Reading Time: 7 minutes

في عام 2010، سمّت صحيفة «ذا نيويورك تايمز» فيتامين د بأنه أكثر مكمّل غذائي يتم الحديث عنه خلال العقد، وبعد حوالي 10 سنوات، زال هوس الناس بـ «فيتامين سطوع الشمس»؛ كما يُدعى، كما ذكرت الصحيفة في السنة الماضية أن الملايين يتناولون مكمّلات فيتامين د آملين في علاج الاكتئاب وحالات الإعياء، وحتّى المساعدة في مكافحة السرطان.

تقول «مونيك تيلو»؛ طبيبة في مستشفى ماس العام، ومشارِكة في مدوّنة «هارفارد هيلث»: «لقد رُوّج له بشكلٍ كبير، وهو أحد أشهر الفيتامينات حالياً، لكنّه مثير للجدل بين الأكاديميين؛ نتيجة وجود وجهتيّ نظر حول المستويات الصحيّة له، ودرجة حاجتنا له».

إذاً؛ ما الذي يفعله فيتامين د في الجسم؟ وما هي الكمية المناسبة التي يجب أن نتاولها؟ ومن منا يحتاج إلى تناول مكملاته؟ إليكم ما تحتاجون معرفته.

ما هو فيتامين د، وما هي وظيفته؟

وفقاً لـ «لفرانشيسكا كرو»؛ الباحثة وعالمة الأوبئة التغذويّة في جامعة برمنجهام في إنجلترا، فإن فيتامين د هو فيتامين قابل للانحلال في الدسم؛ مما يساعد في تعزيز امتصاص الكالسيوم في الأمعاء. عندما نتناوله، تحوّله أجسامنا إلى «الكالسيتريول (وهو الشكل النشط من هذا الفيتامين)، بعد ذلك؛ يحفّز الكالسيتريول الجسم على إنتاج مجموعة من البروتينات في الأمعاء؛ والتي وظيفتها هي نقل الكالسيوم من داخل الأمعاء عبر جدرانها إلى الدم، وبهذا؛ ووفقاً لكرو: «يكون فيتامين د ضرورياً للغاية لصحة العظام». بما أن الكالسيوم يساعد في النمو والحفاظ على قوّة العظام، وجدت الدراسات أن نقصه يمكن أن يؤدّي إلى أمراض العظام.

بالإضافة للحفاظ على صحة العظام؛ قد يكون هناك فوائد صحية أخرى لهذا الفيتامين؛ على سبيل المثال، بيّنت بعض الدراسات وجود آثار إيجابية محتملة له على الأمراض القلبية الوعائية، كما يقترح بعض الخبراء أنه يمكن أن يخفض معدّلات الأمراض التنفسية عند الأطفال والبالغين، ولكن حسب كرو؛ لم يتم التحقق من هذا بعد.

مصادر فيتامين د

وفقاً لإرشادات شركة «إيندوكرن سوسايتي» المتعلّقة بفيتامين د؛ فإن التعرّض لضوء الشمس هو المصدر الأساسي بالنسبة للأطفال والبالغين. عندما تتعرّض بشرتنا لأشعة فوق البنفسجية، فإنها تحفّز تركيبه عن طريق تحويل مركّب يدعى بـ «7-ديهيدروكوليسترول»؛ والذي تحتويه بشرتنا بشكل طبيعي، إلى فيتامين د 3، يسافر هذا الجزيء بعد ذلك عبر الكبد إلى داخل الكلى؛ حيث يُحوَّل إلى الكالسيتريول، كما يمكن أن توفّر الأطعمة والمكمّلات أيضاً الكالسيتريول.

مع ازدياد وعي العامّة بضرر الشمس وسرطان الجلد، ازداد عدد الأشخاص الذين يستخدمون الكريمات الواقية من الشمس أيضاً (وهذا يعود بشكلٍ أساسي إلى اختراع هذه الكريمات في سبعينيات القرن الماضي؛ مما تسبب في انتشارها الواسع)، وبهذا قد لا يصبح من السهل الحصول على ما تحتاجه أجسامنا من فيتامين د من الشمس وحدها. وفقاً لدراسة أُجريت في عام 2012؛ فإن استعمال كريم واقٍ من الشمس بدرجة «إس بي إف» تعادل الـ 30، يقلل من تركيب فيتامين د بنسبة 95%. مع ذلك؛ ووفقاً لتيلو؛ على أكثر التقديرات؛ معظم الأشخاص لا يستخدمون هذه الكريمات، أو لا يدهنون طبقة ثانية منها كما يفترض؛ مما يجعل استخدامها غير ضار.

تقول تيلو أن الأشخاص يجب أن يعرّضوا أذرعهم وأرجلهم لأشعة الشمس لمدّة تنحصر بين 5 و30 دقيقة مرتين أسبوعياً؛ حتى يحصلوا على مدخول يومي كاف من الفيتامين، إلّا أن هذه المدّة يجب أن تُزاد قليلاً بالنسبة للأشخاص أصحاب البشرة الداكنة؛ لأن الميلانين يحجب القليل من أشعة الشمس.

مع ذلك؛ هذا الأمر لا يعني أنه يجب عليك الاستلقاء تحت أشعة الشمس طويلاً؛ فكما تقول «ريبيكا باكست»؛ عالمة الأوبئة في كلية الطب في جامعة نيويورك: «يُركّب جسمنا هذا الفيتامين بشكلٍ طبيعي عندما يتعرض جلدنا لأشعة فوق البنفسجية من النمط بي، لكن هذه الأشعّة تتسبب في السرطان أيضاً؛ لذا يجب على الجميع تغطية أنفسهم واستخدام الكريمات الواقية». تبيّن وكالة المعاهد الوطنية للصحة ما يلي: «ليست هناك دراسات تحدد ما إذا كان تركيب فيتامين د المحفَّز من قبل الأشعة فوق البنفسجية من النمط بي، يمكن أن يحدث دون زيادة احتمال الإصابة بسرطان الجلد».

للأسف؛ تحتوي قلّة من الأطعمة على هذا الفيتامين بشكلٍ طبيعي، وتتضمّن هذه الأطعمة الأسماك الزيتيّة؛ مثل التونة، السلمون، والماكريل، كذلك البيض، وزيت كبد سمك القد، كما تُدعّم الأطعمة الأخرى؛ مثل عصير البرتقال، حبوب الفطور، والحليب، بفيتامين د في الكثير من البلدان.

بالطبع؛ تبيّن الأدلّة أن الأنظمة الغذائية تؤثّر بالفعل على مستويات هذا الفيتامين في جسم الإنسان؛ ففي إحدى الدراسات التي أُجريت في 2011؛ والتي اختبرت تأثيرات الحميات المختلفة -مثل التي تحتوي على اللحوم والأسماك، والحِميات النباتيّة والخُضرية- على مستويات فيتامين د، ووجدت كرو أن الخُضريين كان لديهم أقل نسب منه في الدم.

قد يحتاج بعض الأشخاص أيضاً إلى تناول المكملات الغذائية التي تحتوي على فيتامين د، ولكن هذا لا ينطبق على الجميع.

اقرأ أكثر عن مصادر فيتامين د

ما هي «النسب الصحيّة»؟

هذا سؤال هام للغاية، ولا يزال الجواب عليه غير محسوم حتّى بين الخبراء؛ إذ أن المنظّمات الطبية لديها العديد من التقديرات المختلفة للمستويات «الصحيّة» من فيتامين د، وإحدى الأسباب وراء هذا الغموض هي أن الاهتمام بهذا الفيتامين هو جديد نسبياً. تقول تيلو: «استطعنا قياس مستويات الفيتامين في الدم بسهولة منذ 15 سنة فقط»، ومنذ ذلك الحين؛ لم يصل الخبراء إلى رقم دقيق يبيّن المستوى الصحيّ.

على سبيل المثال؛ ووفقاً لتقرير من عام 2010 نُشر عن طريق منظّمة «ذا إنستيتوت أوف ميديسن»؛ يُعتبر الأشخاص الذين لا تتجاوز نسبة فيتامين د لديهم 20 نانوغرام/ ميليلتر مصابين بنقص. استنتج الخبراء في هذه المنظّمة أن النسبة الأخيرة (أو ما يتجاوزها)، هي كمية فيتامين د التي يحتاجها الجسم للحفاظ على صحة العظام، وفي نفس الوقت؛ تبيّن إرشادات الاستخدام السريري الخاصّة بشركة «إندوكرن سوسايتي»؛ والتي أُصدرت في 2011، أن النسب الأعلى من النسبة السابقة (على الأقل 30 نانوغرام/ميليلتر، ولكن يُفضّل أن تكون 40-60 نانوغرام/ميليلتر «لضمان الفعّالية»)، يجب تواجدها بناءً على نصائح «فرقة العمل الخاصّة بفيتامين د» التّابعة للشركة.

تقول تيلو أنّها تعتقد أن النسب الآمنة تقع بين 20 و 30 نانوغرام/ميليلتر، بالنسبة لمعظم الأشخاص «الذين يتّبعون نظاماً غذائياً متنوّعاً ويتعرّضون للقليل من أشعة الشمس، ليس من الصعب أن تقع مستويات الفيتامين لديهم في هذا المجال».

نتيجةً لأن معظم الأشخاص لا يتفقّدون مستويات فيتامين د لديهم؛ تبنّت بعض الحكومات والبلدان مجموعةً أكثر دقّةً من الإرشادات؛ على سبيل المثال، تقترح منظّمة «إنستيتوت أوف ميديسن» الأميركية أن يعادل المدخول 400-800 وحدة دوليّة؛ أو ما يقابل 10-20 ميكروغرام؛ وذلك بالنسبة لمعظم البالغين. (تقول تيلو أن معظم مكمّلات فيتامين د تقدّم جرعة تبلغ 600 – 800 وحدة دولية لكل يوم).

وفقاً لكرو؛ تنصح السلطات في إنجلترا بتناول 10 ميكروغرام من فيتامين د يومياً؛ وخصوصاً على شكل المكمّلات؛ إذ تقول: «هي كميّة قليلة، ولكن من الصعب بالفعل الحصول عليه من النظام الغذائي. لفعل ذلك، يجب تناول الأسماك الزيتيّة طيلة النهار؛ وهو أمر لا يجب فعله بسبب خطر التسمم بالزئبق وما إلى ذلك».

من هم الأشخاص العرضة للإصابة بنقص فيتامين د؟

وفقاً لكرو؛ تلعب العديد من العوامل دوراً في احتماليّة الإصابة بنقص فيتامين د، بعض المجموعات هي أكثر عرضةً من غيرها؛ مثل كبار السن الذين يتعرضون لأشعة الشمس بنسبة أقل، والأشخاص المصابين بأمراض تجبرهم على البقاء في المنزل، والأشخاص الذين لديهم بشرة داكنة؛ وذلك لأن الميلانين يقلل كمية الأشعة فوق البنفسجية من النمط بي التي يتعرّض لها الجلد، وهؤلاء الذين يغطّون جزءاً كبيراً من بشرتهم (لأسباب دينيّة مثلاً)، والأشخاص الذين لديهم مشاكل في امتصاص الكالسيوم؛ مثل هؤلاء المصابين بالدّاء البطنيّ؛ لأنّهم لا يستطيعون امتصاص فيتامين د أيضاً.

تقول تيلو: «هذه المجموعات يجب أن يتناول أفرادها المكمّلات»، تحثّ الإرشادات الغذائية الخاصّة بالأميركيين؛ والتي أُصدرت في 2005، الأفراد المعرّضين للإصابة بالنقص، على تناول 25 ميكروغرام من الفيتامين يومياً.

وفقاً لكرو؛ فإن الكريمات الواقية والغيوم والتلوّث هي عوامل ثؤثّر على كمية أشعة الشمس التي نتعرّض لها؛ لذا فالأشخاص الذين يعيشون في مدن لا تتعرّض للشمس كثيراً يمكن أن يكونوا عرضةً للإصابة بالنقص أيضاً.

أعراض الإصابة بنقص فيتامين د

ضعف امتصاص الكالسيوم والكساح

عدم الحصول على كمية كافية من هذا الفيتامين يمكن أن يتسبب بعواقب خطيرة ومخيفة بالفعل، ووفقاً لكرو؛ يعني النقص عند الأطفال أن «أجسامهم لا تكون قادرةً على امتصاص الكالسيوم بفعالية»، وينتج النقص عند الأطفال عادةً (إذا لم يتعرّضوا لأشعة الشمس على الإطلاق)، من عدم قدرة أجسامهم على امتصاص الكالسيوم بشكل جيّد، ويمكن أن يتسبب ذلك بالكُساح؛ وهي حالة وُصفت لأول مرة في القرن السابع عشر، وتتّسم بعدم قدرة أنسجة العظام على التمعدن؛ مما يليّن العظام ويضعفها، ويجعلها سهلة الكسر والتشوّه.

بحلول ثلاثينيّات القرن الماضي، أصبح الكُساح مرضاً نادراً في الولايات المتّحدة بعد بدء السلطات بتعزيز الحليب بالفيتامينات الضرورية، ولكن يبقى بعض الأطفال عرضةً للإصابة به. رُبط الكساح بالرضّع الذّين يرضعون حليب أمهاتهم حصراً؛ والذين تعاني أمهاتهم من نقص فيتامين د؛ الناتج في أغلب الحالات عن فرط استخدام الكريمات الواقية من أشعة الشمس، يصيب هذا المرض أيضاً بعض الأطفال الذين لا تتضمّن برامج مراكز الرعاية النهارية الخاصة بهم الكثير من النشاطات الخارجية، كما أنّه يمكن أن ينتج عن الاختلافات الجينية؛ وذلك وفقاً للمعاهد الوطنية للصحة.

وفقاً لكرو؛ عانى عدد متزايد من الأطفال في إنجلترا من الكساح في السنوات الأخيرة؛ إذ تقول: «هذا يعود بشكلٍ أساسيّ لازدياد نسب الهجرة»، وتضيف: «الأشخاص الذين لديهم بشرة داكنة يجب أن يعرّضوا بشرتهم للشمس لفترة أطول من الأشخاص الذين لديهم بشرة أفتح؛ بهدف الحصول على نفس الكمية من الفيتامين». تقول كرو أيضاً أن الكساح يظهر بشكلٍ متكرر عندما ينتقل الأشخاص ذوي البشرة الداكنة من مناطق تتعرّض للكثير من أشعة الشمس، إلى مناطق تتعرض لكمية أقل بكثير منها.

تلين العظام

يمكن أن تظهر حالة مشابهة للكساح عند البالغين تسمّى «تليّن العظام»؛ نتيجةً لانخفاض نسب فيتامين د، وتتسبب في ضعف العظام، تقول تيلو أن هذه الحالة رُبطت أيضاً بهشاشة العظام، الكُساح وتليّن العظام هي حالات قابلة للعلاج عن طريق تناول مكمّلات فيتامين د التي تكون بمستوى فعالية المكمّلات التي توصف عن طريق طبيب.

الإعياء وتغيرات في عضلة القلب

وفقاً للشهادات الشخصيّة؛ فإن انخفاض نسب فيتامين د يرتبط بحالات الإعياء، النوبات، والتغيّرات في عضلة القلب، ولكن ليست هناك بيانات كافية أو دراسات لتحديد مقدار انخفاض نسب الفيتامين التي تتسبب بهذه الحالات، أو لمعرفة ما إذا كانت هناك عوامل أخرى تلعب دوراً في الإصابة.

اقرأ أكثر عن تناول فيتامين د في فصل الشتاء

هل هناك جرعة زائدة من فيتامين د؟

في حين أن الحصول على هذا الفيتامين من المصادر الطبيعية ليس أمراً ضارّاً؛ إذ أن جسم الإنسان يتحكّم بالكمية التي يحصل عليها من هذا الفيتامين من الشمس والأطعمة ويمكنه أن يخزّنها للشتاء، إلّا أنه هناك أخطاراً حقيقيةً مرتبطةً بتناول كميات زائدة من المكمّلات.

أبلغت «جينا كولاتا»؛ صحفية تعمل في صحيفة نيويورك تايمز، في السنة الماضية، أن بعض الأشخاص «يتناولون جرعات عاليةً من المكمّلات يمكن أن تكون خطيرة؛ إذ انّها قد تتسبب بفقدان الشهيّة، الغثيان، والقيء».

تقول تيلو أنّها شهدت هذه الحالات ضمن ممارستها للطب أيضاً: «رأيت مرضى تناولوا هذه المكمّلات بشكلٍ يومي؛ لأنهم ظنّوا أنّهم يفعلون شيئاً صحّياً لأنفسهم». ارتفاع نسب الكالسيوم باعتدال -كنتيجة لارتفاع نسب فيتامين د- على مدى فترة طويلة من الزمن، يمكن أن يؤدي إلى آلام بطنيّة، التبوّل بشكلٍ متكرر، وتشكّل الحصى الكلوية؛ وهذا قد يضعف العظام حتى. تقول تيلو: «قد يعاني الأشخاص من هذه الحالات دون معرفة السبب».

هل يجب أن تخضع لاختبار بهدف تحديد نسبة فيتامين د؟

وفقاً لتيلو؛ فإن قياس نسب فيتامين د ليس متضمّناً في أي مجموعة تحاليل طبية روتينّة حالياً، ومعظم الأشخاص لا يحتاجون للقلق من نسب هذا الفيتامين أو حول إجراء اختبارات لقياسها. في تقرير إرشادي أُصدر في 2014 عن طريق «فريق عمل الخدمات الوقائية الأميركي»، ونُشر في دورية «أنالز أوف إنتيرنال ميديسن»، وافقت إحدى اللجان على أن معظم الأشخاص ليس عليهم حتى أن يعلموا ما هي نسب الفيتامين لديهم.

تأمل تيلو في أن المجتمع الطبّي سيصل إلى إجماع حول نسب فيتامين د التي يُنصح بها بالنسبة لمجموعات مختلفة من البشر، وبهذا؛ سنصبح قادرين على الحصول على الكمية الملائمة من أشعة الشمس (أو المكمّلات الضرورية) التي نحتاجها.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.