Reading Time: 4 minutes

لن يكون مفاجئاً إذا عرفت أن الأشخاص الذين تعرضوا لسوء المعاملة في مرحلة الطفولة؛ مثل العنف أو الإهمال، هم أكثر عرضةً للإصابة والإبلاغ عن مشاكل في الصحة البدنية والنفسية، ويمكن إرجاع ذلك لأسبابٍ مختلفة؛ أبرزها العوامل الاجتماعية؛ مثل فقر الأسرة، أو جزئياً لعوامل وراثية؛ مثل ضعف الصحة النفسية للوالدين، وغيرها من العوامل التي قد تؤدي إلى سوء معاملة الأطفال وتدهور صحتهم؛ لكن لم تُظهر الدراسات أن ذلك يؤدي بشكلٍ مباشر إلى تدهور صحتهم البدنية والنفسية، ولم تُظهر سوى وجود ارتباطٍ غير مباشر.

لذلك أراد فريقنا البحثي التحقق مما إذا كانت إساءة معاملة الأطفال تؤدي بشكلٍ مباشر إلى تدهور صحتهم النفسية والبدنية؛ وذلك من خلال استخدام علم الوراثة والجينات. قمنا في البداية بجمع البيانات الخاصة بسوء معاملة الأطفال مع البيانات الجينية لأكثر من 180 ألف شخص؛ وهو الأمر الذي سمح لنا بالتحقق مما إذا كان اختلاف تجربة الأشخاص الذين تعرضوا لسوء المعاملة في مرحلة الطفولة مرتبطاً بالاختلافات في جيناتهم أم لا.

وجدنا أن حوالي 9% فقط من تجارب سوء معاملة الأطفال مرتبطة بالجينات؛ لكن ذلك لا يعني مطلقاً أن الجينات مسؤولة عن تجربة سوء معاملة الأطفال كما سنرى لاحقاً، ولا يعني أيضاً أنه يمكن إلقاء اللوم على الطفل بالنسبة لسوء المعاملة، أو أنه لا يمكن الحد من سوء المعاملة في مرحلة الطفولة بغض النظر عما تحمله جيناتهم. في الواقع؛ تعكس الإشارة الجينية البيئة التي ينشأ فيها الطفل وتُظهر مدى أهمية البيئة -مثل الظروف التي ينشأ فيها الطفل- كعامل خطر معروف وقابلٍ للتعديل لمعالجة سوء معاملتهم.

الارتباط الجيني البيئي

الأطفال ليسوا مسؤولين مطلقاً عن تعرضهم لسوء المعاملة، فكيف يمكن لدراستنا تحديد مكونٍ وراثي مرتبط بتعرض الأطفال لسوء المعاملة؟ في الواقع؛ الإشارة الجينية التي وجدناها هي انعكاس للبيئة التي نشأ فيها المشاركون؛ من خلال آلية تسمى «الارتباط الجيني البيئي»؛ والذي يعبّر عن كيفية تأثير العامل الوراثي للطفل مع تفاعله في البيئة المحيطة به؛ بالتالي كيفية تفاعل بيئته -مثل الأصدقاء والعائلة- معه.

على سبيل المثال؛ قد يتعرض الطفل قصير القامة للتنمر بسبب طوله؛ فنظراً لأن سمة الطول ترتبط بالجينات إلى حدٍ كبير، فقد ترتبط الجينات المسببة لقصر القامة بالتنمر؛ ولكن جينات الطول بحد ذاتها لا تسبب التنمر، وإنما البيئة التي ينشأ فيه الطفل؛ حيث يُنظر إلى قصار القامة بشيءٍ من السلبية.

وبهدف فهم دور الارتباط الجيني البيئي؛ قمنا بالتحقيق في الاختلافات في تجارب سوء المعاملة بين الأشقاء وضمن العائلات، وقد وجدنا أن سلوك الوالدين وسلوك الطفل واستجابة أحد الوالدين لسلوكه؛ كلها عوامل مهمة في سوء المعاملة التي يتعرّض لها الأطفال في مرحلة الطفولة. على سبيل المثال؛ قد يكون الأطفال الذين يعانون من فرط النشاط؛ والذي يُعتبر مرضاً سلوكياً وراثياً جزئياً، أكثر عرضةً لسوء المعاملة العقابية؛ بسبب عدم التوافق بين توقعات الوالدين وسلوك الطفل الفعلي، ويشير ذلك إلى أننا بحاجة إلى تدخلاتٍ أفضل تعالج ديناميكيات الأسرة المعقدة لمنع نشوء سوء المعاملة.

الصحة النفسية

كانت الخطوة التالية بعد تحديد المكوّن الجيني المرتبط بتعرض الأطفال لسوء المعاملة؛ هي إثبات ما إذا كان سوء معاملة الأطفال يؤدي بالفعل إلى تدهور صحتهم النفسية في المستقبل أم لا، واستخدمنا لذلك طريقةً طُورت مؤخراً تُدعى «التوزيع العشوائي المندلي».

عادةً ما يلجأ الباحثون عند إثبات السببية إلى استخدام التجارب العشوائية المُعشاة، أو التي تحتوي على عناصر تحكّم، وتقوم هذه التجارب بتصنيف الأشخاص في مجموعاتٍ عشوائياً؛ لإثبات ما إذا كان العامل (أ) -سوء المعاملة في هذه الحالة- يسبب (ب)؛ أو ضعف الصحة.

ولكن استخدام هذه الطريقة للتحقق من إذا ما كان سوء معاملة الأطفال يؤدي لتدهور الصحة؛ لذلك ينبغي على الباحثين تقسيم الأطفال عشوائياً إلى مجموعتين؛ تتعرّض إحداهما لسوء المعاملة، ثم سيُضطر الباحثون للانتظار عدة سنوات لمعرفة ما إذا كانت هذه المجموعة أكثر عرضةً للإصابة بالأمراض أم لا؛ ولكن ذلك ليس أخلاقياً، ولا يمكن القيام به بأي شكلٍ من الأشكال.

بدلاً من ذلك؛ يقوم التوزيع العشوائي المندلي بتقسيم الأشخاص عشوائياً إلى مجموعات وفق جيناتهم، وتُعامل بمثابة تجربةٍ عشوائية محكّمة، بكلامٍ آخر؛ استخدمنا المتغيرات الجينية المرتبطة بتجربة سوء المعاملة في مرحلة الطفولة كبديلٍ عن سوء المعاملة الواقعية.

سوء المعاملة, سوء معاملة الأطفال, الصحة النفسية, الحمض النووي

ADragan/ Shutterstock

وجدنا من خلال استخدام هذه الطريقة أن الأشخاص الذين كانت مؤشراتهم الجينية الخاصة بسوء المعاملة عالية؛ كان لديهم خطورةٌ أعلى للإصابة بمشاكل الصحة النفسية؛ مثل الاكتئاب، اضطراب فرط الحركة، نقص الانتباه، والفصام. لا تدعم نتائجنا فقط النتائج السابقة التي توصلت إليها الدراسات الوبائية التي أشارت إلى وجود رابطٍ بين سوء المعاملة وضعف الصحة النفسية وحس؛ بل وتقدّم أيضاً دليلاً على أن سوء معاملة الأطفال -جزئياً على الأقل- يتسبب في ضعف الصحة النفسية.

بالمقابل؛ لم نعثر على دليل يشير إلى أن التعرّض لسوء المعاملة في مرحلة الطفولة قد يسبب حالاتٍ صحيةً جسديةً لاحقةً؛ مثل مرض السكري من النوع الثاني، أو مرض الشريان التاجي.

لا تخلو طريقة العشوائية المندلية من بعض العيوب؛ إذ أن سوء معاملة الأطفال وأمراض الصحة النفسية أمران معقدان من الناحية الوراثية، وفي النهاية؛ قد تكون تجربة أنواعٍ مختلفة من سوء المعاملة وفي مراحل مختلفة من الطفولة، لها تأثيراتٌ مختلفة على الصحة النفسية، ومع ذلك؛ تبقى هذه الطريقة أحد أفضل الطرق لإثبات العلاقة السببية دون التلاعب بمتغيرات التجربة.

أخيراً؛ يُظهر بحثنا أنه يمكن الاستعانة بعلم الوراثة كأداةٍ للإجابة على الأسئلة حول دور البيئة في العديد من الأمراض؛ بما في ذلك الأمراض التي يصعب -أو من المستحيل- دراستها باستخدام أنواعٍ أخرى من الدراسة. النتائج التي توصلنا إليها تسلّط الضوء أيضاً على الحاجة الملحّة لاتخاذ تدابير وقائية أفضل لحماية الأطفال المعرضين لخطر سوء المعاملة؛ والتي من شأنها تقليل مخاطر الإصابة بأمراض الصحة النفسية في وقتٍ لاحق في حياتهم.