Reading Time: 5 minutes

ماذا ستفعل إذا شعرت بأن كارثةً قريبةً على وشك الحدوث؟ في الواقع؛ يتعامل العديد من الأطفال والمراهقين مع القلق، بنفس الطريقة التي يحاول من خلالها البالغون التخفيف منه؛ كالخروج في نزهة أو تحضير كوبٍ من الشاي أو قضاء بعض الوقت في التأمل. نشأ كل فردٍ على وجه الأرض في خضّم أزمات ومعضلات جيله؛ لكن أطفال اليوم يتعاملون مع أزمةٍ غير مسبوقة في تاريخ البشرية، فهم يحاولون النجاة في عالمٍ تعصف به أزمة التغير المناخي، ويحاولون بكل ما امتلكوه من قوّة الدفع لاتخاذ إجراءاتٍ شاملةٍ ضده.

عندما أجرت الناشطة البريطانية في مجال البيئة «ميا روز جريج» البالغة من العمر 19 عاماً، مقابلاتٍ من الأطفال والمراهقين من أجل التحضير لكتابها الذي سيصدر قريباً حول التغير المناخي، صُدمت بما قالوه؛ حيث تقول: «إنهم على درايةٍ بهذه القضايا وكانوا يقاتلون من أجلها منذ كانوا صغاراً».

مع سيطرة الطقس المتطرف والجوع والنزوح في مناطقَ مختلفة من العالم، يتوقع خبراء الصحة العامة حدوث ما لا يقل عن 250 ألف حالة وفاة سنوية بسبب أزمة التغير المناخي في المستقبل القريب. قد يكون عدد الوفيات هذا أقل بكثير من الوفيات التي تسببت بها الحرب العالمية الثانية أو حتى جائحة كوفيد-19؛ ولكن المهم هو أن ندرك أنه لا توجد نهاية واضحة تتوقف عندها هذه الكارثة. تقول «كارولين هيكمان»؛ أخصائية العلاج النفسي بجامعة باث وعضو تحالف علم النفس المناخي: «عاش البالغون حياتهم معتقدين أن الأمور يمكن أن تسوء في بعض الأحيان؛ ولكننا نتعافى، فنحن نحاول دائماً إيجاد حلولٍ للمشاكل التي تواجهنا؛ لكن أزمة التغير المناخي ليست كبقية المشاكل».

ينظر الشباب والبالغون إلى تغير المناخ بطرقٍ مختلفة جداً؛ أي أن القلق الذي يشعرون به أثناء تعاملهم مع المستقبل مختلف أيضاً؛ لكن بالنسبة للعديد من الأطفال، فإن آثار هذا القلق على صحتهم العقلية أشد وطأةً بكثير.

كيف يعاني الأطفال من القلق المرتبط بالبيئة؟

يُعرَّف القلق المرتبط بالبيئة (القلق البيئي) بأنه قلقٌ دائم بشأن مستقبل كوكب الأرض الذي يزداد احتراراً، وحول طريقة تغيّره التي لا يمكن التنبؤ بها. لا يقتصر هذا النوع من القلق على الأطفال، فأي شخصٍ سيرى الأخبار يرى كيف أن الكوارث عبر العالم في تزايد مستمر؛ ولكن هناك فرق بين أن تعلم شيئاً فشيئاً بأن ميامي قد تغرق يوماً ما تحت الماء، وأن بعض الأنواع ستنقرض، وبين أن تُولد في عالمٍ توجد فيه هذه الحقائق.

خذ مثلاً قصة الناشطة المناخية «جينيسيس وايتلوك» البالغة من العمر 17 عاماً؛ لقد تعلمت عن ظاهرة الاحتباس الحراري في المدرسة الابتدائية، وشهدت بنفسها آثارها عندما ضرب إعصار إيرما منزلها في منطقة الكاريبي. دُمرت بلداتٌ ومجتمعات بأكملها؛ ما أدى إلى تشريد الآلاف، وأصبح نصف سكان دولتها «باربودا» دون مأوىً. دفع الدمار الذي رأته ويتلوك إلى الدفاع عن دولتها الجزرية الصغيرة قائلةً: «علينا أن نعترف بأننا معرضون بشدة لأزمة المناخ، ويجب أن يكون التخفيف من تغير المناخ ودعم العدالة المناخية على رأس أولوياتنا».

ينتشر هذا الاتجاه في جميع أنحاء العالم؛ من البلدان التي تعد مصدراً رئيسياً للانبعاثات إلى تلك التي ستعاني من آثار أزمة التغير المناخي الأسوأ، وسواء اكتشف الأطفال ما يحدث في فصول العلوم أو في مكانٍ آخر، فسوف يتأثرون به – كما تقول هيكمان-، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن امتلاكهم إحساساً نقياً بالعدالة.

Landscape, Change, Climate, Nature, Sky, Cycle

فكّر في الأمر بهذه الطريقة؛ إذا أعطيت طفلين قطعتي حلوى، وكانت إحداهما أكبر من الأخرى بكثير، فسيصرخ الطفل الذي حصل على القطعة الأصغر قائلاً: «هذا ليس عدلاً».

يُعد تغير المناخ مثالاً صارخاً على الظلم الذي يتعرض له ملايين الأشخاص؛ وخاصةً الفقراء والمرضى والضعفاء والأجيال الجديدة. الأمر الأكثر إحباطاً هو أن الحكومات والشركات كانت على علم بهذه المشكلة منذ عقود، وعلى علمٍ بأن حل هذه المشكلة يكمن في خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري؛ لكن شباب اليوم يشعرون أن الكبار لا يهتمون بهم أو بمستقبلهم، وقد أعطاهم من هم في السلطة العديد من الأسباب للاعتقاد بذلك.

فلماذا لم يفعل الكبار ما يكفي بشأن تغير المناخ؟ تقول هيكمان أن هناك تفسيراً بسيطاً ينطلق من علم النفس لذلك أيضاً؛ موضحةً: «ليس لدينا الحكمة لمواجهة أزمة المناخ لأننا لم نواجه شيئاً من شأنه أن يتسبب في انقراض البشر، لذلك لا توجد خارطة معرفية نستند إليها إليها كما حدث في الأزمات العالمية الماضية».

باختصار؛ نقل الكبار قلقهم المناخي إلى الأجيال الشابة لأنهم ببساطة لم يتمكنوا من مواجهته. تقول هيكمان أن الكثيرين ينقسمون إلى معسكرين بالنسبة إلى تجاهل أزمة المناخ: «الأمل الساذج في أن يأتي شخص ما بالحل الأمثل في اللحظة الأخيرة، أو بالتشاؤم الشديد بأن مستقبل الكوكب محكوم عليه بالدمار مهما حدث. يتيح كلا الخياران للبالغين الشعور بالرضا عن تقاعسهم عن العمل حتى لو كان الكوكب يحترق من حولهم».

وتضيف هيكمان: «يقول الأطفال والشباب لي أنهم يشعرون بالخيانة؛ يشعرون بأن الكبار تخلوا عنهم، فلقد أوقعوهم في حيرةٍ من أمرهم، وهم يكذبون عيلهم طوال الوقت».

بالإضافة إلى المخاوف من تغير الكوكب؛ يواجه الأطفال ألم خيبة الأمل، ففي حين يتراجع تغير المناخ في قائمة أولويات الكبار؛ يتعين على الأجيال الشابة تولي زمام الأمور لأنهم يعرفون -أكثر من أي شخص آخر- أنه إذا لم تُحل أزمة تغير المناخ أو السيطرة عليها، فلن يكون هناك شيء آخر مهم.

اقرأ أيضاً: طائرات خاصة ويخوت: كيف يضرّ أثرياء العالم البيئة؟

ماذا يمكن أن يفعل الكبار لدعم الشباب والأطفال؟

لقد أوضح الكثير من الشباب أنه بدون حل هذه المشكلة، لن يكون هناك أي شيءٍ آخر مهم بالنسبة لهم، وموقفهم هذا مدعومٌ بالأدلة العلمية، والطريقة الجيدة التي يمكن للكبار أن يساهموا بها تتمثل في تحمّل عبء حل الأزمة أخيراً.

يقول «جوزيف ويلكانوفسكي»؛ ناشط يبلغ من العمر 18 عاماً من مدينة نيويورك: «يركز البالغون كثيراً على الماضي، ويلومون الآخرين على المشكلات التي نواجهها اليوم. علينا التركيز على ما يمكننا القيام به معاً للبدء بإصلاح بعض الضرر».

بالطبع؛ من المستحيل تغيير أي شيء دون مساعدة التكنولوجيا والصناعات والسياسيين؛ لكن تحمل المسؤولية عن الجزء الخاص بنا من الأزمة هو شيءٌ مهم في حياتنا نحن الشباب، فهو يساعدنا بالفعل على بدء العمل الذي نحتاج إلى القيام به. تقول هيكمان في هذا الصدد: «علينا أولاً الاعتراف بالخطأ الذي ارتكبناه، والاعتذار عنه بصدق».

تضيف هيكمان: «بالطريقة نفسها التي نحتاج فيها للتنوع الحيوي الطبيعي للبقاء؛ نحتاج إلى التنوع «الحيوي العاطفي». لكي تساعد بصدق؛ عليك أن تسمح لنفسك أن تشعر بكل شيء يشعر به شباب اليوم – بدءاً من القلق والحزن والشعور بالذنب وصولاً إلى العار والأسى واليأس والغضب والإحباط. من خلال التعامل مع هذه المشاعر السلبية مباشرةً؛ يمكنك في الواقع أن تكون قدوةً للأطفال حول كيفية التعامل مع قلقهم، والتحدّث إليهم بصراحة حول ما يحتاجونه منك أثناء تعاملهم مع أزمة تغير المناخ الصعبة».

يقول ويتلوك: «يجب أن يكون هناك مزيدٌ من النقاش مع الكبار حول تغير المناخ، والمزيد من التغطية الإعلامية والتوعية بأننا اقتربنا جداً من النقطة التي لن نعود عندها قادرين على عكس الضرر الذي تسببنا به للكوكب. يجب على البالغين أن يصطفّوا وراءنا لمساءلة الحكومات والشركات التي ساهمت في أزمة المناخ، ومطالبتهم بدمج العدالة المناخية في ممارساتهم اليومية».

لذلك إذا كنت قلقاً بشأن الصحة العقلية لأطفالك، فقد حان الوقت الآن للتصدي لتغير المناخ. ازرع حديقةً تساهم في احتجاز الكربون، واستخدم وسائل النقل العام في العمل، واعمل على تحميل الشركات المسؤولية عن أفعالها، وغيّر نظامك الغذائي لصالح البيئة، وخفّض من استهلاكك، والأهم من ذلك؛ أصغِ إلى الشباب وتعلّم منهم.

اقرأ أيضاً: هل تضر السيارات الكهربائية بالمناخ؟

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.