Reading Time: 5 minutes

اختُرعت السمّاعة الطبية عام 1816 على يد الطبيب الفرنسي «رينيه لينيك». كان الطبيب قد استُدعي آنذاك لفحص فتاةٍ تشكو من مرضٍ في قلبها؛ ولكن الفتاة رفضت أن يضع الطبيب أذنه على صدرها كما جرت العادة حينها ليستمع إلى ضربات قلبها، فلجأ إلى لفّ ورقةٍ على شكل اسطوانةٍ للقيام بذلك، وما أن فرغ من فحصها حتى كانت قد اختمرت في رأسه فكرة «السماعة الطبية» التي تطوّرت إلى شكلها الحالي؛ إذ يستخدمها الأطباء اليوم في مختلف أنحاء العالم. كان لينيك رائداً في ممارسة الاستماع إلى الأصوات التي تصدرها الأعضاء الداخلية (أو التّسمُع).

لو كُتب له الحياة إلى ذلك الحين؛ لا شكّ في أن لينيك كان لِيسرّ جداً بالخبر الذي ظهر في عدد دورية بوبيولار ساينس لشهر يوليو/تموز عام 1921؛ والذي يقول: «بات بإمكان الأطباء في نيويورك الآن الاستماع إلى قلوب مرضاهم في سان فرانسيسكو»؛ إذ نجح الخبراء بوصل السماعة الطبية بجهاز إرسالٍ بحجم راحة اليد عبر أنابيب مفرّغة وخط هاتف إلى الطرف الآخر، ليخرج الصوت عبر جهاز فونوغراف مكبّرٍ للصوت بحيث «أصبح صوت دقّات قلب المريض عالياً بما فيه الكفاية بحيث يمكن سماعه في جميع أنحاء القاعة الكبيرة»، وهي تقنيةٌ طورها الجيش الأميركي في البداية لفحص جنوده عن بعد وفقاً لما ذكرته دورية «تيلفوني» آنذاك.

وفي سبتمبر/ أيلول من عام 1924، نشرت دورية بوبيولار ساينس خبراً عن اختراعٍ جديد كان عبارةً عن «سماعة طبية» صغيرة محمولة على عربة متحركة يمكنها بثّ صوت ضربات قلب المريض إلى عددٍ كبير من الأطباء، وعُرض الجهاز في مؤتمر الجمعية الطبية الأميركية في شيكاغو. كانت مثل هذه الاختراعات تعدُ بتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات الطبية من خلال جعلها متحرّكةً، وإمكانية إرسالها إلى المناطق النائية. على مدى القرن الماضي، كان التقدّم نحو تحقيق هذا الوعد بطيئاً جداً؛ ولكن، ومع التطور التقني الكبير في السنوات الأخيرة -ومع ما أثارته الجائحة- اكتسب هذا الوعد زخماً جديداً.

بالرغم من ابتكار السمّاعة الطبية عن بعد عام 1921، فإن مراقبة القلب عن بعد لم تبدأ عملياً إلى أن تمّ طرح جهاز هولتر -جهاز تخطيط القلب المحمول- تجارياً في أوائل الستينيات؛ إلا أن الجهاز واجه بعض المشاكل العملية حالت دون إمكانية ارتدائه أكثر من بضعة أيام؛ إذ أن الأسلاك المتشابكة والأقطاب الكهربائية التي تنقل إشارة القلب الكهربائية، وحجم المُسجّل الثقيل جعلت المرضى يفقدون صبرهم مفضلين عدم ارتداء الجهاز. ورغم ذلك؛ استمر استخدام هذا الجهاز لأكثر من خمسة عقود.

تقول «فرانسواز مارفيل»؛ زميلة جامعة جونز هوبكنز لأمراض القلب والمديرة التنفيذية لخدمة المراقبة الرقمية «كوري هيلث»: «يتغير الطب ويتكيّف ببطء». بالنسبة إلى مارفل التي تقول عن نفسها أنها أخصائية في الصحة الرقمية؛ يمكن أن تكون وتيرة تقدّم الطب البطيئة محبطةً، حتى لو كانت خصوصية المرض وسلامته تفرض ذلك، وتضيف: «كان تقدّم مراقبة القلب عن بعد بطيئاً جداً، إلى أن ظهر الهاتف الذكي».

أجهزة طبية

التقنية والعلاج عن بعد

اجتمعت 3 تطوّراتٍ تقنية على مدى العقد الماضي لتطوير العلاج عن بعد؛ إذ طرأ تحّسن كبير في أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء، وازداد عمر البطاريات القائمة عليها، وأصبحت شبكات البيانات عالية السرعة متاحةً على نطاقٍ أوسع، كما نمت التحليلات التي غالباً ما تكون مدعومةً بالتعلّم الآلي ويمكنها نقل النتائح والتحذيرات لحظياً. كذلك خلص تقرير نُشر في شهر أبريل/ نيسان عام 2020 في دورية الكلية الأميركية لأمراض القلب، إلى أن تقنيات مراقبة اضطرابات القلب عن بعد «تُظهر تقدماً كبيراً في الكشف المبكّر عن الحالات المهددة للحياة والأعراض المفاجئة من خلال المراقبة المستمرة طويلة المدى».

هناك أيضاً أدلة متزايدة على أن هذه الممارسة تؤدي إلى نتائج أفضل من الناحية الطبية والمالية، فقد وجد تقرير «مايو كلينيك» لعام 2015 أن المرضى الذين خرجوا من المستشفى وانضموا إلى دراسةٍ طبية تنطوي على استخدام الهاتف الذكي لتسجيل ضغط الدم والوزن يومياً، انخفض معدّل دخولهم مرّةً أخرى إلى المستشفى إلى 20% مقابل 60% للمجموعة الشاهد. وقد أظهرت تجارب برنامج “كوري هيلث” الذي تديره مارفل؛ سواء التي نُشرت نتائجها أو ما تزال قيد التنفيذ الآن، نتائجَ مماثلةً باستخدام المراقبة اليومية لضغط الدم كجزءٍ من برنامج أكثر شمولاً.

أجهزة طبية للمراقبة والعلاج عن بعد

لم تعد أجهزة هولتر أو أجهزة قياس ضغط الدم المحمولة هي الأجهزة الوحيدة القادرة على مراقبة صحة القلب عن بعد؛ إذ باتت هذه التقنيات مُضمنةً في العديد من الأشياء حولنا بدءاً من ساعات آبل، وصولاً إلى الملصقات الذكية. على سبيل المثال؛ تقدم شركتا «ستيثومي» و«ثينكلابس» المتخصصتان في صناعة المعدات الطبية، سماعاتٍ طبية رقمية صغيرةٍ بحجم القرص يمكن استخدامها في المنزل، وتقوم بتسجيل ومشاركة قراءات الجهاز التنفسي والقلب. بينما تقدّم شركة «ألايفكور» قارئ «كارديا موبايل» للمؤشرات الحيوية من خلال الأصابع، وهو مزوّد بتطبيقٍ للهاتف الذكي لمشاركة القراءات. كما تقدم شركة «آي ريتم» ملصقةً ذكيةً بحجم القلادة تلتصق مباشرةً بالصدر، ويمكن ارتداؤها طوال 30 يوماً متواصلة. والآن؛ وبعد قرنٍ من على اختراع أول سماعةٍ طبية عن بعد، بدأ الجيش الأميركي باستخدام هذه التقنيات الحديثة، وأجرى تجارب على استخدام جهاز تعقب قوي للحالة الصحية عن بعد على جنوده؛ يدعى «ووب».

أصبحت ساعة آبل أول جهاز قابل للارتداء يقتحم المجال الطبي، فقد نالت الشركة موافقة الإدارة الأميركية للدواء والغذاء على استخدام مستشعر هذه الساعة والتطبيق المرافق لها في كشف الرجفان الأذيني؛ وهو اختلال في نبض القلب قد يؤدي إلى مجموعة من المشاكل القلبية؛ بما فيها الجلطة، والسكتة، والفشل القلبي.

قد تتوسّع أدوات المراقبة عن بعد أكثر في المدى المنظور. تتوقع شركة البحوث والاستشارات «جارتنر» أن ينمو سوق الملابس الذكية القابلة للارتداء إلى أكثر من ملياري دولار بحلول العام المقبل. على سبيل المثال؛ يمكن لقميص «هيكسوسكين» الذكي قياس معدّل ضربات القلب باستمرار، بينما تقدّم الشركة الألمانية «أمبيوتكس» قميصاً ذكياً آخر للتبّع معدل ضربات القلب. وفي عام 2019 طوّر فريق «جورجيا تِك» نظاماً إلكترونياً مرناً قابلا للتمدد ورقيقاً بدرجة كافية ليكون جزءاً من الملابس وقادر على قياس عددٍ كبير من المؤشرات الحيوية؛ مثل تخطيط ومعدّل ضربات القلب، معدّل التنفس والحركة. ولكن، ورغم تطوّر التقنيات واستفادة صناعة مراقبة القلب عن بعد من ذلك؛ يوجد تباينٌ بين الناس في مدى تبنّي هذه التقانات الجديدة؛ إذ تبين الأدلة المتزايدة على أنّ الأشخاص الأصغر سناً أو المتمرسين في مجال التكنولوجيا يتبنون الساعات الذكية وأجهزة الاستشعار الحيوية الأخرى، بينما يقاوم الأطباء وكبار السن والعديد من شركات التأمين تبني هذه التقنيات لأنها يمكن أن تكون باهظة الثمن، أو لأن فائدتها غير مثبتة أو لصعوبة التعامل معها.

دور جائحة فيروس كورونا في تبنّي العلاج عن بعد

بالرغم من كلّ الخسائر والمعاناة والنكسات التي سببتها جائحة فيروس كورونا؛ لكن الأطباء والمرضى تعلّموا الاعتماد على العلاج عن بعد، ففي الربع الثاني من عام 2020 وحده، أفادت الجمعية الطبية الأميركية أن عدد مراجعات العلاج عن بعد زادت بما يقارب 10 أضعاف عمّا كانت عليه في العام السابق إلى 35 مليون مراجعة، بينما انخفضت زيارات العيادات الشخصية بنسبة 50% في ذات الفترة.

ويشير تقرير صادر عن شركة المعلومات الصحية البريطانية «IQVIA» في يوليو/ تموز عام 2020 إلى أن الأطباء يتوقعون زيادة اعتماد مرضاهم على الرعاية الصحية عن بعد من نسبة 6% إلى 25% بعد انتهاء الجائحة. ويتنبأ تقرير مركز بيو للأبحاث لعام 2021 أن الحياة ستكون «أكثر اعتماداً على التكنولوجيا» في أعقاب جائحة كورونا؛ بما في ذلك ظهور «إنترنت الأشياء الطبية» مع ظهور مستشعراتٍ وأجهزةٍ جديدة تسمح بمراقبة أنواعٍ جديدة من المرض.

بعض الشركات الآن مثل شركة «ميدواند» المتخصصة بالاختبارات الجسدية وشركة «بترفلاي» المتخصصة بتصنيع أجهزة المسح الطبية القائمة على الموجات فوق الصوتية، وشركة «بوكدوك» المتخصصة باختبارات الدم. تقدم أدواتٍ رقميةٍ حديثة يمكنها إجراء الاختبارات الطبية عن بعد – سواء كان ذلك في المنزل أو من مكان العمل، أو في منشأةٍ بعيدة مختصة بالرعاية الصحية.

باتت مراقبة القلب عن بعد في الوقت الحاضر مختلفةً كثيراً بعد قرنٍ من وصف بوبيولار ساينس كيف يمكن نقل صوت دقّات قلب المريض ليسمعه أطباءٌ آخرون متجمعين في قاعةٍ بعيدة. تقول مارفل: «أعتقد أن جائحة فيروس كورونا قد سرّعت نمو العلاج عن بعد، وأظهرت بأنه يمكن أن يكون مرناً وذو فائدةٍ كبيرة، ولذلك أعتقد أن الباب مفتوح أمام تطوّره مع حاجتنا المتزايدة إليه، وإمكانية الاستفادة الكاملة من المزايا التي تقدمها هذه التكنولوجيا».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.