Reading Time: 5 minutes

عندما أقلع المسافرون من مدينة فريدريشهافين الألمانية عام 1928، لم يشرعوا في الرحلة من مقاعدهم على متن طائرة؛ بل بدلاً من ذلك؛ جلسوا على متن المنطاد «جراف زيبلين» في طريقهم إلى ولاية نيو جيرسي الأميركية، ونجحوا في الهبوط بعد أربع أيام بدون توقف، لتصبح بذلك أول رحلة تجارية عبر المحيط الأطلسي، ويشكّل بدايةً لوسيلة نقلٍ لم تدم طويلاً. للمنطاد قصة طويلة؛ نرويها في السطور التالية.

تاريخ المنطاد

في عام 1783، اخترع شقيقان فرنسيان، «جاك إتيان» و «جوزيف ميشيل مونتغولفييه»، منطاد الهواء الساخن، وأرسلا واحداً إلى ارتفاع 1800 متر. في وقتٍ لاحق من ذلك العام؛ قام الفيزيائي الفرنسي «جان بيلاتر دي روزير» بأول رحلة منطادٍ مأهولة، وفي حين أن البالونات يمكن أن تنتقل إلى ارتفاعاتٍ عالية، فإنها لا تستطيع السفر بدفعها الخاص، وكانت تحت رحمة الرياح السائدة، وتم تحديد شكل البالون للاستفادة من ضغط الهواء أو الغاز؛ مثل الهيدروجين أو الهيليوم.

في عام 1852، بنى «هنري جيفارد» أول منطاد يعمل بالطاقة؛ والذي تكوّن من كيس بطول 44 متراً، على شكل سيجار، مليء بالغاز مع مروحة، يعمل بمحرك بخاري بقوة 3 حصان -2.2 كيلو واط-، وفي وقتٍ لاحق في عام 1900، اخترع الكونت «فرديناند فون» الزييبلين الألماني؛ أول منطاد قوي.

كان للمنطاد الصلب إطارٌ معدني طوله 123 متراً وقطره 12 متراً، يحتوي على أكياس مطاطية مملوءة بغاز الهيدروجين، وكان أول منطاد مزود بزعانف ودفة، وكان يعمل بمحركات الاحتراق الداخلي، وقد حمل خمسة أشخاص على ارتفاع 396 متر، وحلّق لمسافة 6 كيلومتر.

تم بناء عدة نماذج من المناطيد في أوائل القرن العشرين، وتم استخدام هذه المركبات لأغراض عسكرية ومدنية؛ بما في ذلك السفر عبر المحيط الأطلسي. أشهر هذه النماذج «هيندنبورج»؛ الذي دمره حريق عام 1937 أثناء هبوطه في ليكهورست، ولاية نيو جيرسي.

في عام 1925، بدأت شركة «جود يير تاير أند روبر» في بناء طائرات لها تصميم المنطاد، وتم استخدام هذه الطائرات لأغراض إعلانية وعسكرية؛ مثل المراقبة والحرب المضادة للغواصات طوال الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1962، توقف الجيش الأمريكي عن استخدام المناطيد في عملياته.

اليوم؛ تُستخدم المناطيد بشكل أساسي للترفيه، والإعلان والتغطية التلفزيونية والسياحة وبعض الأغراض البحثية.

اقرأ أيضاً: تصميم منطاد لتنقية الهواء

كيف يعمل المنطاد؟

Shutterstock.com/FooTToo

للإجابة على سؤال «كيف يعمل المنطاد» يجب أولاً أن نتعرف على «غازات الرفع»؛ وهي غازاتٌ لها كثافة أقل من الغازات الجوية العادية؛ مما يرفعها فوقها، وأشهرها غازات الهيدروجين والهيليوم والميثان. تبلغ كثافة الهواء الجاف حوالي 1.29 جم/ لتر -غرام لكل لتر- في الظروف القياسية لدرجة الحرارة والضغط ومتوسط كتلة جزيئية تبلغ 28.97 غرام/مول، وبالتالي؛ غازات الرفع لها كثافةٌ أقل من هذه.

يُطلق على المناطيد لقب «طائرات أخف من الهواء» لأنها تستخدم غازات أخف من الهواء لتوليد قوة الرفع، والغاز الأكثر استخداماً في هذه الأغراض هو الهيليوم؛ الذي تبلغ قدرته على الرفع 1.02 كيلوغرام/م³.

كان استخدام الهيدروجين شائعاً في الأيام الأولى من المناطيد لأنه كان أخف وزناً، مع قدرة رفع تبلغ 1.1 كيلوغرام/م³، وكان الحصول عليه أسهل وأرخص من الهيليوم. مع ذلك، فقد أدى تحطم منطاد ألماني لنقل الركاب أثناء هبوطه بمطار ليكهرست في نيوجيرسي عام 1937؛ في حادث عُرف بـ«كارثة هيندنبورج»، إلى استخدام الهيدروجين في المناطيد لأن الهيدروجين يحترق بسهولة. من ناحيةٍ أخرى؛ الهيليوم غير قابل للاشتعال.

في حين أن قدرات الرفع هذه قد لا تبدو كبيرة؛ تحمل المناطيد كمياتٍ كبيرة جداً من الغاز -تصل إلى آلاف الأمتار المكعبة، ومع قوة الرفع هذه، تستطيع المناطيد حمل الأحمال الثقيلة بسهولة.

يتحكم المنطاد في قابليته للطفو في الهواء كما تفعل الغواصة في الماء. إذ تعمل البالونات فيه مثل صهاريج سائل الرص؛ وهي مقصورات تكون موجودة داخل قارب أو سفينة أو هيكل عائم آخر يحمل الماء؛ والذي يُستخدم كصابورة لتوفير الاستقرار للسفينة.

تحمل البالونات هواءً ثقيلاً، وعندما يقلِع المنطاد، يقوم الطيار بإخراج الهواء من المناطيد عبر صمامات الهواء، فيجعل الهيليوم المنطاد طافياً بشكل إيجابي في الهواء المحيط؛ وبالتالي يرتفع المنطاد. يخنق الطيار المحرك ويضبط المصاعد لزاوية المنطاد في اتجاه الريح، كما يساعد الشكل المخروطي للمنطاد أيضاَ على توليد قوة الرفع.

مع ارتفاع المنطاد، ينخفض ​​ضغط الهواء الخارجي ويتمدد الهيليوم في الغلاف، ثم يضخ الطيارون الهواء في المناطيد للحفاظ على الضغط المعاكس للهيليوم، كما أن إضافة الهواء تجعل المنطاد أثقل، لذا للحفاظ على ارتفاعٍ ثابت؛ يجب على الطيارين موازنة ضغط الهواء مع ضغط الهيليوم لخلق طفوٍّ محايد.

لتسوية المنطاد أثناء الطيران؛ يتم ضبط ضغط الهواء بين الجزئين الأمامي والخلفي للمنطاد، ويمكن للمنطاد الطيران على ارتفاعات من 1000 إلى 7000 قدم، كما توفر المحركات دفعاً أمامياً وعكسياً، بينما يتم استخدام الدفة للتوجيه.

أما من أجل الهبوط؛ يملأ الطيارون البالونات بالهواء مجدداً؛ هذا يزيد من كثافة المنطاد، فيخفض من ارتفاع تدريجياً حتى يهبط، ومرةً أخرى؛ يتم ضبط المصاعد للتحكم في زاوية الهبوط.

اقرأ أيضاً: كيف تعمل مناطيد الإنترنت فوق بورتوريكو؟

نهاية المنطاد الدراماتيكية وبداية فجرٍ جديد

Shutterstock.com/Jeff Schultes

ازدهرت صناعة المناطيد في العقدين الأُوَل من القرن العشرين، وواصل المنطاد الصلب المملوء بالهيدروجين لشركة «ديلاج» الألمانية التحليق بالركاب عبر شمال وجنوب المحيط الأطلسي طوال معظم الثلاثينيات، كما فعلت العديد من المناطيد الألمانية الأخرى؛ بما في ذلك منطاد «كارثة هيندنبورج» الذي أسفر عن مقتل 36 شخصاً.

كانت كارثة هيندنبورج بمثابة النهاية الدراماتيكية للمدة القصيرة للمنطاد كشكلٍ شائع من أشكال سفر الركاب؛ ومع ذلك، ففي النهاية؛ جعل الوقود الأحفوري الرخيص الطائرات خياراً أسرع وأقل تكلفةً من الطائرات المعلقة على أي حال؛  وإذا لم ترسم هيندنبورج خط النهاية لصناعة المناطيد، لكان التقدم التكنولوجي قد أنهى المهمة في النهاية.

ولكن الآن؛ بعد أن يبحث قطاع النقل عن طرق جادة لخفض انبعاثات الكربون، يحاول بعض المشرّعين العودة للوسيلة التقليدية تلك. بالتأكيد لا تزال أبطأ من السفر بالطائرة؛ ولكن بالنسبة للبضائع التي لا تحتاج إلى الوصول في ساعاتٍ قليلة، فإن السفر البطيء بعض الشيء يُعد أمراً منطقياً تماماً.

في عام 2019، وجدت دراسة أجراها علماء في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية في لاكسنبورج بالنمسا أن المناطيد يمكن أن تلعب دوراً في مكافحة الاحتباس الحراري؛ إذ ينبع ما يقرب من ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم من النقل؛ حيث تمثل السفن حوالي 3% من هذا الإجمالي.

اقترحت الدراسة استخدام التيارات النفاثة -تلك التيارات الهوائية المتعرجة داخل الغلاف الجوي للأرض والتي تتحرك في جميع أنحاء الكوكب- لنقل مجموعة من البضائع، والهيدروجين، باستخدام المناطيد أو البالونات على ارتفاعات منخفضة. باستخدام سرعات الرياح العالية والاتجاه المعروف لها؛ وجد الباحثون أن المناطيد أو البالونات المملوءة بالهيدروجين يمكن أن تحمل الهيدروجين بمتطلبات وقود أقل ووقت سفر أقصر مقارنةً بالشحن التقليدي.

وبفضل ظهور مواد جديدة؛ تم النظر في استخدام المناطيد في جميع أنحاء العالم لكل شيء؛ بدءاً من توسيع النطاق العريض وحتى توصيل المساعدات الإنسانية، وهناك أيضاً بحثٌ كبير حول المناطيد القائمة على الطاقة الشمسية، مع الأخذ في الاعتبار أنها يمكن أن تطير فوق الغيوم.

تتمتع المناطيد الحديثة المُقترحة بميزةٍ كبيرة أخرى. تتطلب الطائرات ممرات هبوط وحظائر للطائرات وطرق لنقل الأشياء التي تحملها إلى حيث تتجه، وبينما اعتمدت المناطيد القديمة على بنية تحتية مماثلة، يمكن لهذا الجيل الجديد من المناطيد الطائرة العملاقة أن تنطلق من نقطة إلى أخرى وتهبط في أي مكان؛ بما في ذلك الصفائح الجليدية والشواطئ والمروج والصحاري وحتى فوق المياه. استغرق العالم كل هذا الوقت لإعادة النظر في هذه الوسيلة القديمة من وسائل النقل؛ لكن لا يمكن الجزم بأن تصبح هي الخطوة المقبلة.

اقرأ أيضاً: “بليمب” تمزج بين الطائرة والمنطاد وتعد بنقل جوي آمن