجتماعية؛ مثل الصور النمطية، تلعب دوراً مهماً بنفس القدر في تقييم الفروق بين الجنسين.