Reading Time: 4 minutes

أطلق أرسطو على الإنسان لقب «الحيوان الاجتماعي»، وقد أدرك الناس على مدى قرونٍ أن المراهقين والشباب بحاجةٍ إلى الانخراط أكثر في مجتمعاتهم لينمو ويصبحوا بالغين أصحّاء، وفي هذا الصدد؛ أثارت جائحة فيروس كورونا المستمرة المخاوف بشأن آثار العزلة على النمو الاجتماعي والنفسي للأطفال والمراهقين؛ ولكن بالرغم من أن الشباب قد لا يكونون قادرين على التجمّع معاً على المستوى الشخصي كما يرغبون؛ ليس بالضرورة أن يكونوا معزولين تماماً، لأنهم يستخدمون مجتمعات الإنترنت لاستكشاف هوياتهم، وممارسة حياتهم الاجتماعية.

فتجدهم غالباً منخرطين في منتديات مناقشة مناحي الحياة المختلفة؛ مثل منتديات موسيقى «الهيب هوب»، أو مجموعات دعم مصابي اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط على فيسبوك، أو في محادثاتٍ جماعية حول موضوعٍ علمي على إنستغرام، بالإضافة لتعليقاتهم أسفل مقاطع اليوتيوب الشائعة. في الواقع؛ هناك العديد من مجتمعات الإنترنت، وتغطي إجمالاً مدىً واسعاً من الموضوعات، وغالباً ما تركّز على حياة مستخدميها، ومع ذلك؛ يجادل الآباء والمعلمون وعلماء النفس في كثيرٍ من الأحيان بأنّ هذه المساحات الاجتماعية يمكن أن تعرّض الشباب للضغط، وقد تعرّضهم لأيديولجياتٍ خطرة.

ونظراً لتنامي أهمية مجتمعات الإنترنت بالنسبة للشباب أكثر من السابق، فإن قضية ما يعنيه أن ينشأ الطفل أو المراهق مع مجتمعات الإنترنت تحتاج لنظرةٍ أدّق وأعمق. بصفتي باحثاً في علم النفس يدرس مجتمعات الإنترنت، فقد وجدت أنا وزملائي أنه رغم المخاطر التي تحملها هذه المجتمعات على نطاقٍ واسع على الشباب؛ يمكن لها أن توفّر الدعم الاجتماعي والنفسي للشباب؛ والذي قد لا يكون متوفراً لهم في المنزل أو المدرسة أو أحيائهم.

مجتمعات بنّاءة لكنها خطرة أيضاً

يعرف الذين كبروا منّا وانخرطوا منذ صغرهم في مجتمعات الإنترنت مدى فائدتها، بصفتي شابّاً يبلغ من العمر 24 عاماً كان يستخدم الإنترنت يومياً تقريباً منذ السادسة من عمره؛ يمكنني تذكّر اللحظات الحاسمة الرئيسية من تطوري النفسي والاجتماعي الذي حدث على مجتمعات الإنترنت.

كانت بعض هذه اللحظات مؤلمةً؛ مثل قيام ابن عمي بخداعي وسرقة الدّرع الذي فزت به بصعوبة في لعبة «رن إيسكيب» عبر الإنترنت عندما كنت في العاشرة من عمري، بينما كان بعضها بمثابة تجربةٍ غريبة ولكن رائعة؛ مثل الدخول إلى مواقع دردشة البالغين بالفيديو «شاتروليت» مع أصدقائي عندما كنت في الثالثة عشر، والتفاعل مع الغرباء من جميع أنحاء العالم. في النهاية؛ لعبت الملاحظة والمشاركة في الثقافات الغنية والمتطورة الموجودة في مجتمعات الإنترنت، دوراً في اهتمامي بمتابعة البحث النفسي حول أثرها على الشباب.

بالرغم من أن القيود الحالية التي فرضتها جائحة كوفيد-19، والتي يواجهها الأطفال والشباب، جديدة؛ إلا أننا نأمل أن تكون مؤقتة؛ ولكن الحذر بشأن انغماسهم في مجتمعات الإنترنت له ما يبرره. في الواقع؛ تغيّر مجتمعات الإنترنت القواعد الأساسية للتفاعل البشري؛ مما قد يؤدي لظهور تجارب اجتماعية جديدة ذات تأثيراتٍ غير متوقّعة على عقل الإنسان القابل للتأثر والتكيّف بسهولة.

طالت العديد من الانتقادات لمجتمعات الإنترنت، على سبيل المثال؛ جادل الفيلم الوثائق لعام 2020 «المعضلة الاجتماعية» بأن الشبكات الاجتماعية مثل إنستغرام تشوّه تصورات المستخدمين الصغار للواقع؛ مما يسبب لهم ضائقةً نفسية؛ حيث يقول الوثائقي أنّ ما يثير القلق بشكلٍ خاص هو أن هذه المجتمعات تدفع الشباب لمقارنة أنفسهم بقائمةٍ لا تنتهي الأشخاص الناجحين الذين يختارهم أصدقائهم، وبصور السيلفي الخاصة بهم؛ والتي تختارها الخوارزميات ليشاهدوها.

يمكن للقيود غير الصارمة في مجتمعات الإنترنت؛ مثل عدم ضرورة الكشف عن هوية المستخدم أو عدم ضرورة التواجد في مكانٍ واحد مع الآخرين، أن تخلق بيئةً مناسبةً لظهور السلوكيات والأفكار الشاذة التي باتت معروفةً عبر الإنترنت؛ مثل التنمّر وأفكار الانتحار والمؤامرة وعقلية الغوغاء. بالإضافة إلى ذلك؛ يمكن لمجتمعات الإنترنت تسهيل انتشار المعلومات المضللة والأيديولوجيات المتطرفة؛ كما يظهر من صعود جماعات اليمين البديل عام 2010 (وهي مجموعات ضعيفة الارتباط مكوّنة من مجموعات اليمين المتطرف) بين الشباب من مستخدمي بعض المنتديات مجهولة الهوية عبر الإنترنت.

أماكن الدعم

هذه المخاوف مشروعة؛ لكنها قد تقلل من قدرة الشباب على الصمود، وقدرتهم على التكيّف مع السياقات الاجتماعية الجديدة؛ إذ يمكن لمجتمعات الإنترنت أيضاً توفير فرصٍ للشباب لبناء المهارات الاجتماعية، ومشاركة التفاعلات الحقيقية، واكتشاف الأفكار الجديدة ومناقشتها مع أقرانهم من جميع أنحاء العالم.

في الوقت الحالي؛ لا تدعم الأدلة فكرة أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يضر بشكلٍ عام على رفاهية الشباب، وفي الواقع؛ يمكن أن تدفع مقارنة المرء لنفسه مع الآخرين -من خلال منشوراتهم الإيجابية على وسائل التواصل الاجتماعي- إلى تعزيز الرفاهية من خلال تحفيز تحسين الذات، ومع ذلك؛ هناك حاجةٌ إلى إجراء مزيدٍ من البحث لاستكشاف كيف يمكن لأنماطٍ معينة من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أن تكون مفيدةً أو ضارةً على المراهقين والأطفال.

لمعرفة المزيد حول كيفية حصول الشباب على الدعم عبر الإنترنت؛ قمت أنا وزملائي مؤخراً باستطلاع آراء 334 عضواً في 10 منتديات لدعم الصحة العقلية عبر الإنترنت، وقدمنا نتائجنا في المؤتمر السنوي لجمعية العلوم النفسية لعام 2020، وكان عمر نصف الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع أقل من 24 عاماً، وصُنّف 82% منهم بأنهم ذوي صحة عقلية سيئة، أو سيئة جداً.

مجتمعات الإنترنت والدعم العاطفي

غالباً ما يلجأ الشباب الذين يبحثون عن دعم عاطفي إلى منتديات مجهولة على الإنترنت مثل «أنكزايتي ريديت» – الصورة: بنيامين كافيلادزي

لقد تبيّن لنا أن هذه المنتديات تزوّد المستخدمين بنصائح قيمة ودعم عاطفي وشعور بالانتماء وقيمة؛ غير متوفرين في مجتمعاتهم الشخصية، ولاحظنا أيضاً أن نهج كل منتدىً لتقديم الدعم لمواجهة مشاكل الصحة العقلية، كان فريداً، ويعتمد في تشكيله على تجارب المستخدمين المباشرة وبياناتهم، وقد قال بعض المستخدمين أنه من الممكن أن ينخفض الدعم الذي تقدمه مجتمعات دعم الأقران هذه عندما يقوم بعض المستخدمين بنشر التشاؤم، أو معلوماتٍ مضلِّلة.

يلجأ العديد من المراهقين والشباب الذين يعانون من مشاكل شخصية وعاطفية إلى مجتمعات الإنترنت طلباً للدعم، ويتواصل البعض من خلال مجموعات دردشة الرسائل النصية الجماعية التي تحوي الأصدقاء المقربين للتنفيس عن مشاعرهم وطلب النصيحة، بينما يفضل البعض الآخر طلب المساعدة دون معرفة هويته -من الغرباء على وجه التحديد- عبر منتدياتٍ في جميع أنحاء العالم؛ مثل مجتمع «أنكزايتي» على موقع ريديت؛ والذي غالباً ما يضمّ أكثر من 1000 عضوٍ متاحٍ في أي وقت. في الواقع؛ هذه المنتديات تمكّن المراهقين والشباب من تجنّب وصمة العار الاجتماعية التي تنجم عن طلب المساعدة بشكلٍ شخصي في مجتمعاتهم، ولا تقف الحواجز الجغرافية عائقاً أمامهم للعثور والتواصل مع أقرانهم الذين يشاركونهم نفس الاهتمامات ووجهات النظر.

بيئات فريدة

تلعب مجتمعات الإنترنت أدواراً مهمةً في حياة العديد من الشباب، لذلك تتطلب دراسةً متأنية؛ حيث تختلف الفرص والمخاطر التي تحملها المجتمعات الافتراضية عن تلك القائمة فعلاً في العالم الحقيقي، وتتطلب التحديات الاجتماعية التي يواجهها الشباب عبر الإنترنت، فهماً وإداركاً فريداً لماهيتها للانخراط فيها بأمانٍ وفعالية، وفي هذا الصدد؛ يمكن للآباء وموجهي الشباب، لعب دور محوري في تعليم الشباب كيف يمكنهم أن يكونوا متواجدين عبر الإنترنت (مواطنين رقميين) بمسؤولية واحترام.

ومع ذلك؛ وكما هو الحال في مجتمعات العالم الحقيقي؛ يحتاج الشباب أيضاً إلى الحرية في متابعة فضولهم عبر الإنترنت بشكلٍ مستقل، فمع تطوّر مجتمعات الإنترنت؛ ستتابع أجيال الشباب القادمة في لعب دورٍ أساسي في إعادة تحديد الأدوار التي تلعبها هذه المجتمعات الافتراضية في حياتهم.

 

الوسوم: الإنترنت