Reading Time: 4 minutes

مع كل الحماس لمستقبل البشرية في الفضاء، وتسارع وتيرة الاكتشافات وتقدم تقنيات الرحلات، الآلية منها والمأهولة، تبقى هناك مشكلة مفصلية واحدة؛ مسافات الفضاء الشاسعة. إذ أنه حتى مع تقنيات رحلات الفضاء الأكثر تقدماً حتى الآن، ربما لن نصل أبداً إلى أقرب نجمٍ آخر، نظراً لما يتطلبه الأمر من طاقة مهولة ووقت يصل إلى لمئات أو حتى آلاف السنين لكن يوجد هناك شيئاً آخر يحيي الأمل في هذا الشأن؛ الثقب الدودي؛ وهو بوابة تربط نقطتين في المكان والزمان مع بعضهما البعض على بُعد مجرات. وقد يكون الفهم الأكبر لهذه الثقوب مفتاح البشرية في المستقبل للتنقّل السريع بين المجرات. فما هو الثقب الدودي بالضبط؟

نشأة نظرية الثقب الدودي

الثقب الدودي

Shutterstock.com/Oleg Golovnev

وُضعت نظرية الثقوب الدودية لأول مرة عام 1916، على الرغم من أن هذا لم يكن اسمها في ذلك الوقت. وذلك أثناء مراجعة حل فيزيائي للمعادلات في نظرية النسبية العامة لألبرت آينشتاين، عندما أدرك الفيزيائي النمساوي «لودفيج فلام» أن حلاً آخر ممكن، سمّاه بالـ«الثقب الأبيض»، وهو معاكس نظري للثقب الأسود. إذ يمكن توصيل مداخل كل من الثقوب السوداء والبيضاء بواسطة قناة وصل زمكانية.

وفي عام 1935، استخدم آينشتاين والفيزيائي «ناثان روزين» نظرية النسبية العامة لتوضيح الفكرة، واقترحوا وجود “جسور” عبر الزمكان. تربط هذه الجسور نقطتين مختلفتين في الزمكان، مما يؤدي نظرياً إلى إنشاء طريقٍ مختصر يمكن أن يقلل وقت السفر والمسافة. وأصبحت الاختصارات تسمى فيما بعد بـ«جسور أينشتاين-روزين»، أو الثقوب الدودية.

لكن رغم ذلك، تتنبأ نظرية النسبية العامة لأينشتاين رياضياً بوجود الثقوب الدودية، ولكن لم يتم اكتشاف أي منها حتى الآن. وقد يتم رصد ثقب دودي ذو كتلة سالبة بالطريقة التي تؤثر بها جاذبيتها على الضوء الذي يمر به. إذ قال «ستيفن هسو»، أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة أوريغون الأميركية، في تصريحٍ لموقع لايف ساينس: «كل شيء افتراضي للغاية في هذه المرحلة. لا أحد يعتقد أننا سنجد ثقباً دودياً في أي وقت قريب».

تسمح حلول معينة للنسبية العامة بوجود ثقوب دودية، حيث يكون مدخل كلاً منها عبارةً عن ثقب أسود. ومع ذلك، فإن الثقب الأسود الذي يحدث بشكل طبيعي، والذي يتكون من انهيار نجم محتضر، لا يخلق بالضرورة ثقباً دودياً بحد ذاته.

بنية الثقب الدودي

الثقب الدودي

Shutterstock.com/vchal

الثقب الدودي هو قناة تشبه النفق تمتد عبر الزمكان، مثل الأنفاق الحقيقية التي تحفرها الديدان في التفاحة. وفي الوقت الحاضر، الثقوب الدودية في الزمكان ليست سوى بنيات نظرية مشتقة من النسبية العامة. ولا يوجد دليل تجريبي على وجودهم. لكن، ومع ذلك، يدرس علماء الفيزياء النظرية الخصائص الرياضية للثقوب الدودية بسبب خصائصها غير العادية. إذ يمكن أن تساعد دراسة هذه الأشكال الهندسية الغريبة في التمييز بشكل أفضل لحدود السلوك المسموح بها في تطبيق نظرية النسبية العامة، وربما توفر أيضاً نظرةً أكثر وضوحاً للتأثيرات المتعلقة بالجاذبية الكمية.

نظرياً الثقب الدودي يحتوي على بوابتين أشبه بالأفواه متصلتين بواسطة قناة تشبه الحلق، ويوفر مساراً يمكن للمسافر اتباعه إلى نقطة بعيدة. يختلف المسار عبر الثقب الدودي طوبولوجياً عن الطرق الأخرى التي يمكن للمرء اتباعها إلى نفس الوجهة. أي أن المرء بإمكانه تحديد نقطة البداية، ومن ثم سلك واحداً من عدة طرق محتملة ليصل إلى وجهته المحددة. أما في الحالة الثقب -النفق- الدودي، فلا يمكن للطريق بأن يتغير بأية شكل؛ وهذا ما يُقصد بالتمييز الطوبولوجي

السفر عبر الثقب الدودي

الثقب الدودي

Shutterstock.com/Vadim Sadovski

يعجّ الخيال العلمي بقصص السفر عبر الثقوب الدودية، لعلّ أبرزها فيلم «إنترستيلار» الذي صدر عام 2014. لكن حقيقة الأمر هي أن هذا السفر أكثر تعقيداً، وليس فقط لأننا لم نكتشف ثقباً دودياً بعد. فالمشكلة الأولى هي الحجم؛ فمن المتوقع وجود ثقوب دودية بدائية على مستويات ميكروسكوبية يبلغ قطرها حوالي 1033 سم فقط. لكن ومع ذلك، بظل توسع الكون المستمر، من الممكن أن يكون بعضها قد تمدد إلى أحجام أكبر.

أما المشكلة الأخرى تأتي من الاستقرار؛ ستكون الثقوب الدودية المتوقعة لآينشتاين وروزين عديمة الفائدة للسفر لأنها سريعة الانهيار. إذ سيوجد هناك حاجة إلى نوع غريب جداً من المادة من أجل تثبيت الثقب الدودي، وليس من الواضح ما إذا كانت هذه المادة موجودة في الكون في المقام الأول. لكن الأبحاث الحديثة وجدت أن الثقب الدودي الذي يحتوي على مادة “غريبة عنه” يمكن أن يظل مفتوحاً ولا يتغير لفترات زمنية أطول.

يجب أن تحتوي هذه المادة الغريبة -التي لا ينبغي الخلط بينها وبين المادة المظلمة أو المادة المضادة- على كثافة طاقة سالبة وضغط سلبي كبير. وشوهدت هذه المادة فقط في سلوك بعض حالات الفراغ كجزءٍ من نظرية المجال الكمومي. وإذا احتوى الثقب الدودي على ما يكفي من المادة الغريبة، سواء كانت موجودة فيه بشكلٍ طبيعي أو تمت إضافتها بشكل مصطنع، فيمكن نظرياً استخدامها كوسيلة لإرسال المعلومات أو حتى المسافرين عبره. لكن لسوء الحظ، قد تكون الرحلات البشرية عبر هذه الأنفاق الفضائية صعبة.

نصّت النظريات على أن الثقوب الدودية قد لا تربط منطقتين منفصلتين داخل الكون فحسب، بل يمكنها أيضاً ربط كونين مختلفين. وبالمثل، فقد توقّع بعض العلماء أنه إذا تم تحريك بوابة الثقب الدودي بطريقة معينة، فقد يسمح بالسفر عبر الزمن. لكن عالم الكونيات البريطاني الشهير «ستيفن هوكينج» جادل بأن مثل هذا الاستخدام غير ممكن.

على الرغم من أن إضافة مادة غريبة إلى ثقب دودي قد يثبته لدرجة تمكّن الركاب البشر من أن يسافروا بأمان من خلاله، إلا أنه لا يزال هناك احتمال أن تكون إضافة مادة “عادية” -تتمثل بالمركبة الفضائية- كافية لزعزعة استقرار البوابة وانهيارها.لكن رغم افتقارنا للتكنولوجيا اللازمة لتوسيع الثقوب الدودية أو تحقيق استقرارها إن وجدت، يواصل العلماء استكشاف هذا المفهوم كوسيلة للسفر عبر الفضاء على أمل أن تتمكن التكنولوجيا في النهاية من الاستفادة منها عند إيجادها.

اقرأ أيضاً: لماذا يدرس العلماء الثقوب السوداء؟