Reading Time: 6 minutes

بدأت بإعداد وتدريب أطفالي في وقتٍ مبكر من حياتهم ليكونوا متآلفين مع البحر. بصفتي أمارس رياضة ركوب الأمواج؛ فكرت في البداية بتدريب بناتي على السباحة والتجديف بجانبهم على لوح ركوب الأمواج؛ لكن بناتي كنّ يخفن من نزول البحر منذ صغرهن.

لقد حدث ذات مرة أن وصلت موجة مدّ كبيرة إلى بطانيتنا عندما كنا نستجم على الشاطئ وجرفت معها بعض أمتعتنا وأحذيتنا إلى البحر، ومما زاد الطين بلة أنهن شاهدن ذات مرة برنامج «سول سيرفر» على نتفلكس؛ والذي كان يتحدث عن «بيثاني هاميلتون»؛ راكبة الأمواج الأميركية الشهيرة التي فقدت ذراعها بسبب عضة سمكة قرش. لقد بذلت ما أستطيع خلال عقدٍ من الزمن لمساعدتهم على التغلب على مخاوفهم من نزول البحر والتخلّص من المخلوقات الخطرة التي يتخيلون أنها موجودة في المحيط.

دعهم يتعرفون على المحيط تدريجياً

ابدأ بخطوات بسيطة في البداية لبناء ثقتهم بأنفسهم؛ إذ لا يمكنك أن تتوقع أن ينطلق الأطفال مباشرةً إلى السباحة بين الأمواج. عندما كان أطفالي صغاراً جداً، رفضوا حتى وضع أقدامهم في الماء في البداية، لذلك بدأنا بحفر حفرةٍ صغيرة بالقرب من الشاطئ في الرمال وجمع المياه في الدلو -كانت تلك وظيفتي- ثم تركهم يجلسون في الحفرة التي ملأناها للتو ببضعة دلاءٍ من ماء البحر.

يقول «مارك طومسون»؛ والذي عمل كمديرٍ لجمعية «واي إم سي إي كامب سيرف» في سان دييغو لـ 19 عاماً: «الهدف من هذه الحفرة هو أن يكتشف الأطفال أن الماء مكانٌ آمن، وليس إخبارهم بذلك فقط، إنها مجرد خطوةٍ صغيرة للتعرّف على الماء. بالنسبة للأطفال الأكثر تردداً، فعليك أن تجعلهم يلامسون الماء أكثر؛ كأن تدع الأمواج الصغيرة تصطدم بهم، يجب أن تتركهم يلعبون بالماء أكثر. ستجد أن الأطفال يتعلمون القفز فوق الأمواج والسباحة والتزلّج على الألواح بمرور الوقت».

أسماك القرش لا تأكل البشر

حتى كشخصٍ بالغ، عندما أكون وحدي على لوح ركوب الأمواج، أتخيل أمواج البحر المتلاطمة كزعانف سمكة قرشٍ متوحشة. وبالطبع؛ من المنطقي أن يكون لدى الأطفال مثل هذه الأفكار وما هو أسوأ ربما.

Shark, Sea, Ocean, Water, Underwater

لكن الإحصاءات والحقائق تدحض هذه المخاوف وتبددها. يقول «جافين نايلور»؛ مدير برنامج فلوريدا لأبحاث سمك القرش بجامعة فلوريدا: «تتجنب أسماك القرش البشر. لو أنها تستهدف البشر فعلاً؛ لتجاوز عدد هجمات القرش سنوياً عشرات الآلاف، وليس مجرّد 80 حادثاً فقط». 

للمقارنة؛ تحدث سنوياً 80 حالة هجومٍ لأسماك القرش في الولايات المتحدة، مسببةً إصاباتٍ خفيفة وبعض الوفيات. وهذا الرقم ضئيلٌ جداً عند مقارنته بأرقام الوفيات والإصابات الخطيرة التي تسببها حوادث السيارات سنوياً -38 ألف وفاة و4.4 مليون إصابة خطرة- وفقاً لجمعية «سيف إنترناشيونال رود ترافل».

يبدو أن هجمات أسماك القرش تحدث لأن أسماك القرش تخلط بين البشر وبين الفقمات أو الأسماك الأخرى في المياه التي تنخفض فيها الرؤية. ووفقاً لما يقوله نايلور؛ يمكن اتباع بعض الأساليب المنطقية لتقليل حتى فرصة حدوث عضات القرش، الضئيلة أصلاً، بشكل أكبر.

على سبيل المثال؛ إذا رأيت الطيور تنقضّ على الأسماك التي تقفز من المياه منخفضة الرؤية وتأكلها، ابقَ خارج الماء. من المحتمل أن يتجول سمك القرش حول أسراب الأسماك هذه للتغذي عليها. كما تعتبر مستعمرات الفقمة القريبة في «نيو إنغلاند» مناطق صيد مفضلةً لسمك القرش الأبيض الكبير، لذلك يقترح نايلور الابتعاد عن أي مكانٍ تتواجد بالقرب منه حيوانات الفقمة. قم بنزع أية مجوهراتٍ ترتديها قبل نزول البحر أو مياه المحيط نظراً لأن أسماك القرش قد ترى لمعانها كضوءٍ منعكس من حراشف الأسماك الصغيرة فتنجذب إليك. من الاستراتيجيات الأخرى، تجنب السباحة فجراً وعند الغروب، وتقليل اللعب بالماء أيضاً.

يمكن أن يساعد تغيير طريقة حديثنا والطريقة التي ننظر بها إلى أسماك القرش أيضاً في تقليل الخوف منها. يوضح نايلور: « أعتقد أن يجب علينا عدم استخدام تعبير «هجوم القرش»؛ بل قول «عضة القرش أسود الطرف». كان نايلور يشير بذلك إلى نوعٍ من أسماك القرش المرجانية التي تعيش غالباً في المياه الساحلية الاستوائية وشبه الاستوائية في جميع أنحاء العالم؛ حيث تُعتبر مسؤولةً عن معظم حوادث عضات أسماك القرش.

تساعد هذه اللغة على الحد من تصوير القرش ككائنٍ مرعب ومخيف، وتفترض أن سمك القرش قد لا يكون مسؤولاً عمّا حدث كلياً. يقول نايلور: «دائما ما نسأل، ماذا كنت تفعل ببغائك حتى عضك؟ أو لماذا عضك الكلب؟»؛ مشيراً إلى أننا يجب أن نسأل هذا السؤال بعد حوادث عضات سمك القرش أيضاً. في بعض الأحيان؛ قد يستفز أحد الغواصين أو الصيادين أسماك القرش، وقد يصدم راكب الأمواج ظهره بلوحه (هذه الأسباب وراء بعض حوادث عضات أسماك القرش التي تحدث سنوياً في الولايات المتحدة).

لكن الأطفال لا يحتاجون إلى معرفة هذه البيانات والحقائق. إنهم يحتاجون فقط لرؤية والدٍ هادئ يطمئنهم بأن «احتمال تعرضهم لعضة سمكة القرش هو احتمالٌ ضئيل للغاية بالفعل»؛ كما يقول نايلور ضاحكاً. يمكن أن يساعد تثقيف الأطفال حول أهمية أسماك القرش للمحيطات والسلسلة الغذائية أيضاً على تقدير دور أسماك القرش بدلاً من الخوف منها.

إذا كنت لا تفضل الخوض في هذه الشروحات البيولوجية؛ دعهم مثلاً يستمعون إلى التدوينات الصوتية (البودكاست) التعليمية المذهلة؛ مثل بودكاست «واو إن ذي وورلد» الذي يقدم سلسلة «شارك ويك» التي تتحدث عن أسماك القرش بأسلوب شيق ومرح (بدون مشاهد أسنان القرش المرعبة). ستجعلهم الحلقة الأولى من هذه السلسلة يتعاطفون مع أسماك القرش الخائفة التي ستهرب وتختبئ لعامٍ كامل تقريباً خوفاً من الحوت القاتل.

تأكد من فهم أطفالك للمخاطر ومعرفة حدودهم

يعد تعليم الأطفال السباحة في المسبح (أو أي مجمع مائي هادئ آخر) خطوةً أولى صحيحةً؛ ولكن أسوأ شيء يمكن لأي شخص تعلّمه حول الماء هو الشعور بالثقة الزائدة، لذلك من المهم أيضاً أن يدرك الأطفال والآباء أن المحيط ليس مثل بركة السباحة مطلقاً؛ إذ أن هناك الكثير من الأشياء الفريدة التي يمكن أن تحدث فجأة في المحيط؛ مثل المد والجزر وتيارات التمزق وتغير أنماط الموجات والمنحدرات المفاجئة.

إذا كنت تريد أن يشعر أطفالك بالأمان في الماء، فيجب عليك تثقيفهم حول مخاطره أيضاً؛ أي التحدث معهم حول المخاطر المحتملة التي تمثلها تيارات التمزق والسباحة بالقرب من الأرصفة البحرية. بمجرد أن يصبح أطفالك واثقين من أنفسهم للخوض في الماء، تأكد أولاً من وجود رجال الإنقاذ في الخدمة، فحتى السباحون البالغون القادرون على السباحة قد يجدون أنفسهم في بعض الأحيان بحاجةٍ إلى المساعدة في الماء؛ حيث قد تحدث بعض الأشياء المفاجئة بسرعة وقد تخرج الأمور عن سيطرتهم.

في حالة الطوارئ، يجب أن يعرف الأطفال كيفية الطفو والحفاظ على الرأس فوق سطح الماء. بالرغم من أنه من غير المرجح أن يتمكن الأطفال من الإفلات من تيار التمزق الشديد والوصول إلى الشاطئ، فإن معرفة كيفية الطفو ودوس الماء يُعد من المهارات المهمة التي تسهم بإنقاذ حياتهم وتوفر لرجال الإنقاذ المزيد من الوقت للوصول إليهم.

تعرف الأطفال على الرياضات المائية

فوائد السباحة

shutterstock.com/ Michael Brin

لقد علّمت مئات الأطفال ركوب الأمواج على مر السنين. لم يتجاوز عدد الأطفال الذين لم يتمكنوا أو رفضوا الوقوف على لوح التزلج عدد أصابع اليد الواحدة. كانت ابنتي الكبرى؛ والتي بلغت 6 سنواتٍ وقت درسها الأول في ركوب الأمواج، أحد هؤلاء؛ ولكن بعد أن أعطيتها التعليمات حول كيفية ركوب اللوح على الرمل وكيفية التجديف والوقوف على قدميها، ثبتت أقدامها على اللوح، ثم حملتها مع اللوح نحو الأمواج. كان الأمر بسيطاً جداً، لقد كان عليها أن تستلقي على اللوح وأنا أحملها إلى حيث الأمواج الخفيفة؛ ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد قررت التراجع عند الشاطئ في اللحظة الأخيرة وحاولت فكّ قدميها عن اللوح وما لبثت أن سقطت وغمرتها إحدى موجات البحر؛ مما جعلها أكثر خوفاً من المحيط والرياضة أيضاً.

يشير طومسون إلى فائدة التعلّم ضمن مجموعة؛ حيث يقول: «سيكون القليل من ضغط الأقران وتشجيعهم مهماً». في المخيم، كان الأطفال والمدربون يهتفون دائماً لأقرانهم، سواء نجحوا أم لا، مما يشجعهم على المحاولة عدة مراتٍ كي ينجحوا أخيراً، لذلك فإن تسجيل أطفالك في نادٍ لركوب الأمواج يمكن أن يساعدهم كثيراً.

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب تفيدك ممارسة التمارين الرياضية في مجموعات

لن تقتصر فائدة التدريب في مجموعةٍ على تحفيز الصداقة بين الأطفال وحسب؛ بل ستشجعهم على نزول البحر معاً، فمن غير المرجح أن يبقى الطفل لوحده على الشاطئ في الوقت الذي يرى أصدقاءه يسبحون ويمرحون في الماء.

ووفقاً لطومسون، فإن وجود شخص بالغ كفؤ -بخلاف الوالد طبعاً- يمكنه أن يتفاعل مع الأطفال هو أمرٌ مهم. والأهم من ذلك؛ يجب أن يكون على درايةٍ بطبيعة الموجات وأي منها يمكن للأطفال السماح لهم بركوبها. (على سبيل المثال؛ إذا كانت الموجة كبيرة جداً، فقد تؤذي الأطفال).

يقول طومسون؛ والذي مر بتجربة مشابهة لتجربتي مع ابنتي: «من الأسهل بكثير أن يتولى تعليم ابنك شخصٌ غريب». في الواقع؛ لقد أُصيب ابنه بصدمةٍ خفيفة خلال ركوب الأمواج معه في المخيم قبل 20 عاماً عندما كان طفلاً صغيراً. يقول طومسون: «لم يقف طفلي على لوح التزلج بعد ذلك لمدة عامين، ولن أفعل ذلك أبداً مع طفل آخر».

يمكن اتباع نهجٍ آخر لتعليم طفلك عدم الخوف من الماء؛ وهو البدء بتعليمهم في المياه الضحلة الهادئة. في حين رفضت ابنتاي فكرة التجديف في المحيط على لوح ركوب الأمواج، بدت فكرة ممارسة رياضة التجديف في البحيرة مقبولةً أكثر لهما، فبدون الأمواج العاتية وتيارات التمزق واحتمال وجود أسماك القرش، استطاعتا الاستمتاع بوقتهما أكثر.

قمت بالتجديف في الدقائق القليلة الأولى؛ ولكن عندما أدركت ابنتي الكبرى أن كل شيء آمن، قمت بتقصير المجداف القابل للتعديل ليناسبها وتولت التجديف بنفسها. يشبه التجديف مع طفلٍ في البحيرة العمل كسائق قاربٍ سياحي في أقنية البندقية؛ حيث لا يوجد شيءٌ يبعث على الطمأنينة والهدوء أكثر من ذلك تقريباً.

اقرأ أيضاً: قد تكون التمارين المائية فعالة في الوقاية من أمراض القلب