Reading Time: 4 minutes

يعاني العديد من الأطفال المصابين بالتوحد من صعوبة التعبير عن مشاعرهم من خلال الكلام؛ ولكن الأمر مختلفٌ تماماً عندما يحاولون التعبير عنها من خلال الموسيقى. تشير العديد من الدراسات إلى أن أطفال التوحد قد يحبون الموسيقى بالفعل، ويُظهرون رغبةً بتعلّمها في سنٍ مبكّرة.

أنا أمٌ لثلاثة شبّان يعانون من مرض التوحّد عالي الأداء، وقد حاولت تعليمهم الموسيقى منذ صغرهم، وأصبحوا قادرين على التعبير عن مشاعرهم من خلال العزف على المزمار (الباسون) والبوق الفرنسي والباريتون. وبصفتي طالبة دكتوراة ومدرّسة موسيقى، فقد رأيت الأثر العاطفي الذي تحدثه الموسيقى سواء على أطفالي أو على طلابي، وأرغب هنا بمشاركة ما تعلمته.

خلفية الفكرة

امتلكت مركزاً لتعليم الفنون والعلوم في تامبا بفلوريدا منذ عام 2003 وحتى 2018، وكنت أشرف عليه شخصياً. كان المركز يقبل الطلاب ممن يعانون من صعوبات التعلّم ومشاكل النمو والإعاقات من مختلف المراحل العمرية.

كان مطلوباً من كل فرد في المدرسة الانضمام إلى مجموعة موسيقية معينة؛ مثل فرقة الحفلات الموسيقية أو المسرح الموسيقي أو فرقة الجاز أو فرقة الحجرة، وقد أعطيت الجميع دروساً خاصة على آلاتهم بصفتي مُدرّسة للموسيقى. في الواقع؛ لقد لاحظت خلال السنوات الطويلة من خلال تدريسي أن للموسيقى تأثير مذهل على تنمية عواطف الطلاب المصابين بالتوحد بعد بدئهم بدراستها.

على سبيل المثال؛ كان هناك طالبة لا تستطيع الكلام؛ ولكن كان بمقدورها دندنة الألحان، وشيئاً فشيئاً أدركت أنها تهمهم بنغماتٍ أو إيقاعاتٍ تختلف باختلاف عواطفها رغم عدم قدرتها على التعبير عنها بالكلام. كانت نظرات عينيها تُظهر عواطفها دائماً عندما كانت تهمهم بالكلام الذي لا تستطيع قوله.

كان لدينا طالبٌ آخر مصاب بمتلازمة «أسبرجر» (اضطراب متعلّق بالتوحد)، وقد أعطيته دروساً خاصة في العزف على البيانو والتأليف. كان بوسعه التحدّث؛ ولكنه لا يستطيع التعبير عن مشاعره بوضوح. كان يقوم بعزف مقطوعةٍ موسيقية حزينة من تأليفه في الأوقات التي يشعر فيها الحزن، وبالمثل، فقد ألّف مقطوعاتٍ تعبّر عن السعادة والغضب والوحدة.

تشير الدراسات إلى أن الأطفال المصابين بالتوحد يمكنهم فهم المشاعر البسيطة والمعقدة المُضمنةِ في الموسيقى، وبأنهم أكثر استجابةً للتحفيز الحسّي خصوصاً بالموسيقى مقارنةً بالأطفال الآخرين، حتى لو كان هناك ضجيج في البيئة المحيطة؛ قد يفسّر ذلك سبب كون الأطفال المصابين بالتوحد -والكبار- موهوبين في الموسيقى بشكلٍ عام.

في الواقع؛ لا تُفهم المشاعر الموسيقية (العواطف المُضمنة في الموسيقى) بالطريقة نفسها التي تُفهم بها المشاعر العادية، فهي لا تتطلب استخدام تعابير الوجه المعقدة أو «نبرة صوت معينة»؛ والتي يصعب على أطفال التوحد القيام بها في المقام الأول، بينما يسهل عليهم فهم المشاعر الموسيقية لأنها أقل تعقيداً، ولا تتطلّب هذا التعقيد الاجتماعي لفهمها.

إدراج الموسيقى في الدروس اليومية

يمكن أن يكون للموسيقى تأثير إيجابي على أطفال التوحد بعدة طرق. على سبيل المثال؛ يمكن للمعلمين استخدام الأغاني لتعزيز قدرتهم على الكلام؛ خاصةً لدى الطلاب المصابين بالتوحد الذين يعانون من مشاكل اللغة؛ إذ تنطوي إحدى الأساليب في هذا الصدد على الغناء وإعطاء الطلاب بطاقاتٍ مكتوبٌ عليها المفردات لتعليمهم مهارات المفردات.

لقد أظهرت الأبحاث أن الغناء يمكن أن يحسّن المهارات اللغوية -بشكلٍ كبير- لدى الطلاب المصابين بإحدى أنواع التوّحد المترافق مع التأخر اللغوي.

يمكن للمعلمين أيضاً الاستفادة من الموسيقى لمساعدة طفل التوحد على تذكر المعلومات المهمة عندما ربطها بصوتٍ موسيقي؛ مثل لحنٍ أو إيقاع. وفي هذا الصدد؛ وجدت إحدى الدراسات أنه يمكن استخدام الموسيقى لتركيز انتباه الطلاب ذوي الهمم والحدّ من قلقهم من الإجهاد، وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن توفير الفرصة لطفل التوّحد للاستجابة العاطفية تجاه الموسيقى يمكن أن يساعده على بلوغ أهدافه الاجتماعية واللغوية.

تبسيط تعليم الموسيقى لأطفال التوحد

تتكون الموسيقى من عدة عناصر؛ مثل الطابع الصوتي، اللحن، التناغم، الإيقاع، الرنين (التون)، النسيج الصوتي والتركيب. عندما يسمع الأطفال مقطوعة موسيقية، فإنهم يسمعون هذه العناصر مدمجة مع بعضها البعض؛ لكن بعض أطفال التوحد يعانون من حساسيةٍ سمعية؛ مما يجعلهم غير قادرين على تحمّل أصوات الحياة اليومية؛ بالتالي يؤثر على قدرتهم على تحمّل الموسيقى الصاخبة أو المعقّدة.

يمكن مساعدة هؤلاء الأطفال من خلال تبسيط الموسيقى التي يسمعونها باستخدام العناصر الموسيقية الأساسية بشكلٍ منفصل. على سبيل المثال؛ يمكن للمعلم إعطاء درس البيانو على مراحل، فيبدأ بتعليم نغمات البيانو أولاً، وعندما ينسجم الطالب مع العنصر الأول، يمكن للمعلم الانتقال لتعليم العناصر الأخرى ببطء واحداً تلو آخر، وإذا تبيّن للمعلّم أن الطفل غير قادرٍ على تقبّل إحدى العناصر، يقوم بإزالته من مزيج الموسيقى في النهاية.

عندما يتقبّل الطفل جميع العناصر الموسيقية، سيكون ذلك مؤشراً على أن الطفل يمكنه سماع الموسيقى بشكلٍ طبيعي، وأنه مستعد للانتقال إلى مستوى أكثر تقدماً في تعلّم الموسيقى، وهكذا؛ ومن خلال هذه الاستراتيجية يمكن للمعلم معرفة الأصوات الموسيقية التي يمكن للطفل التعامل معها.

ساعد طفلك من خلال الموسيقى المتوفرة عبر الإنترنت

هناك الكثير من موارد الموسيقى المخصصة لأطفال التوحد والمتاحة عبر الإنترنت، وهي ممتعة ومن السهل الوصول إليها، لتعليم طفلك العزف على آلات الأوركسترا الموسيقية والإيقاعية، أوصي بهذه المواقع:

1. موقع أكاديمية «خان» لتعلم الموسيقى:
يحتوي الموقع على دروسٍ متنوعة لتعليم مختلف الآلات الموسيقية الأوبرالية. تسمح هذه الدروس لطفلك بالارتباط بالآلات عاطفياً، بحيث يتعلّم تدريجياً التعبير عن العواطف التي تحملها المقطوعة الموسيقية.

2. تطبيقات خاصة للأطفال الصغار:
يُعتبر تطبيق «مختبر كروم للموسيقى» من جوجل، وتطبيق «إيزي ميوزيك» لأنظمة آي أو إس وأندرويد؛ أدوات مثالية للأطفال المصابين بالتوحد لأنها تسمح بهم باستكشاف الموسيقى من خلال عناصرها الأوّلية دون أن تكون معقّدة، كما تتيح للطفل تجربة إضافة العناصر الموسيقية وحذفها؛ مما يساعده على تعلّم الموسيقى وفق وتيرة تقدمه الخاصّة.

3. منصات للأطفال الأكبر سناً:
بالنسبة للأطفال الأكبر سناً؛ يُعد موقعي «يوزيسيان» و«فلوكي» لتعليم الموسيقى عبر الإنترنت مثاليين جداً، ويتيحان للطفل تلقي دروسٍ موسيقية ممتعة وتفاعلية.

قد يتمكن الأطفال المصابون بالتوحد من التعبير عن أنفسهم من خلال أدواتهم حتى عندما لا يستطيعون نطق الكلمات التي يريدون قولها، فمن خلال تجربتي، اكتشفت أنه بالرغم من أن العديد من الأطفال يعانون من صعوبة التعبير عن عواطفهم شفهياً؛ لكن يمكن أن تساعدهم الموسيقى على فهم وتجربة العواطف، وتمنحهم طريقةً مختلفة للتعبير عن أنفسهم.

الوسوم: طيف التوحد