Reading Time: 3 minutes

في الواقع؛ لقد تقلصت المسافة التي يُسمح للأطفال بالابتعاد بها عن المنزل بشكلٍ كبير خلال السنوات الخمسين الماضية، ويرجع ذلك بشكلٍ رئيسي إلى خوف الآباء على سلامة أبنائهم؛ خاصةً في المدن، وقد أدت جائحة فيروس كورونا إلى تقييد النشاط المستقل للأطفال أكثر أيضاً.

بصفتي طالبة دكتوراة في علم النفس، فإنني درست العوامل التي تؤثر على مهارات التنقل المكاني لدى الناس؛ أي كيفية فهمهم لموقعهم والمعالم الموجودة في محيطهم. كان لديّ فضول أيضاً لمعرفة الأسباب الكامنة وراء الاختلافات بين الجنسين في مهارات التنقل؛ والتي قد تعود إلى مرحلة الطفولة، ولماذا تشعر النساء بقلقٍ أكثر من الرجال عند محاولة إيجاد طريقهنّ في مناطقَ غير مألوفةٍ لهن.

تشير النتائج التي توصلت إليها إلى أنه من المرجح أن الأطفال الذين يُسمح لهم بالابتعاد عن منازلهم وحدهم لمسافةٍ أطول يمتلكون مهاراتٍ أفضل في التنقل؛ ويمنحهم ذلك ثقةً أكبر بأنفسهم مستقبلاً مقارنةً بالأطفال الذين يقيد آباؤهم حركتهم.

كيف يتنّقل الناس؟

عندما يتخيل المرء الحي الذي يقيم فيه، أو يسلك طريقاً مختصراً إلى العمل، أو يستكشف مدينةً ليس على دراية بها، فإنه يستخدم مهارة التنقل المكاني، أو ما يُدعى أيضاً مهارة «اكتشاف الطريق»؛ والتي تُعد جزءاً أساسياً من الذكاء، ومهارةً من مهارات البقاء لأي إنسان أو حيوان يحتاج إلى الانتقال بحثاً عن الطعام أو الماء أو المأوى أو التزاوج.

ومع ذلك، فإن الطريقة التي يوجه بها الناس أنفسهم في بيئتهم يمكن أن تختلف. على سبيل المثال؛ يولي البعض اهتماماً أكبر بالمعالم المحيطة؛ مثل المباني أو إشارات التوقف؛ يُسمى ذلك معلومات المسار، بينما قد يفضل البعض الآخر الاستعانة بالاتجاهات الأساسية- مثل الجنوب والشمال- أو نقاط العلّام المرجعية الشائعة -مثل الشمس أو القمر- وهذه أمثلةٌ على معلومات التوجيه.

يجمع معظم الناس بين أسلوبيّ التنقل هذين، ومع ذلك؛ يُعتبر الأشخاص الذين يعتمدون بشكلٍ رئيسي على معلومات الطريق أبطأ وأقل مهارةً في التنقل. قد يعود السبب في ذلك إلى أن معلومات المسار أقل استقراراً من معلومات الاتجاهات الأساسية. على سبيل المثال؛ قد يتم استبدال إشارات المرور على الطريق السريع التي يستخدمها الشخص عادةً لمعرفة المخرج الذي يجب أن يسلكه؛ لكن اتجاه الشمال يبقى كما هو بغض النظر عن مكان وجود المرء.

بالطبع؛ ليس بالضرورة أن يكون تفضيل المرء لتوجيه نفسه بطريقةٍ معينة سبباً في عدم عثوره على طريقٍ مختصر لوجهته. ومع ذلك، فإن الأشخاص الذين يجدون صعوبةً في تغيير طرقهم المعتادة قد يشعرون بمزيد من عدم الأمان والخوف من أن يضلوا الطريق.

Suitcase, Girl, Leaving, Child, Person, Happy, Calm

ابتعاد الأطفال عن منازلهم: دعِ الأطفال يستكشفون عالمهم

في دراسةٍ محدودة خضعت لمراجعة الأقران ونُشرت في مارس/ آذار عام 2020، قدّم فريقي البحثي مجموعةً من الاستبيانات إلى 159 طالباً جامعياً من إحدى جامعات ميامي العامة الكبيرة، لتقييم تجاربهم في التنقل في مرحلة الطفولة، ونمط تنقلهم الحالي، وما إذا كان اكتشاف طريقهم يثير قلقهم.

أبلغ المشاركون عن عدد المرات التي سُمح لهم فيها بالخروج بمفردهم للقيام ببعض المهام، والمسافة التي سُمح لهم بالابتعاد بها بمفردهم أو مع الأصدقاء، وذلك عندما تراوحت أعمارهم بين 6 و 15 عاماً، كما أجابوا على أسئلة حول مدى استخدامهم لمعلومات الطريق أو ومعلومات التوجيه الآن في تنقلهم، ومدى القلق الذي يشعرون به عند التنقل في بيئاتٍ جديدة.

وجدنا أن المسافة التي قطعوها وحدهم عندما كانوا أطفالَ، كانت مؤشراً أفضل للتنبؤ باستراتيجية التنقل التي يفضّلونها كبالغين؛ مقارنةً بعدد المرات التي ذهبوا فيها للقيام ببعض المهمات وحدهم، كما تنبأت بمدى قلقهم من استكشاف الطريق عندما أصبحوا بالغين. اعتمد المشاركون الذين قالوا إنه قد سُمح لهم بالابتعاد أكثر بمفردهم عندما كانوا أطفالَ على المعالم المحلية بدرجةٍ أقل، وكان شعور القلق لديهم أثناء التنقل أقل أيضاً كبالغين.

الفروق بين الجنسين

عادةً ما يكبر الأولاد عبر مختلف الثقافات ولديهم خبرةٌ أكبر في إيجاد طريقهم أكثر من الفتيات؛ إذ غالباً ما يُسمح لهم بالابتعاد عن المنطقة المحيطة بمنزلهم – سواء كان ذلك بهدف للقيام ببعض الأعمال المنزلية أو اللعب مع الأصدقاء. وبالفعل، فقد أبلغ الرجال في دراستنا إنه كثيراً ما سُمح لهم بالخروج لمسافاتٍ أبعد عن المنزل بمفردهم عندما كانوا أطفالاً.

في الواقع؛ كان الاختلاف في المسافة التي سُمح للأطفال بالابتعاد بها عن المنزل وراء الاختلافات الرئيسية بين الجنسين التي وجدناها لدى البالغين؛ وهذا يفسّر -جزئياً على الأقل- سبب قلة ميل الرجال لاستخدام معلومات الطريق، ولماذا يشعرون بمستوىً أقل من القلق عند التنقل مقارنةً بالنساء في الدراسة.

توجد المعالم في كل مكان حولنا، وهي مفيدة جداً عندما نحتاج إلى تحديد مكاننا أو إلى أين نحن متجهون بسرعة. ومع ذلك، فإن ابتعاد الأطفال عن منازلهم ومُنحوا حرية التنقل بمفردهم، إلى الحد المقبول، يمكن أن يساعدهم ذلك على تعلّم استراتيجيات أفضل للتنقل في الأماكن غير المألوفة وبناء ثقتهم بأنفسهم عندما يسافرون بمفردهم.

الوسوم: الطفولة