Reading Time: 3 minutes

الموت هو النهاية الطبيعية التي لا مفر منها، لكن يحرص بعض البشر على التأكد من أن ما سيحدث لأجسادهم بعد ذلك قد يكون أي شيء إلا الفناء. على مدى أكثر من قرنٍ من الزمان، أصبحت دورة الحياة في الولايات المتحدة تبدو كدائرةٍ غير مكتملة الغلق؛ تُشبه حدوة الحصان، بسبب انتشار طرق الدفن التي تحرم الأرض من إعادة استخدام ما تحويه أجسادنا من مواد خام ثمينة بعد موتنا. بيدو أن هناك بدائل أخرى، ففي المستقبل، قد تتحلل أعداد متزايدة من الجثث كما تقتضي الطبيعة.

1. التحنيط

يعود تاريخ التحنيط إلى مصر القديمة، وهو عبارة عن ملء الجثث بمواد كيماوية- مثل الفورم ألدهيد- للحفاظ عليها، ثم انتشرت هذه الظاهرة في الولايات المتحدة الأميركية في منتصف القرن التاسع عشر كوسيلةٍ لنقل جثث الجنود الذين لقوا مصرعهم أثناء الحرب الأهلية، أما اليوم، فيقوم متعهدو دفن الموتى في أميركا بتحنيط ما يناهز المليون جثةٍ كل عام. يتطلب الأمر استعمال ما بين 3 إلى 4 جالونات (11.35 – 15.1 لتر) من المواد الكيميائية لحفظ جسدٍ متوسط الحجم؛ وهو ما يمثل قدراً كبيراً من المواد المسرطنة التي تنتشر حولنا من الموتى.

تداعيات ذلك الأمر متعددة وخطيرة؛ فمثلاً، توضع الجثث التي تم تحنيطها في توابيت من الخشب والفولاذ، وتُدفن بعد ذلك في الأرض، وبدلاً من ترك الجسد للتراب، وإعادة العناصر المتواجدة في أجسادنا؛ مثل البوتاسيوم والكالسيو،م إلى الأرض نتيجة التحلل، فإن جثثنا تتحلل ببطءٍ في معزلٍ عن التراب، كما يؤدي نقص الأكسجين إلى تحلل الجسد وإطلاق غاز الميثان؛ وهو أحد غازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري، ويُعد أشد خطراً من غاز ثاني أكسيد الكربون؛ الذي ينتجه البشر أثناء عملية التنفس، وفي الوقت نفسه، يمكن أن يتسرب سائل التحنيط إلى التربة، ثم إلى المياه الجوفية، ويُحتمل أن يحدث ذلك بتركيزاتٍ خطيرة؛ بهذه الطريقة يكون عطاؤنا الأخير للبشرية بعد مماتنا هو «تسرب المواد السامة».

2. حرق الجثث

تُفضل بعض الدول إحراق جثث الموتى؛ وهو خيار أخف وطأة من استخدام المواد الكيميائية في التحنيط. أصبح ذلك شائعاً في الولايات المتحدة، حيث يشير «فيل أولسون»؛ الأستاذ المساعد في جامعة فرجينيا تك والمختص في دراسة الموت، إلى أن حرق الجثث يتوافق مع التحولات الثقافية السائدة، والشعور تجاه الموت.

على سبيل المثال، يعتقد معظم الناس أنه ليس من الضروري وجود الجسد كاملاً حتى يتمكنوا من إظهار مشاعر الحزن أو إعلان الحداد؛ وهو ما يؤدي إلى تقليل استخدام التحنيط. يقول أولسون: «يستجيب الناس لتغير الظروف الاجتماعية، فنحن الآن نقوم بإحراق حوالي نصف عدد جثث الموتى، وإذا استمر هذا الأمر، فسيصل الرقم إلى 79.1% من الجثث بحلول عام 2035.»، وعلى الرغم من بساطة هذه الظاهرة، فإن عملية إحراق جثث الموتى تستهلك الكثير من الموارد؛ حيث يتطلب حرق جسدٍ واحد وتحويله إلى رماد قرابة 28 جالوناً (105.99 لتر) من الوقود، وبالطبع، لن نحتاج لري العشب الموجود في المقابر؛ ما يُبقي إجمالي البصمة الكربونية أقل بنحو 10% من التحنيط والدفن.

3. الجنائز الخضراء

بدأ المواطنون في الولايات المتحدة في البحث عن خياراتٍ تقلل من الأثر البيئي السلبي لوفاتهم، فقد شهدت أكثر من 70% من المقابر الأمريكية زيادةً في الطلب على ما يسمى بالجنائز الخضراء. تستخدم هذه الجنائز مراسم دفن تحتوي على سائل تحنيط غير سام (يتكون من الزيوت الأساسية بدلاً من الفورم ألدهيد)، أو تلجأ إلى دفن الأجسام في الأرض كما هي. تقوم بعض المجموعات الدينية بذلك على الدوام: فاليهودية والإسلام- على سبيل المثال- يُحرّمان التحنيط.

خيارات أخرى

تحثُّ منظمات مثل منظمة «مشروع الوفاة الحضرية في واشنطن»، على إصدار تشريعات محلية تتيح المزيد من خيارات الدفن؛ حيث تتطلب العديد من قوانين الولايات حالياً مراسم دفن تقليدية أو إحراقاً من نوعٍ ما، ومن هذه البدائل؛ وضع الجثث في أوعيةٍ مليئةٍ بنشارة الخشب ليتم تحويلها إلى سماد عضوي. يوفر كلُّ شخصٍ يتم تحويله إلى غذاء للنبات- بدلاً من استخدام الطرق المعتادة- قرابة طن متري من غاز ثاني أكسيد الكربون؛ وفقاً للتقييم الخاص بالمنظمة، وقد يكون هذا أكثر قبولاً لدى الأميركيين من طقوسٍ مثل مراسم الدفن السماوي التبتية؛ التي تترك الجثث على قمم الجبال لتتحلل.

بالطبع فكرة ترك الجثث كغذاءٍ للطيور لن تكون فكرة سائدة، ويبدو أن أفضل طريقة للتخلص من جثةٍ ما بعد الموت هي تركها للتحلل.

اقرأ أيضاً: كيف يموت الناس من الإنفلونزا؟

نشرت القصة في العدد 14 ضمن أعداد مجلة بوبيولار ساينس