Reading Time: 2 minutes

هناك في مكانٍ ما في ولاية يوتا، على أطراف مائدةٍ صخرية صحراوية طويلة وشديدة الانحدار، هناك تعلمت أحد أسرار الحياة. إنه مكان شديد الوعورة، ويصعب الوصول إليها بخلاف أي منطقةٍ أخرى على امتداد الولايات المتحدة. عاشت هنا شعوب «بويبلو» القديمة منذ 1000 عام. بين طيات هذه المنحدرات، تُذكرنا هذه الرمال المتشحة بسواد دخان النار وأواني الفخّار المكسورة، وبقايا رؤوس الأسهم بصمتٍ بهؤلاء القبائل القديمة الذين عاشوا هنا منذ فترةٍ طويلة، مقتاتين على ما تجود به هذه البراري من نباتاتٍ وحيوانات.

على قمة تلك الهضبة المليئة بجلاميد الصخور الضخمة، أشعل فريق التخييم النار في ظلمة الليل. كنا متعبين جداً بعد يومٍ طويلٍ من التنزه ومطاردة الغزلان. ما إن بدأت النار تشتد، جلسنا حولها لنسترخي قليلاً ونتجاذب أطراف الحديث.

جلس قائد الفريق القرفصاء على الرمال بينما يقوم بمعالجة القروح على قدمي زوجته، وكان يلف رأسه بوشاحٍ يغطي شعره الذي تبدو خصلٌ رمادية من تحته، ويرتدي صدريةً قديمةً بالية مصنوعة من جلد الغزال على كتفيه. نظر إلينا من خلال النار، فبدت عيناه تلمعان في ضوءها المتقطّع. تحدث أخيراً مخاطباً أطفاله وأنا وأخي قائلاً:

«هل تعلمون ما أريده منكم؟»

ساد الصمت لبرهةٍ وأنا أفكر بسؤال الرجل. لقد كان أشبه برجل الجبل الحقيقي. لقد كان والد أصدقائي أيضاً، لكنه بالنسبة لي، كان أكثر من ذلك؛ لقد كان معلماً، كانت ملاحظاته وقصص الصيد الطريفة التي يرويها لنا تنطوي على الكثير من المعرفة التي دائماً ما كنت أتوق إليها. بدا المعلم سعيداً جداً في هذه اللحظات. فعائلته من حوله، تناول معها طعام العشاء اللذيذ، وقد وجد لنا مكاناً جيداً لنبيت فيه، والصيد الوفير قادمٌ مع حلول الخريف.

كنت شغوفاً جداً بالحياة والأماكن البرية أثناء نشأتي في جنوب ولاية يوتا. حلمت دائماً بالخروج لصيد الحيوانات البرية لما تنطوي عليه من عزلةٍ وسلام وتحدّ ومغامرة دائما ً ما كنت أتوق إليها. درست الأيائل والغزلان، وكنت اجمع صوراً لمختلف أنواعها. كنت أجمع قرونها التي تتخلّص منها قبل أن تحظى هذه الهواية بشعبيةٍ كبيرة. كنت متعطشاً لصيدها.

لم يكن والدي يحب الصيد ولم يوافق على قيامي بذلك أيضاً رغم أن لأجداده تاريخاً حافلاً بالصيد وفنونه في موطنهم الأصلي الأوروبي، يبدو أن جيلاً كاملاً لم يرث الشغف بالصيد من أجداده. لم يكن لدي أي أعمام أو أجداد ليعلموني، ولا عائلة أخرج معهم في نزه الصيد. قرأت مجلّة «أوتدور لايف»، وبدأت أقتفي آثار الحيوانات البرية في الرمال وابتعت منظاراً رخيصاً لهذا الغرض. ولكني لم أعرف المعنى الحقيقي للصيد إلى أن التقيت برجل الجبل هذا.

ما علّمني إياه رجل الجبل

علمني أن الصيد ليس خطيئة، وقد كان هذا الدرس الأول والأهم. ثم علمني كيف أبحث عن الأماكن التي تتواجد فيها الحيوانات البرية التي لا يرتادها الصيادون. علمني أن أشعر بما تقوله الريح، وأن أفكر بما تفكّر به الفريسة وأن أتبع حدسي. علمني كيف أعد النار واللحم الطازج للشواء. باختصار، علمني الصيد بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ثم تركني أذهب في طريقي.

في الخريف الماضي، ومع بزوغ الفجر وانعكاس أولى خيوط الشمس على الرمال السوداء، جثوت على إحدى ركبتي، ورفعت رأس سهم صغير في مواجهة ضياء الشمس، وشكرت القدامى الذين عاشوا هنا على هديتهم هذه ودَعوتهم للانضمام للصيد معي. عبرت منخفضاً صغيراً، ثم تسلقت جرفاً صخرياً ونظرت من الحافة؛ هناك كان غزالٌ كبير الحجم يتمشى في الأسفل. دوّى صوت بندقيتي واستلقى الغزال بلا حراك. شعرت بالرهبة عندما مررت يدي على قرونه، وشكرت الله على نعمة الغزلان، وشكرت القدامى على مشاركتي هذا الصيد الثمين.

لقد مر ربع قرن منذ أن طرح رجل الجبل سؤاله. لقد استمعت باهتمام، وكنت أعرف بطريقة ما أن الإجابة ستكون مهمة. أخيراً سأله أحدهم عما يريد أن يقوله.

جاءت الإجابة: «لا شيء، لا شيء». وخيّم الصمت من جديد.

المقالة باللغة الإنجليزية