Reading Time: 3 minutes

يصل قُطر الكون المنظور إلى نحو 93 مليار سنة ضوئية، ويحتوي على تريليونينِ من المجرات، تُرصعها ملايين النجوم، وتضم كواكباً أكثر مما نتخيل. بالنظر إلى هذا العدد المهول من الكواكب، يبدو مُستبْعَداً أن نكون وحدنا في الكون، ولم نجد على مدار تاريخ البشرية -حتى الآن- دليلاً يوحي بخلاف هذا.

يُقرُّ العلماء؛ الذين قضوا حياتهم المهنية في رصد إشاراتٍ تدل على وجود حضاراتٍ أخرى، أننا ربما نكون الوحيدين في هذا الكون، ومع ذلك فهم يشككون بشدةٍ في هذا القول، ويُعلِّق «سيث شوستاك»؛ عالم الفيزياء الفلكية في معهد «سيتي» أو «البحث عن ذكاء خارج الأرض» قائلاً: «اعتبار الأرض المكان الوحيد الذي يأوي أشكال الحياة الذكية هي غطرسة هائلة». من الناحية الإحصائية، ثمة العديد من الكواكب يمكن أن تزدهر فيها الحياة على غرار كوكب الأرض.

اقترح عالم الفلك «فرانك دريك» فكرةً مماثلة عام 1961؛ إذ افترض أن عدد الحضارات المتقدمة تكنولوجياً في مجرتنا نتاج 7 متغيرات؛ من بينها تعداد النجوم في المجرة، وعدد النجوم التي تنير أشعتها الكواكب، ومعدل الكواكب التي يمكن أن تدعم الحياة، وكانت المعادلة التي حملت اسمه تمريناً فكرياً هدف إلى حَثِّ العلماء على مناقشة هذه الفكرة، وساعدت في وضع الإطار العام للموضوع في السنوات اللاحقة.

العديد من المتغيرات التي اقترحها دريك -ومعادلاته- محض تخمينات، لكن علماء الفلك متيقنون الآن من أن الكواكب الخارجية -وكثير منها يمكن أن يأوي الحياة- تتشكل في شتى أنحاء مجرة درب التبانة، مثلما يتشكل الغبار أسفل الأريكة، كما أكد الباحثون في العقدين الماضيين وجود أكثر من 4 آلاف كوكب في مجرتنا؛ وهو اكتشاف يدل على أن الكون يَعجُّ بها أيضاً، ويرى «كريستوفر كونسيليس»؛ عالم الفيزياء الفلكية في جامعة نوتنجهام، أن عددها يصل إلى 100 كوينتيليون (أي 20 صفراً بعد الواحد)، ويعتقد علماء آخرون أن عددها قد يفوق هذا الرقم بكثير.

يختلف العلماء حول عدد الكواكب التي يمكن أن تستضيف الحياة، لكن التقديرات الشائعة تشير إلى أن 20% من النجوم في درب التبانة؛ التي يصل عددها إلى نحو 250 مليار نجم، قد تنير كواكب مناخها معتدل، يسمح بوجود الماء السائل، ونستنتج -بعمليةٍ حسابيةٍ بسيطةٍ- أن ثمة عشرات المليارات من الكواكب في مجرتنا؛ التي تبعد مسافة مناسبة عن النجوم، وبها مناخ معتدل يسمح بنشأة الحياة عليها.

هذا لا يعني أن تلك الكواكب تسمح بنشأة الحياة فعلاً، ومع هذا يقول العديد من علماء الفلك أن الكيمياء الحيوية المعقدة التي خلقت كائناتٍ ذكية على الأرض، حدثت بالتأكيد أكثر من مرة خلال 13.7 مليار سنة، وهي عمر الكون. وبالنظر إلى عشرات المليارات من الفرص للقيام بذلك في مجرة واحدة فقط، فما بالك بالفرص في مليارات المجرات. إنَّ القول بخلاف هذا يتحدى قوانين الفيزياء و«مبدأ العاديّة» الذي ينص على أن تشكُّل نظامنا الشمسي- من منطلق علم الاحتمالات- حدث شائع على الأرجح وليس حدثاً نادراً، وتعلق «سارة سيجر»؛ عالمة الفيزياء الفلكية وعالمة الكواكب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، على هذا الأمر بقولها: «أعتقد أن الكون يعج بالحياة».

لكن، أين الجميع؟

طرح عالم الفيزياء الإيطالي «إنريكو فيرمي» هذا السؤال عام 1950، وكذلك فعل العديد من العلماء بعده، ويعتقد هؤلاء العلماء أن وجود كواكب أقدم من الأرض أمرٌ لا بد منه، وأن مجتمعاً واحداً على الأقل من الكائنات الحية؛التي توجد خارج كوكب الأرض، سيكون مُتقدِّماً بما يكفي لامتلاك تكنولوجيا تنبهنا إلى وجودها،  وهذا ما يعنيه علماء الفلك بقولهم «الحياة الذكية».

هذا على افتراض أن الكائنات التي تعيش خارج نظامنا الشمسي تريد التواصل معنا، وربما تتوارى عن الأنظار بعيداً عن الغرباء الذين يستوطنون مجرات أخرى، وقد تفتقر إلى التكنولوجيا التي تسمح لها بتنبيهنا إلى وجودها، وربما نفتقر نحن إلى الوسائل التي تُمكِّننا من سماع ندائهم وفهم رسائلهم، وقد يكونون بعيدين جداً لدرجة يصعب معها تلقّي إشاراتهم، ومن الممكن أيضاً أن هذه النقطة الزرقاء الباهتة (الأرض) منعزلة، لا يهتم أحد بالبحث عنها، أو أن حضارات أخرى استوطنت كوكب الأرض في الماضي ثم اختفت، سواء بفعل أحداثٍ كونية أو كوارث من صنع أيديهم، أو بفعل عامل الوقت؛ وفي هذه الحالة قد نتمكن يوماً ما من إيجاد دليلٍ على وجودها.

لكن العديد من علماء الفلك يعتقدون أن هناك سبباً منطقياً أكثر لعدم عثورنا على حياةٍ ذكية؛ وهو أن الفضاء واسعٌ جداً، إذ بالرغم من كل عمليات البحث التي أجريناها؛ فإننا لم ننظر أبعد من المجرات المجاورة لنا، وتضرب عالمة الفلك المتقاعدة؛ «جيل تارتر»، مثالاً توضيحياً؛ إذ لديها خبرة كافية في مجال البحث عن ذكاء خارج كوكب الأرض تصل إلى 40 عاماً، وتحتل منصب أستاذة فخرية في معهد سيتي، قائلة: «إذا اعتبرنا أن كل الأماكن التي يمكن البحث فيها عن الحياة الذكية، وكل الطرق التي يمكننا بها فعل ذلك تمثل محيطات العالم جميعها؛ فإن ما فحصناه منها لا يتعدى كوباً واحداً من الماء»، وعلماء الفلك الآخرين أكثر سخاءً؛ إذ يرون أن ما فحصناه يملأ حوض سباحة صغير.

نحن على وشك توسيع دائرة رصدنا أكثر؛ ففي منطقةٍ مرتفعةٍ وجافة؛ تقع على بُعد 643 ألف متر تقريباً شمال شرق مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا، نُصبتْ منظومة مكونة من 64 طبقاً هوائياً أبيضَ تسمى «ميركات»، وستعمل هذه المنظومة على سبر أغوار الفضاء لتوفير كميات هائلة من البيانات، وابتداءً من فصل الخريف سيشرع حاسوبٌ عملاق في تحليل هذه البيانات بحثاً عن إشاراتٍ إلكترونية- ولو كانت ضعيفة- تشير إلى وجود كائنات ذكية أخرى في الكون.

يأمل علماء الفلك أن يتمكنوا من رصد مليون نجم في غضون 5 سنوات؛ بما يُقدَّر ضعف عدد النجوم الذي رصدته مشاريع سابقة ألف مرة، فيقول «أندرو سيميون»؛ عالم الفلك بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، والذي يقود المشروع: «من المحتمل أن نرصد إشارةً ما»، وربما يجد هو وزملاؤه الدليل الذي يقطع الشك باليقين في مكانٍ ما من الكون.

نشرت القصة في العدد 15 من مجلة بوبيولار ساينس