Reading Time: 6 minutes

مع حلول شهر نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام، يصبح الطقس أكثر برودة، وتصبح الأيام أقصر، وتتحول أوراق الأشجار إلى اللون الأصفر وتشرع بالتساقط. يحل الشتاء، ويغطي الثلج الأرض. يعيش الناس في منازل دافئة ويرتدون معاطف ثقيلة في الخارج. يحصلون على طعامهم من متاجر البقالة. لكن ماذا عن الحيوانات؟ يختلف سلوك الحيوانات بالتعامل مع الشتاء، لكنها تتّبع ثلاثة سلوكاتٍ أساسية، الهجرة، أو السُّبات، أو التكيف. لنتعرّف إلى هجرة الطيور الشتوية.

هجرة الطيور

هجرة الطيور هي حركة موسمية منتظمة بين مناطق التكاثر والغذاء. تحمل في طيّاتها تكاليف باهظة في الافتراس واحتمال التعرض للصيد من قبل البشر، وهي مدفوعة في المقام الأول بتوافر الغذاء. يحدث بشكل رئيسي في نصف الكرة الشمالي، حيث تتجه الطيور نحو مناطق أكثر دفئاً.

أسباب الهجرة 

تختلف أسباب الهجرة بالنسبة للطيور حسب ظروف كلّ منها ونوعه، لكن يمكن تلخيصها بما يأتي؛ المنافسة الشرسة على الموارد. فمن دون الهجرة، سيكون للطيور حياة أكثر صعوبة من القيام بهذه الرحلات الطويلة  بحد ذاتها. حيث سيتمّ استنفاد الإمدادات الغذائية في مناطقها بسرعة خلال موسم التعشيش، وسوف يتضور العديد من الطيور جوعاً. ستكون المنافسة على مواقع التعشيش شرسة، وسوف تنجذب الحيوانات المفترسة إلى أماكن تجمّع الطيور المتكاثرة وستشكّل صغارها وجبات سهلة الافتراس. مما يجعل الانتقال المستمر الوسيلة الوحيدة للنجاة.

قد تهاجر الطيور لتناول وجبة؛ ندرة الغذاء تدفع الطيور وراء الهجرة، وإذا بقيت جميع الطيور في نفس المناطق الاستوائية الغنية على مدار العام، سيصبح الطعام نادراً، وسيكون التكاثر أقل نجاحاً بالنسبة للآباء التي تعاني من نقص التغذية. ولكن مع تجدد مصادر الغذاء في المناطق الشمالية كل ربيع، تهاجر ملايين الطيور إلى تلك المناطق للاستفادة من وفرتها. ومع تناقص الإمدادات الغذائية في الخريف، تعود الطيور إلى المناطق الاستوائية التي تجددت الموارد فيها في هذه الأثناء. ولا ينطبق هذا النمط من الهجرة على الطيور المهاجرة من المناطق الاستوائية فقط، بل على الطيور المهاجرة قصيرة المدى التي قد تتحرك فقط لمسافات محدودة للبحث عن مصدر غذائي موسمي.

أسباب غريبة لهجرة الطيور

وأحد أغرب أسباب هجرة الطيور يكون من أجل العائلة. على مدى آلاف السنين، طورت الطيور أنماط هجرة وتوقيتات ووجهات مختلفة لتنتشر حول العالم للتكاثر. هذا يساعدها على الاستفادة من مجموعة متنوعة من الظروف المناسبة لتربية صغارها، مما يزيد قابلية النسل للحياة. ويمكن أن تختلف ظروف التكاثر المثالية لكلّ نوع من أنواع الطيور، وقد تنطوي على العديد من العوامل؛ مثل مصادر الغذاء المحددة، والموائل التي توفر المأوى المناسب، ومستعمرات التكاثر التي توفر حماية أكبر لزوج واحد من آباء الطيور.

يوجد كذلك عدة عوامل جانبية للهجرة غير توافر الغذاء وظروف التكاثر، منها المناخ؛ إذ طورت الطيور أنواعاً مختلفة من الريش لتعيش في مناخات مختلفة، ويمكن أن تؤثر التغيرات في تلك المناخات على الهجرة. حيث تغادر العديد من الطيور مناطق تكاثرها في القطب الشمالي، على سبيل المثال، عندما تبدأ درجات الحرارة في الانخفاض وتحتاج إلى موطن أكثر اعتدالاً لأنها لا تستطيع تحمل البرد القارس. والعكس بالعكس بالنسبة للطيور التي تعيش في المناطق الاستوائية. وكذلك المفترسات؛ إذ تهاجر بعض الطيور ابتعاداً عن الحيوانات المفترسة التي يمكن أن تهدد الأعشاش إلى مواطن أكثر أماناً. ومن الممكن أن تهاجر بسبب تفشي المرض؛ إذ أنّ مجموعة كبيرة من الطيور الموجودة في نوع واحد من الموائل معرضة للطفيليات والأمراض التي يمكن أن تقضي على الآلاف منها بفترة قياسية، ويمكن للأمراض أن تدمر مستعمرات التكاثر أحياناً. في النهاية، تعود أسباب هجرة الطيور إلى البقاء: ليس فقط بقاء الطيور المهاجرة نفسها، ولكن بقاء النوع بأجمله على قيد الحياة.

الأنماط التي تتّبعها الطيور في هجرتها

الصورة: بيكساباي

الهجرة طويلة المدى؛ وهي الصورة النموذجية للهجرة لدى الطيور البرية الشمالية، مثل السنونو والطيور الجارحة التي تقوم برحلات طويلة إلى المناطق الاستوائية. ومع ذلك، فإن العديد من أنواع الطيور البرية والعصافير تقضي الشتاء في المنطقة المعتدلة الشمالية الأكثر اعتدالاً من مناطق تكاثرها الصيفي. ويتم تحديد طرق الهجرة وأراضي الشتاء على حد سواء وراثياً وتقليدياً بالاعتماد على النظام الاجتماعي للأنواع؛ ففي الأنواع طويلة العمر مثل اللقلق الأبيض، غالباً ما يقود القطعان الأفراد الأكبر سناً، ويتعلم طيور اللقلق الصغيرة الطريق في رحلتهم الأولى. أما في الأنواع قصيرة العمر التي تهاجر بمفردها، مثل «القبعة السوداء الأوراسية»، يتبع المهاجرون في السنة الأولى طريقاً محدد وراثياً يمكن تغييره مع التربية الانتقائية.

مسار هجرة الطيور

في كثير من الأحيان، لا يتبع مسار هجرة الطيور المهاجرة لمسافات طويلة خطاً مستقيم. بل بدلاً من ذلك، يمكن أن يتبع خطاً معقوفاً أو مقوس، مع التفافات حول الحواجز الجغرافية؛ مثل البحار أو المسطحات المائية الكبيرة أو السلاسل الجبلية العالية، أو أماكن عدم وجود محطات توقف أو تغذية. وينطبق ذلك على الهجرة طويلة المدى لدى الطيور البرية والطيور المائية، ولكن في الاتجاه المعاكس؛ أي قد تكون مساحة كبيرة من الأرض لا تحوي مسطحات مائية توفر مواقع للتغذية حاجزاً أمام الطيور التي تتغذى على الكائنات البحرية.

الهجرة قصيرة المدى

 تنتهجها الطيور استجابةً لظروف الطقس المحلية. وبالتالي، فإن الطيور التي تعيش في الجبال تتحرك باتجاه أكثر انخفاضاً فقط للهروب من الأرض المرتفعة الباردة إلى السواحل أو نحو الجنوب، ومعظمها لا تتحرك لأكثر من 5 كيلومترات في حياتها.

وفي المناطق الاستوائية، حيث دائماً ما يكون دافئاً بدرجة كافية لوجود الطعام، إلا أن هذا النوع من الهجرة مرتفع بشكل ملحوظ، وتشير الأدلة إلى أن السبب يعود وراء سعي الطيور المهاجرة للحصول  على المزيد من الأطعمة المفضلة لديها، مثل الفواكه. كما أن العديد من أنواع الطيور في المناطق القاحلة في جنوب أستراليا هي من الطيور الرُحّل. إذ تتبع إمدادات المياه والغذاء في جميع أنحاء البلاد في نمطٍ غير منتظم، لا علاقة له بالموسم ولكن مرتبط بهطول الأمطار. وقد تمر عدة سنوات بين زيارات نوع معين لمنطقة معينة.

أسرار الطيور الملاحية

الصورة: بيكساباي

يمكن للطيور المهاجرة أن تغطي آلاف الأميال في رحلاتها السنوية، وغالباً ما تسافر في نفس المسار عاماً بعد عام مع القليل من الانحراف. تهاجر مجموعة من الآباء في السنة الأولى لأول مرة بمفردها لتتمكّن من العثور على مأوى شتوي جديد بطريقةٍ ما، وتعود في الربيع التالي إلى المكان الذي ولدوا فيه.

كما أن قدرات الطيور الملاحية ليست مفهومة تماماً، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الطيور تستخدم أنواع مختلفة من الحواس عند التنقل. إذ يمكن لها الحصول على معلومات البوصلة من الشمس والنجوم ومن خلال استشعار المجال المغناطيسي للأرض. كما تحصل أيضاً على معلومات من موقع غروب الشمس ومن المعالم التي تُرى خلال النهار. حتى أن هناك دليلاً على أن حاسة الشم تلعب دوراً كذلك، على الأقل بالنسبة للحمام الزاجل.

تتبع بعض الأنواع، وخاصة الطيور المائية والرافعات، المسارات المفضلة في هجراتها السنوية. وغالباً ما ترتبط هذه المسارات بمواقع التوقف المهمة التي توفر الإمدادات الغذائية الضرورية لبقاء الطيور على قيد الحياة. بينما تميل الطيور الصغيرة إلى الهجرة على جبهات واسعة عبر المناظر الطبيعية. وكشفت دراسات استخدمت بيانات موقع «eBird» المتخصص بدراسة الطيور أن العديد من الطيور الصغيرة تسلك طرقاً مختلفة في الربيع والخريف، بين طريقي الذهاب والعودة، وذلك للاستفادة من الأنماط الموسمية في الطقس والطعام.

حقائق مثيرة عن هجرة الطيور

الصورة: بيكساباي

يمكن أن تصل الطيور إلى ارتفاعات كبيرة أثناء هجرتها. الأوز ذو الرأس العريض هو أعلى الطيور المهاجرة تحليقاً، إذ يصل ارتفاعه إلى خمسة أميال ونصف فوق مستوى سطح البحر أثناء التحليق فوق جبال الهيمالايا في الهند. لكن الطائر الذي سجل أعلى ارتفاع على الإطلاق هو نسر «جريفون» الذي اصطدم بطائرة على ارتفاع سبعة أميال في عام 1975 وتم سحقه للأسف في المحرك النفاث.

طيور «الخرشنة القطبية الشمالية» لديها أطول هجرة من أي طائر في العالم. يمكن لهذه الطيور ذات الريش الأسود والمنقار الأحمر أن تطير أكثر من 49700 ميل، مرتين في كل سنة، ذهاباً وإياباً بين مناطق تكاثرها في القطب الشمالي والقطب الجنوبي، حيث تقضي فصول الشتاء. وعلى مدى عمرها الذي يزيد عن 30 عام، يمكن أن تقطع مسافة تعادل ثلاث رحلات إلى القمر مع العودة.

أسرع طائر تذهب إلى «القنص العظيم»؛ فهو يطير حوالي 4200 ميل بسرعة تصل إلى 60 ميلاً في الساعة. ولا يوجد حيوان آخر يسافر بهذه السرعة لمثل هذه المسافات الطويلة. عادةً ما تستخدم الطيور الرياح الخلفية – أي التي تهب في نفس الاتجاه الذي تطير فيه- لمساعدتها على التحرك بشكل أسرع، ولكن لا يبدو أن سرعات هذه الطيور ناتجة عن ذلك.

 يمكن للطائر «ذو الذيل العريض» أن يطير لما يقرب من 7000 ميل دون توقف، مما يجعله الطائر صاحب أطول رحلة مسجلة بدون توقف. خلال رحلة الثمانية أيام، لا يتوقف الطائر لتناول الطعام أو الراحة، مما يدل على قدرته الهائلة على التحمل.

للتحضير لجهود الهجرة المرهقة للغاية، تدخل الطيور حالة تسمى فرط الأكل؛ إذ تفرط في الطعام في الأسابيع السابقة لتخزين الدهون، والتي ستستخدمها لاحقاً للحصول على الطاقة في رحلاتها الطويلة. بعض الطيور، مثل «الدخلة السوداء»، تضاعف وزن جسمها تقريباً قبل الطيران، لأن رحلتها تبلغ 2300 ميل، وبدون توقف لمدة 86 ساعة.

اقرأ أيضاً: سلسلة الشتاء: السبات الشتوي أو النوم الطويل دون تحمل أعباء الغذاء