Reading Time: 4 minutes

في ستينيات القرن العشرين، كنت أعرف أشخاصاً يأخذون كلابهم إلى ملاجئ ليتم إخضاعها للموت الرحيم قبل أن يذهبوا في العطل. حاجج هؤلاء أنه الموت الرحيم لكلبهم ثم شراء كلب جديد عند العودة من العطلة كان خياراً أقل تكلفةً من دفع مصاريف ترك الكلب في المأوى.

بعد عقدين من الزمن، كنت أعمل في مستشفى ولاية كولورادو البيطري عندما أتت مجموعة من سائقي الدراجات النارية المهتاجين الذين يحملون كلبَ «تشيواوا» مريضاً؛ كان هذا الكلب مريضاً للغاية، وتطلّبت حالته الموت الرحيم لتجنّب تعريضه لمزيد من المعاناة. بعد ذلك؛ شعر مستشارو المستشفى برغبة في توفير غرف إقامة لسائقي الدراجات؛ إذ أن حزنهم كان عميقاً للغاية لدرجة أن أفراد طاقم المستشفى اعتقدوا أنه لم يكن آمناً بالنسبة لهم أن يركبوا درّاجاتهم في هذه الحالة.

هاتان القصتان تبيّنان التغيّر الكبير في تعاملنا مع الحيوانات. لآلاف السنين، اعتنى البشر بالحيوانات كحيوانات أليفة؛ لكن خلال الـ 40 سنة الماضية، أصبحت الحيوانات تُعتبر كأفراد من العائلة.

في حين أن معاملة الحيوانات بشكلٍ إنساني هو تغيّر إيجابي دون شك؛ إلا أن إحدى جوانبه السلبية تعكس بعض المشاكل التي يواجهها نظام الرعاية الصحية البشري مع الرعاية الصحية في آخر العمر.

كما هو الحال بالنسبة للبشر؛ تتم إطالة حياة الحيوانات الأليفة بلا داعٍ في كثير من الأحيان؛ مما يمكن أن يتسبب بمعاناة غير ضرورية للحيوانات والأعباء المالية المتزايدة بالنسبة لأصحابها.

تطوّر الطب البيطري والأخلاقيات

في عام 1979، بدأت بتدريس أخلاقيات الطب البيطري في كلية الطب البيطري في جامعة ولاية كولورادو، وكان عندها هذا المقرر التعليمي هو الأول من نوعه في العالم.

بعد سنة، وظّفت كلية الطب البيطري طبيب أورام ليرأس برنامج جديد متعلق بطب أورام الحيوانات. بعد ذلك بقليل؛ بدأت عيادتنا في تطبيق آليات العلاج البشرية على السرطانات التي تصيب الحيوانات. وظّف رئيس رؤية البرنامج أيضاً عدداً من المستشارين ليساعدوا أصحاب الحيوانات الأليفة في التعامل مع حزنهم عند وفاة حيواناتهم.

كنت أعتقد أن البشر سيترددون في صرف الكثير من الأموال على معالجة الحيوانات، لذا انصدمت للغاية عندما أفادت صحيفة «ذا وول ستريت جورنال» أن البشر ينفقون الملايين على علاجات السرطان الخاصة بالحيوانات الأليفة.

كمؤيد لتعزيز الاهتمام برفاه الحيوانات في المجتمع؛ سُعدت بهذه التغيرات، وعلمت بعد ذلك بقليل أن الاهتمام بعلاج الأمراض التي تصيب الحيوانات -بخلاف السرطان- ازداد بشكلٍ كبير أيضاً؛ وهذا تبيّن من خلال ازدياد كبير في عدد الاختصاصات البيطرية.

فرد من العائلة

إذاً ما السبب وراء هذا التغيّر في الطريقة التي ننظر بها للحيوانات الأليفة والطرق التي نتعامل معها؟

من إحدى النواحي؛ تشير الدراسات الاستقصائية التي أُجريت في العقدين المنصرمَين إلى ازدياد عدد الأشخاص الذين يربّون الحيوانات الأليفة؛ والذين يصرّحون بأنهم يعتبرون حيواناتهم «كأفراد من العائلة». في بعض الدراسات، كانت نسبة هؤلاء تصل إلى 95% من المشاركين؛ ولكن في كل الدراسات تقريباً، تجاوزت هذه النسبة 80%.

بالإضافة لذلك؛ ساهمت عوامل مثل انهيار نواة العائلات وازدياد نسب الطلاق في توطيد روابط العُزّاب مع رفاقهم من الحيوانات الأليفة.

اقرأ أيضاً: يمكن لوفاة حيوان أليف أن يكون مؤلماً أكثر من فقدان أحد الرفاق

هذه السلوكيات -على الأرجح- تولّد تغيّرات عميقةً في نظرة المجتمع للموت الرحيم. من قبل؛ لم يفكّر العديد من أصحاب الحيوانات الأليفة كثيراً قبل إخضاع حيواناتهم للموت الرحيم؛ لكن الآن، فيتردد الكثيرون في الإقدام على هذه الخطوة، ويحاولون بشتّى الطرق الحفاظ على حياة حيواناتهم.

Friends, Dog, Pet, Woman Suit, Sunset, Human, Trust

حيرة الأطباء البيطريين

يستمر الأطباء البيطريون في التعامل مع الضغط الهائل مع اضطرارهم للتعامل مع معضلتين متعاكتسين: إنهاء حياة حيوان ما أبكر من اللازم، أو الحفاظ عليها أكثر من اللازم.

في ورقة بحثية نشرتها بعنوان «الموت الرحيم والضغط الأخلاقي»، وصفت الضغط الهائل الذي يتعرّض له الأطباء البيطريون وتقنيو البيطرة وموظفو المجتمعات الإنسانية. اختار العديدون من هؤلاء مهنهم انطلاقاً من رغبتهم في تحسين حالة الحيوانات بشكلٍ عام؛ لكن بدلاً من ذلك، فقد انتهى بهم المطاف بقتل عدد هائل من الحيوانات بالموت الرحيم، وغالباً لأسباب غير أخلاقية.

تراوحت هذه الأسباب من «اشتريت هذا الكلب ليركض معي، والآن أصبح مسنّاً ولا يستطيع الجري»، إلى «إذا مت، أريد أن يتم إخضاع حيواني للموت الرحيم لأنني أعرف أنه لن يستطيع العيش بدوني».

في حالات أخرى؛ تعاني الحيوانات من معاناة لا يمكن تحمّلها؛ ولكن أصحابها لا يكونون مستعدّين لاتّخاذ قرار الموت الرحيم. مع ازدياد النظر للحيوانات الأليفة كأفراد من العائلة؛ هذه الحالة أصبحت أكثر وأكثر شيوعاً، ويخاف العديد من أصحاب الحيوانات من الذنب المرتبط بقتل الحيوانات قبل أوانهم.

ما يثير السخرية هو أن هذا الأمر يتسبب للأطباء البيطريين بصدمات كبيرة؛ إذ أنهم يعلمون أن الحيوان يعاني ولكنهم عاجزون عن فعل أي شيء حيال هذا الأمر إلّا بإذن أصحاب الحيوان.

عواقب هذه الصدمات واضحة؛ إذ بيّنت إحدى الدراسات الحديثة أن واحداً من أصل كل 6 أطباء بيطريين فكّر في الانتحار، بينما بيّنت أخرى أن خطر الانتحار ازداد في مجتمع الأطباء البيطريين. لا شك بأن مطالبة أصحاب الحيوانات الأطباء بقتل حيواناتهم لأن ذلك يناسبهم هو عامل مؤثّر.

كيفية التعامل مع قرار الموت الرحيم

سأقدّم هنا اقتراحي الخاص لأي أحد يفكّر باقتناء حيوان أليف: عندما تقتني هذا الحيوان، اكتب قائمة بكل الأشياء التي تعتقد أنها تجعل الحيوان سعيداً (تناول مكافئة طعام، ملاحقة كرة، إلخ). قم بإخفاء هذه القائمة حتى يخضع حيوانك الأليف إلى علاج نتيجة لمرض قاتل؛ مثل السرطان، وعندها عد للقائمة، هل يستطيع الحيوان ملاحقة الكرة حالياً؟ هل يشعر بالحماس عند الحصول على مكافأة؟

إذا فقد الحيوان القدرة على اختبار مشاعر إيجابية، فعلى الأرجح سيصبح من السهل اتّخاذ قرار إخضاعه للموت الرحيم.

يمكن تعزيز هذه الآلية عن طريق تحديد الاختلافات بين وعي البشر والحيوانات الأخرى، كما أشار الفيلسوف «مارتن هايدغر»، يُستمد معنى الحياة بالنسبة للبشر من موازنة التجارب السابقة بالتطلّعات المستقبلية؛ مثل تمني رؤية الأطفال يتخرّجون أو الذهاب إلى الموطن الأم مجدداً.

بينما فالحيوانات تفتقر إلى الأدوات اللغوية التي تسمح لها بتوقّع المستقبل، أو خلق حوار ذاتي حول الماضي. بدلاً من ذلك، فإنها تعيش بشكلٍ كامل في الحاضر، فإذا تردد أحد يمتلك حيواناً أليفاً في القيام بعملية الموت الرحيم؛ سأشير له عادةً أن الحيوان لا يختبر الحاضر بسعادة بعد الآن.

في النهاية؛ التعامل مع الموت الرحيم للحيوانات الأليفة يمثّل مشكلةً كبيرةً في المجتمع، وضمن الظروف المثالية، يحافظ أصحاب الحيوانات الأليفة على علاقة جيّدة مع ممارسي الطب البيطري الذين يتابعون الحيوان طيلة حياته غالباً، ويمكنهم أن يلعبوا دور شريك في الحوار خلال الأوقات الصعبة التي تظهر الحاجة فيها للموت الرحيم كخيار بديل عن المعاناة.