Reading Time: 4 minutes

برزت دولة سيشيل؛ المكوّنة من أرخبيلٍ من الجزر الصغيرة والواقعة شمال شرق مدغشقر في المحيط الهندي، كأكثر دول العالم التي حصل سكّانها على لقاح كوفيد-19؛ حيث تلقى حوالي 71% من سكانها جرعة لقاحٍ واحدةً على الأقل، وتلقّى 62% الجرعات كاملةً؛ من بينهم 57% تلقّوا لقاح سينوفارم و43% لقاح أسترازينيكا، وبالرغم من معدلات التطعيم العالية؛ زادت الحالات في الآونة الأخيرة؛ حيث كانت 37% من الحالات النشطة الجديدة، و20% من الحالات التي أُدخلت إلى المستشفى، قد تلقّت التطعيم بالكامل، ونتيجةً لذلك؛ كان على البلاد إعادة فرض بعض القيود؛ ولكن كيف لذلك أن يحدث؟ هناك عدة تفسيراتٍ محتملة لتجربة دولة سيشيل ولقاحات كورونا:

1. لم تتحقق عتبة مناعة القطيع المطلوبة، فلم يكن تطعيم 62% من السكان بشكلٍ كامل كافياً لتحقيق مناعة القطيع على ما يبدو.

2. لا يمكن الوصول إلى مناعة القطيع، لأن فعالية اللقاحين المُستخدمين غير كافية.

3. المتغيرات المقاومة للّقاح هي السائدة في سيشيل.

4. انتشار المتغيّر الهندي؛ والذي يبدو أنه مُعدٍ أكثر من المتغيرات الأخرى.

5. فشل معدّات التبريد اللازمة لنقل وتخزين اللقاحات؛ مما أفسد اللقاحات وجعلها عديمة الفعالية.

ماذا تعلمنا تجربة «سيشيل» عن المتغيرات وفعالية اللقاح ومناعة القطيع؟

اقرأ أيضاً: أمامنا وقت طويل قبل الوصول إلى «مناعة القطيع»: ماذا يعني ذلك؟

متغيّرات فيروس كورونا يمكن أن تفلت من حماية اللقاح

هناك تقارير عن أن متغيّر فيروس كورونا في جنوب إفريقيا «B.1.351» منتشرٌ في سيشيل، ويُظهر هذا المتغيّر القدرة الأكبر من بين المتغيّرات الأخرى -حتى الآن- على الهروب من الحماية التي يوفرها اللقاح ضدها.

لقد أظهرت إحدى الدراسات التي جرت في جنوب أفريقيا، أن فعالية لقاح أسترازينيكا في الوقاية من هذا المتغيّر تتراوح بين 0 و10% فقط؛ مما دفع حكومة جنوب إفريقيا إلى التوقف عن استخدام هذا اللقاح في فبراير/ شباط الماضي، بينما لا تُعرف فعالية لقاح سينوفارم ضد هذا المتغيّر؛لكن بعض الدراسات المخبرية تُظهر انخفاضاً في فعاليته، ومع ذلك؛ لا توجد مسوحاتٌ شاملة لمعرفة الحالات التي يسببها المتغيّر الجنوب الأفريقي هناك.

أصبح المتغيّر البريطاني «B117» -وهو أكثر عدوىً من السلالة الأصلية- هو المتغيّر السائد في الولايات المتحدة، ومع ذلك؛ لا تزال الولايات المتحدة تسجل انخفاضاً كبيراً في الإصابات بفضل التطعيم؛ حيث يتلقى معظم السكان لقاحي فايزر ومودرنا، كما كان المتغير البريطاني سائداً في «إسرائيل» أيضاً؛ حيث قامت بتطعيم 60% من سكانها بلقاح فايزر الذي تبين أن فعاليته تصل إلى 92% ضد أي عدوىً؛ بما فيها العدوى بدون أعراض، وقد شهدت البلاد انخفاضاً كبيراً في الحالات الجديدة.

بينما استخدمت المملكة المتحدة مزيجاً من لقاحي فايزر وأسترازينيكا، وقد تلقّى 50% من السكان جرعةً واحدةً، وحوالي 30% التطعيم الكامل، وقد شهدت البلاد أيضاً انخفاضاً في أعداد الحالات؛ ولكن هناك زيادة حالية في الإصابات في شمال غرب إنجلترا، فقد كانت معظم الحالات الجديدة في مدينة بولتون بسبب المتغيّر الهندي، وينتشر هذا المتغير أيضاً في سنغافورة بعد أن كانت تسيطر على الفيروس جيداً في السابق.

تحتاج سيشيل بشكلٍ عاجل إلى دراساتٍ لسلالات جينوم فيروس كورونا المختلفة لتحديد المتغيرات المنتشرة، ومعرفة ما إذا كان المتغير الهندي منتشراً في البلاد، وإذا كان المتغيّر الجنوب إفريقي هو السائد؛ تحتاج البلاد لاستخدام لقاحٍ فعّال في الوقاية منه. تنتج العديد من الشركات معززاتٍ تستهدف هذا المتغير، ويُعد لقاح فايزر حالياً أحد الخيارات المتاحة، وقد وجد باحثون محليون في دولة قطر أن لقاح فايزر يمتلك فعالية تصل إلى 75% في الوقاية من المتغيّر الجنوب أفريقي.

نحتاج لاستخدام لقاحات عالية الفعالية لتحقيق مناعة القطيع

بلغت فعالية لقاح سينوفارم 79%، وأسترازينيكا 62-70% في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، وقد أظهر بحثنا في معهد «كيربي» أن استخدام لقاح تصل فعاليته إلى 90% ضد جميع أنواع العدوى في «نيو ساوث ويلز» في أستراليا، يمكن أن يحقّق مناعة القطيع إذا حصل 66% من السكّان على اللقاح.

لكن استخدام لقاحاتٍ أقل فعاليةً سيؤدي بالضرورة إلى الحاجة إلى تطعيم المزيد من السكان، فإذا كانت فعالية اللقاح 60% مثلاً، فإننا بحاجةٍ إلى تطعيم كامل السكّان، وهكذا، فإذا استخدمنا لقاحاً فعاليته أقل من 60%؛ لا يمكن تحقيق مناعة القطيع.

كم عدد السكان الذين يجب تطعيمهم لتحقيق مناعة القطيع؟

نسبة السكان المطلوب تطعيمهم للوصول إلى مناعة القطيع عند R0=2.5. كلما زاد R0، سنحتاج إلى تطعيم المزيد من السكان – المخطط: الكاتبة

أُجريت الحسابات السابقة باعتبار متغيّر فيروس كورونا الأصلي «D614G» هو السائد، وأنه تسبب بمعظم الحالات عام 2020، ويبلغ رقم التكاثر الأساسي «R0» لهذا المتغير 2.5؛ أي أن كل شخصٍ يمكن أن ينقل العدوى إلى 2.5 شخص في المتوسط.

لكن متغيّر «B117» معدٍ أكثر بنسبة 43 – 90% من متغير «D614G»، لذلك قد يصل R0 الخاص به إلى 4.75؛ وذلك يعني بالضرورة الحاجة إلى معدلات تطعيمٍ أعلى للسيطرة على انتشار المرض. علاوةً على ذلك؛ تذهب التقديرات إلى أن المتغير الهندي «B1617» مُعدٍ أكثر من متغيّر B117 بنسبة 50% على الأقل؛ مما سيجعل قيمة R0 له تصل إلى أكثر من 7؛ الأمر الذي لم يُوضع في الحسبان حتى الآن.

قد يفسّر ذلك الوضع الكارثي في الهند، ويزيد الرهان على فائدة التطعيم في هذه الحالة، لأن اللقاحات الأقل فعاليةً لن تكون قادرةً على احتواء مثل هذه المتغيرات عالية الانتقال بشكلٍ فعال. بكل الأحوال؛ ما تزال مناعة القطيع ممكنةً، لكنها تعتمد على فعالية اللقاح المستخدم، ونسبة الأشخاص الذين تلقّوا التطعيم.

لقد وجدت إحدى الدراسات في المملكة المتحدة -والتي استخدمت نموذجاً حاسوبياً- أن استخدام لقاحاتٍ منخفضة الفعالية جداً سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد تماماً على مدى 10 سنوات، لأنه سيفشل في السيطرة على انتقال العدوى، بينما ستؤدي اللقاحات عالية الفعالية إلى نتائج اقتصادية أفضل بكثير.

تطعيم العالم هو السبيل الوحيد لإنهاء الوباء

بعد التعرف إلى تجربة دولة سيشيل ولقاحات كورونا، ومع استمرار تفشي وباء كورونا في بعض أجزاء العالم، تزداد خطورة نشوء طفراتٍ أكثر خطورةً قد تكون مقاومة للقاحات، أو مُعدية جداً بحيث لا يعود بالإمكان السيطرة عليها من خلال اللقاحات المتوفرة حالياً، كما سيكون من الصعب للغاية مواكبة الطفرات التي تظهر بين الحين والآخر.

الشيء الأساسي الذي تعلمناه من الجائحة أن أفضل استراتيجيةٍ لإنهائها هي أنه كلما أسرعنا في تطعيم العالم بأسره، أسرعنا في السيطرة على ظهور متغيرات جديدة.

الوسوم: لقاح كورونا