Reading Time: 4 minutes

عندما اتخذت المملكة المتحدة خطواتها الأولى للخروج من الإغلاق العام في أبريل/ نيسان الماضي وإعادة فتح المدارس، أعلن وزير التعليم «جافين ويليامسون» البدء بتنفيذ برنامج تحسين سلوك التلاميذ في المدارس، وكجزءٍ من هذا الزخم لتطوير ثقافة «السلوك الجيد هو القاعدة»، فقد حثّ على حظر الهواتف الذكية في المدارس.

يدعي ويليامسون أن الهواتف الذكية تشتت انتباه الطلاب عن التمارين الصحية، وعلى حدّ تعبيره؛ تصرفهم عن الألعاب التقليدية القديمة الجيدة، كما يضيف أنها تشكّل أرضاً خصبةً لانتشار التنمّر عبر الإنترنت. يعتقد ويليامسون أن حظرها سيخلق بيئات هادئةً ومنظّمةً تسهّل التعلّم، ويكتب في مقاله في صحيفة التلغراف: «في حين أنه على كل مدرسة أن تضع سياستها الخاصة؛ أعتقد يقيناً أنه لا ينبغي استخدام الهواتف الذكية خلال اليوم الدراسي، وسأدعم مديري المدارس الذين ينفذون مثل هذه السياسات».

تكمن الصعوبة التي يواجهها المعلمون في أنه غالباً ما تكون هناك تقييمات متناقضة لمخاطر وفوائد استخدام الأجهزة الحديثة في المدارس، كما وجدنا في دراستنا الجديدة أن الإرشادات المتعلّقة حول التصرّف حيال هذا الأمر للمعلمين قليلة جداً. بالإضافة إلى ذلك؛ لا يوجد تقييم محدد ومعتمد لتأثير سياسات المدارس التي تقيّد استخدام الهواتف الذكية خلال ساعات الدراسة، ولا يُعرف الكثير حول كيفية تنفيذ هذه السياسات في المدارسظن فكيف يمكن للمعلمين إذاً التعامل مع قضية حظر الهواتف الذكية في المدارس المثيرة للجدل؟

نعتقد أن أفضل طريقة هي إعادة تعريف الهاتف الذكي نفسه، فبدلاً من كونه مجرّد هاتفٍ ذكي؛ من الأفضل وصفه بأنه كمبيوتر جيبٍ قوي، ويحتوي -من بين أشياءٍ أخرى- على أداةٍ للكتابة وآلةٍ حاسبة، وموسوعة معلوماتٍ ضخمة.

لذلك؛ لا يبدو اقتراح استخدام الأطفال للهواتف الذكية بطرق تساعدهم على التعلم خاطئاً أو متطرفاً، يجب أن يتحول الجدل الدائم حول حظر الهواتف الذكية في المدارس إلى التفكير في أفضل السبل لمساعدة المدارس على تصميم سياسات، وممارسات استخدام الهاتف في المدارس بشكلٍ أفضل؛ بحيث يمكن أن يُثري تعلّم تلاميذها وصحتهم ورفاهيتهم، ولهذا؛ يمكننا أن نبدأ من خلال النظر في الأدلة والأبحاث حول أثر استخدام الهاتف على الشباب.

Backpack, Iphone, Smart Phone, Cell Phone, Person

تأثير استخدام الهواتف الذكية على المراهقين

من المعروف أن معظم المراهقين يمتلكون هاتفاً ذكياً؛ حيث يمكن أن يوفّر لهم فوائد متعددةً من حيث التعلّم والسلوك والتواصل مع الآخرين، إذا ما استُخدم بشكلٍ صحيح وباعتدال، وهناك أدلة أيضاً على أن استخدام التكنولوجيا في الفصول الدراسية يمكن أن يدعم التعلّم والتحصيل العلمي. أهم شيء فيما سبق هو «الاعتدال»، لأن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية -والأجهزة الرقمية الأخرى- يؤدي إلى زيادة القلق والاكتئاب، وإهمال الأنشطة الأخرى والخلاف مع الآخرين، وسوء نوعية النوم، وزيادة التعرّض للتنمّر عبر الإنترنت.

Girl, Teen, Café, Smartphone, Sorrow, Sadness, Boredom

بالإضافة إلى ذلك؛ لا ندرك بعد تماماً ما إذا كان تأثير استخدام الهاتف الذكي سيئاً أم جيداً على الأطفال، وقد انعكس ذلك في خلاصات الأبحاث والتقارير الأخيرة التي تنشرها الحكومة البريطانية، فهي تشير إلى أن هناك مخاطر وفوائد لاستخدام الهاتف، وإلى ضرورة دعم المدارس بشكلٍ أفضل في عملية اتخاذ القرار بشأن استخدامها في المدرسة من خلال التوجيهات القائمة على الأدلة.

اقرأ أيضاً: هل الإفراط في استخدام هواتفنا الذكية يشعرنا حقاً بالوحدة؟

اللحاق بالركب

للتحقيق في الموقف الحالي للمدارس بشأن استخدام الهواتف الذكية والوسائط الرقمية؛ أجرينا مقابلاتٍ وعقدنا ورشات عملٍ مع أكثر من 100 مراهقٍ تترواح أعمارهم بين 9 و 13 عاماً بجانب المعلمين والعاملين في مجال التنمية المجتمعية، والمتخصصين الدوليين في السياسات المدرسية والتدخلات الصحية.

وجدنا أن المعلمين يميلون إلى الخوف من الهواتف؛ حيث قال معظمهم أن ذلك يعود إلى أنهم لا يعرفون كيف يستخدم الطلاب هواتفهم خلال وقت المدرسة، لذلك لن تكون قضية الهواتف الذكية أولويةً وسط ضغوطٍ تتعلّق بالتقييم والحماية والحضور، وغالباً ما يكون الحظر الشامل لها هو الخيار الأسهل.

يدرك المعلمون أيضاً فوائد ومخاطر استخدام الهواتف الذكية؛ ولكن أهم ما في الأمر أنه ليس لديهم التوجيه والمهارات والأدوات اللازمة لتحليل المعلومات التي تبدو متناقضة. يقول أحد المعلمين في هذا الصدد: «هل نسمح بها، هل نتبنّاها، هل نشرك الطلاب بها، أم نتجاهلها تماماً؟ لا أحد منّا يمتلك رؤيةً كاملةً حول الأمر».

اقرأ أيضاً: للهواتف الذكية: 7 تطبيقات لتعلّم مهارات مختلفة

مقاربات مختلفة

هذا بالطبع تحدٍّ عالمي، ففي الواقع؛ من المفيد النظر في كيفية تعامل المؤسسات المختلفة في البيئات الثقافية المختلفة حول هذه القضية؛ إذ يؤدّي البحث عن حلولٍ للمشاكل المتشابهة إلى ظهور مقارباتٍ مختلفة جداً في كثيرٍ من الأحيان. على سبيل المثال؛ تسمح مدرسة «أغورا» الرائدة في رورموند في هولندا، باستخدام الهواتف الذكية في كل مكان، وتتبنى المدرسة فكرة أن المراهقين لن يتعلموا كيفية استخدام هواتفهم بطريقة مفيدة إذا كان عليهم تركها في خزائنهم، وعلى النقيض من ذلك؛ تحث الحكومات في أستراليا وفرنسا وكندا المدارس على تقييد استخدام الهواتف الذكية أثناء المدرسة، بزعم أن ذلك يساهم في تحسين النتائج الأكاديمية، ويقلل التنمر.

في الواقع؛ يحتاج المعلمون إلى نمطٍ جديد من التدريب يساعدهم على التقييم النقدي -وبثقة- للأدلة الأكاديمية، وقد يكون العمل مع طلابهم في تحديد كيف ومتى يمكن استخدام الهواتف مثمراً أيضاً.

الوصول إلى المعلومات

يستغرق نشر البحث الأكاديمي وقتاً، وغالباً ما تكون البيانات غير مفهومة لغير الخبراء، كما يحتاج الوصول إلى الأبحاث ونتائجها اشتراكاً باهظ الثمن في الدوريات العلمية، لذلك يجب على القائمين على التطوير المهني والمنظمات بذل المزيد من الجهد لتسهيل وصول المعلمين إلى المعلومات التي يحتاجون إليها لاتخاذ القرارات.

ومع ذلك؛ لا تُعتبر البيانات الجديدة كافية وحدها؛ إذ يجب أن يُظهر الباحثون أنه يمكن للمعلمين استخدام أدلتهم بطرقٍ تمكنّهم من تصميم سياساتٍ وممارساتٍ مدرسية أفضل.

يقول «مايكل روزين»؛ مؤلّف كتب الأطفال، والحائز السابق على جائزة كتب الأطفال في آخر تصريحاته: «نعيش في وقتٍ استثنائي، لدينا مكتبات كاملة وموارد ضخمة من المعرفة، والوسائط متاحةٌ لنا في شيءٍ صغير يمكن أن نضعه في جيبنا».

يجب على المعلمين عدم تجاهل فائدة الهواتف الذكية في عملية التعلّم، تضيف نتائج دراستنا إلى الجدل الحالي، وتقترح أن هناك حاجةً ماسة إلى أدلةٍ جديدة وتدريبٍ مختلف للمعلمين، لمساعدة المدارس على اتخاذ قراراتٍ مستنيرة بشأن استخدام الهاتف الذكي في المدارس.