Reading Time: 5 minutes

دعا العديد من الخبراء إلى التحول من الاعتماد على الوقود الأحفوري إلى الكهرباء للحد من التغير المناخي. الهدف هو استخدام الطاقة الكهربائية في العديد من الممارسات اليومية من تدفئة المنازل وحتى تشغيل السيارات، وتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة لتحقيق هذا الهدف عن طريق استخدام مصادر منخفضة البصمة الكربونية أو خالية من الكربون تماماً، مثل الرياح والطاقة الشمسية والكهرومائية.

وقد تحركت أكثر من 30 مدينة في كاليفورنيا، بما فيها بيركلي وسان فرانسيسكو، في هذا الاتجاه من خلال حظر خدمة الغاز الطبيعي في معظم المباني الجديدة. إذ يولد استخدام الطاقة في المباني حالياً أكثر من 40% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في سان فرانسيسكو.

هناك بدائل كهربائية متاحة بالنسبة لتدفئة المباني وتسخين المياه وتجفيف الملابس، لكن استخدام الكهرباء في المطبخ ما يزال يثير الجدل. إذ أنه من المعروف أن مواقد الطبخ الكهربائية بطيئة في التسخين وتحتاج بعض الوقت كي تبرد، كما ينطوي استخدامها على مشاكل تتعلق بالسلامة بالنظر إلى أن وشائع التسخين (عنصر تسخين) يمكن أن تظل ساخنة لوقتٍ أطول بعد إطفائها.

يتلخص أحد البدائل عالية التقنية في الحث المغناطيسي. اقترحت هذه التقنية أول مرة منذ أكثر من 100 عام، وعرضت في معرض شيكاغو العالمي عام 1933. واليوم أصبحت مواقد الحث المغناطيسي شائعة في أوروبا وآسيا، ولكنها تظل تكنولوجيا متخصصة في الولايات المتحدة. وفي ظل توجه المزيد من المدن والولايات نحو التوسع في استخدام الطاقة الكهربائية، نلقي نظرة عامة على كيفية عمل الحث المغناطيسي وإيجابياته وسلبياته في الطهي.

التسخين دون استخدام اللهب

أنا مهندس كهربائي متخصص في البحث في مجال التقنيات الكهرومغناطيسية، وأركز في جزءٍ كبير من عملي على تطبيقات العلاج الطبي. ولكن سواء كنت تستخدم تقنية الحث المغناطيسي لتعريض الأنسجة البشرية أو الطعام للحرارة، فإن المبدأ هو نفسه.

يعتمد المبدأ الأساسي لهذه التقنية على توليد الشحنة الكهربائية حقلاً مغناطيسياً حولها، وهي في الأساس قوّة تنتشر في جميع الاتجاهات. على سبيل المثال، تُعتبر الكهرباء الساكنة شحنة كهربائية، وتنتج عن الاحتكاك غالباً، فإذا فركت بالوناً على شعرك، فإن الاحتكاك سيمنح البالون شحنة كهربائية ساكنة، وعندما تبعد البالون قليلاً عن رأسك، ستلاحظ أن شعرك ينجذب باتجاه البالون رغم أنه لا يلمسه، وذلك بسبب تأثير القوة الجاذبة للشحنة الكهربائية للبالون.

ينتج عن تحرّك الشحنات الكهربائية، مثل مرور التيار الكهربائي عبر الأسلاك، حقولٌ مغناطيسية، وهي مناطق تنتشر فيها القوة المغناطيسية حول مسار الشحنات أو التيار الكهربائي. تمتلك الأرض أيضاً حقلاً مغناطيسياً ينجم عن تحرك التيارات الكهربائية في لبّها المنصهر.

بالمقابل، يمكن للحقل المغناطيسي توليد حقلٍ كهربائي، ولذلك نستخدم مصطلح الحقول الكهرومغناطيسية. كان أول من اكتشف هذا المفهوم العالم الإنجليزي مايكل فاراداي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حيث أثبت أنه يمكن توليد تيارٍ كهربائي في سلكٍ موصلٍ إذا ما وُضع في نطاق حقلٍ مغناطيسي متحرك، وندعو هذه الظاهرة بالتحريض المغناطيسي. إذا تم تشكيل السلك الموصل في حلقة، فسوف يتدفق تيار كهربائي في هذه الحلقة.

شكّل اكتشاف فاراداي الأساس لتطوير المحركات الكهربائية. كما أظهر عمله أيضاً أن يمكن تسخين المواد دون استخدام مصدر حرارة تقليدي مثل النار.

 

من أين تأتي الحرارة؟

تتمتع جميع المواد بمقاومة، مما يعني أنه عندما يتدفق التيار الكهربائي من خلالها، فستحدث إعاقةٌ ما لهذا التدفق على الأقل. تتسبب هذه المقاومة في ضياع بعض الطاقة الكهربائية وتحولها إلى حرارة، ونتيجة لذلك تسخن المادة الموصلة. وفي إطار أبحاثي المتعلقة بالطب الحيوي، أدرس حالياً امكانية استخدام الحقول المغناطيسية الناجمة عن الترددات الراديوية لرفع درجة حرارة أنسجة الجسم لمساعدتها على التعافي.

تُستخدم مواقد الحث المغناطيسي كبديلٍ للمواقد التقليدية، وتتكون من ملفات سلكية مدمجة في سطح الموقد. سيخلق المجال المغناطيسي مجالاً كهربائياً في الجزء السفلي من إناء الطهي حيث يوضع على الموقد، وبسبب المقاومة التي تتمتع بها المادة التي يُصنع منها الإناء، ترتفع درجة حرارته رغم بقاء الموقد نفسه بارداً.

ينبغي أن تعمل مواقد الحث المغناطيسي بترددٍ مغناطيسي عالي -عادة 24 كيلو هيرتز- للحصول على أفضل النتائج. كما يجب استخدام أوانٍ مصنوعةٍ من موادٍ تعيق مرور المجالات المغناطيسية خلالها بكفائةٍ عالية. يمكن استخدام الأواني المصنوعة من خلائط المعادن التي تحتوي على نسبةٍ عالية من الحديد أو النيكل، حيث تُعتبر أفضل الخيارات بالنسبة للطهي بالحث المغناطيسي. يمتص الحديد المجالات المغناطيسية بسهولة أكبر من النيكل وهو أقل تكلفة بكثير، لذلك تُستخدم المواد التي تحتوي على الحديد أكثر في أواني الطهي بالتحريض المغناطيسي.

الطهي بالحث المغناطيسي

تولد الملفات المغناطيسية الموجودة أسفل سطح الموقد الزجاجي حقلاً مغناطيسياً يرسل نبضات مباشرة إلى أواني الطهي. هذه النبضات المغناطيسية هي التي تسخن أواني الطهي – مصدر الصورة: City of San Jos

أكثر استجابة وأكثر أماناً، لكنها تكلفتها أكبر

نظراً لأن مواقد التحريض تتطلب مادة تمتص الحقول المغناطيسية من أجل إنتاج الحرارة، فهي في جوهرها أكثر أماناً من المواقد الكهربائية التقليدية. فحتى لو وضعت يدك عليها، فلن ترتفع حرارة يدك. ونظراً لأن هذه الأنظمة تسخن أواني الطهي دون تسخين الموقد مباشرةً، تبرد بسرعة بعد الانتهاء من الطهي، مما يقلل من خطر الإصابة بالحروق.

تميل أواني الطهي نفسها إلى التسخين والتبريد بسرعة، ويمكن التحكم في حرارة التسخين بدقةٍ كبيرة. ومن مميزاتها أيضاً ان أسطح مواقد التحريض ناعمة وملساء -غالباً تُصنع من الزجاج أو السيراميك- لذا فهي سهلة التنظيف.

توفر مواقد التحريض الحديثة الطاقة بنفس كفاءة المواقد الكهربائية التقليدية وحوالي ضعف كفاءة مواقد الغاز، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن تكلفتها أقل. في الواقع، الغاز الطبيعي أرخص بكثير من الكهرباء في أجزاء كثيرة من الولايات المتحدة، وأحياناً أقل بثلاثة أو أربعة أضعاف. يفسر ذلك جزئياً سبب الانتشار الواسع لاستخدام مواقد التحريض في أوروباً نظراً لأن تكلفة استخدام الغاز الطبيعي، حتى وقت قريب، كانت أعلى بكثير من تكلفة الكهرباء.

الكهرباء والغاز الطبيعي هما أكثر مصادر الطاقة استخداماً في منازل الولايات المتحدة

يستخدم الغاز الطبيعي ووقود التدفئة بشكل أساسي في تدفئة الأماكن وتسخين المياه. تعمل الكهرباء على تشغيل أجهزة التدفئة والعديد من الاستخدامات الأخرى، بما في ذلك الثلاجات والإضاءة والأجهزة. – المخطط: إدارة معلومات الطاقة الأميركية

من العوامل التي تؤثر في تبني مواقد التحريض هي ارتفاع أسعارها عادة مقارنة بأسعار المواقد التقليدية التي تعمل بالغاز أو الكهرباء رغم أن الفارق ليس كبيراً. كما يتعين على الطهاة استبدال أواني الألومنيوم والنحاس والفولاذ المقاوم للصدأ والسيراميك بأوانٍ مناسبة، حيث لا تعمل هذه الأواني بشكلٍ فعال على مواقد الحدث.

بالرغم من العوامل السابقة، أتوقع أن تؤدي قوانين الحد من استخدام الغاز الطبيعي إلى التوسع الكبير في استخدام مواقد الحث المغناطيسي. تركز هذه القوانين على المباني المشيدة حديثاً، لذلك لن تكون هناك تكلفة كبيرة بالتحول لاستخدام مواقد الحث بالنسبة للمنازل القائمة في الوقت الحالي.

ربما لا يمتلك الشباب الأعزب والأسر الحديثة الكثير من معدات الطهي المناسبة عند انتقالهم للسكن في الأبنية الحديثة، ولكن من المحتمل أن يفضلوا استخدامها نظراً لأمانها، خصوصاً إذا كان لديهم أطفال. أعتقد أن المتبنين الأوائل، والذين على استعداد لدفع المزيد مقابل الكهرباء القائمة على المصادر الخضراء أو على السيارات الهجينة أو الكهربائية، لن يضيرهم دفع بضع مئاتٍ من الدولارات مقابل الحصول على مواقد التحريض المغناطيسي والأواني المناسبة لها.

على المستوى الوطني، قد تتبنى الولايات المتحدة شكلاً ما من الضرائب على انبعاثات الكربون في المستقبل القريب، مما قد يرفع تكلفة الغاز الطبيعي، وهناك قلق متزايد بشأن تلوث الهواء داخل المنازل الناجم عن استخدام الأجهزة العاملة بالغاز وأثرها على الصحة. بعد مرور أكثر من قرن على اقتراحه لأول مرة، ربما آن الوقت للتحول للطهي بالحث المغناطيسي.

مقال من «ذا كونفيرسيشن»