Reading Time: 4 minutes

لا يمكنك شراء واحدة من السيارة ذاتية القيادة اليوم؛ لكن شركات صناعة السيارات حول العالم تتسابق لتصبح الشركة الأولى التي تضع مثل هذه السيارة في صالات العرض. في الواقع؛ لا توجد شركتان تتبعان نفس المسار التقني لتحقيق ذلك؛ إذ تستفيد بعض الشركات من تقنيات الاستشعار عن بعد مثل تقنية اكتشاف الضوء وتحديد المدى أو اختصاراً «الليدار»، بينما يستخدم البعض الآخر أجهزة استشعار قائمة على الرادار تساعد في اكتشاف العوائق التي يصعب رؤيتها على الطريق؛ لكن عادةً ما تستخدم الشركات التي تعمل في مجال التكنولوجيا الذاتية مزيجاً من تقنيات الليدار والرادار والكاميرات.

تعتقد شركة تسلا أن نظام التعرّف على الصور القائم على الرؤية باستخدام الكاميرات فقط، هو مفتاح نجاح السيارة ذاتية القيادة، بالإضافة إلى أنه قليل التكلفة.

لكن هناك مشكلةً في طريقة تسلا؛ إذ أن إتقان القيادة الذاتية القائمة على الرؤية والكاميرات فقط أمر صعبٌ حقاً؛ حيث يتطلب ذلك استخدام نظامٍ يتم تحديثه باستمرار بحيث يمكنه التكيّف بسرعة مع ظروف الطريق المستجدة والمتغيرة، ومن ثم يجب أن يكون قادراً على مشاركة هذه المعلومات مع المركبات الأخرى على الطريق. يتطلب هذا النوع من التعلّم قوة معالجةٍ أكبر بكثير مما هو متاح في مركبةٍ واحدة. في الواقع؛ يتطلب ذلك حاسوباً عملاقاً.

حاسوب فائق للسيارات ذاتية القيادة

كشف «أندريه كارباثي»؛ كبير مديري الذكاء الاصطناعي في شركة تسلا -خلال عرض تقديمي في المؤتمر الدولي المشترك حول الرؤية الحاسوبية والتعرف على الأنماط في وقت سابق من هذا الشهر- عن أن الشركة كانت تعمل على مشروعٍ لتحقيق هذا الهدف بالضبط.

لم تطلق تسلا اسماً محدداً على الحاسوب الفائق الجديد، على الأقل لم يخرج إلى العلن. يتكوّن الحاسوب الفائق من 720 جهاز كمبيوتر فردي يُدعى كلّ منها عُقدة. تحتوي كل عقدة على 8 معالجاتٍ رسومية من نوع «نيفادا إيه 100»؛ سعة الواحد منها 80 غيغابايت قادرةٍ على إجراء حساباتٍ فاصلة عائمة عالية الكثافة؛ ما يعادل قوة معالجة تبلغ حوالي 500 مرة قوة معالجة كمبيوتر سطح المكتب القياسي.

إجمالاً، تحتوي مجموعة الحاسوب العملاق على 5760 وحدة معالجة رسومية، أو ما يكفي لمعالجة 1.8 إكسافلوب من قوة المعالجة. يعتقد كارباتي أن ذلك يجعل من حاسوب تسلا الفائق خامس أقوى بيئةٍ حوسبية في العالم بأسره؛ نظرياً على الأقل.

تستخدم سيارة تسلا الحديثة نظاماً متقدماً لمساعدة السائق يُسمى «الطيار الآلي». يتيح هذا النظام للسيارة الاستفادة من 8  كاميراتٍ خارجية تجمع البيانات حول محيط السيارة، وعند تشغيلها وحيثما أمكن؛ تقوم بالتحكّم بالتوجيه وبعملية التسارع والفرملة تحت إشراف السائق. في حين أنه لا ينبغي الخلط بين طريقة القيادة هذه، وبين القيادة الذاتية المتقدمة من «ويمو»؛ إلا أنها خطوة وسيطة تستخدم الأتْمَتة الجزئية لسد الفجوة بين القيادة اليدوية، والتحكّم الذاتي الكامل.

يستخدم نظام الطيار الآلي المعلومات التي تُجمع من جميع سيارات تسلا على الطريق لتحسين قرارات القيادة. بينما تسير سيارة تسلا على طول الطريق؛ تقوم كاميراتها الخارجية بجمع البيانات باستمرار حول البيئة الخارجية، وتقوم أجهزة الكمبيوتر في السيارة بدراسة هذه البيانات، وتضع تنبؤات حول كيفية التصرف في سيناريو معين دون الحاجة إلى التحكم في السيارة نفسها.

تتم مشاركة هذه المعلومات ضمن بيئة تعلّم الآلة التي تُدعى «الشبكة العصبية». تُسجل التنبؤات وتُرسل إلى تسلا مجدداً لتحديد ما إذا كان القرار صحيحاً أو ما إذا كان هناك أية بياناتٍ خاطئة، وإذا كان الأمر كذلك؛ تُستخدم البيانات باستمرار خلال الحاسوب العملاق لتعديل سلوكه من أجل تقليل نسبة الخطاً، وتدريب نظام الطيار الآلي وتحسينه باستمرار.

اقرا أيضاً: 4 أسئلة تشرح لك ما هي الشبكة العصبية؟

لا تستهلك هذه الطريقة قدراً كبيراً من طاقة المعالجة فحسب؛ بل تتطلب أيضاً سعة تخزين كبيرةً لتخزين المليون مقطع؛ مدة كل منهم 10 ثوانٍ؛ مما يشكل مجموعة بيانات تسلا الخاصة بتدريب الطيار الآلي. تتطلب هذه المقاطع وحدها 1.5 بيتابايت من مساحة التخزين، بينما يستطيع النظام نفسه تخزين حوالي 10 بيتابايت من البيانات على وحدة تخزين «إن إف مي» فائقة السرعة.

وعلى نحو متصل، فقد كان إيلون ماسك؛ الرئيس التنفيذي لشركة تسلا، أعلن سابقاً عن «مشروع دوجو»؛ وهو حاسوب فائق لا يستخدم وحدات المعالجة الرسومية؛ ولكنه يستخدم رقائق تنتجها الشركة نفسها، وبينةً حاسوبية محسنة لتدريب الشبكة العصبية، وقد أشار ماسك حينها إلى أن إنشاء اتصال عالي السرعة بين المكونات والتبريد الفعال كان تحدياً دائماً؛ بالرغم من أن المشروع كان قيد التنفيذ.

نظراً لأن الحاسوب الفائق الذي أعلن عنه كارباتي يستخدم وحدات معالجة الرسومات من شركة «إنفيديا»، فلا يبدو أن هذا الجهاز العملاق له صلة بمشروع دوجو. ومع ذلك؛ ما يزال المشروع يلعب دوراً مهماً في هدف تسلا النهائي المتمثل في أن تكون أول صانع سيارات قادر على تشغيل مركبةٍ ذاتية القيادة بالكامل على الطرق العامة.

قُوبل هدف تسلا الطموح بتشكيكٍ كبير من قِبل قادة صناعة السيارات والمعارضين للسيارات الذاتية القيادة القائمة على الرؤية فقط؛ خصوصاً بعد رفض تسلا تضمين تقنية الليدار فائقة الدقة في سياراتها ذاتية القيادة.

لا تستخدم سيارات تسلا التي تسير على الطرقات اليوم تقنية الليدار. كان ماسك قد انتقد هذه التقنية وصفها بـ «العكّاز» في محاولةٍ منه للترويج لنظام تسلا القائم على الرؤية قبل أن يستغني عن الرادارات التكميلية في وقتٍ سابق من هذا العام. نتيجةً لذلك؛ خسرت تسلا تصنيف الأمان الذي كانت تتمتّع به سياراتها حسب الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة.

في هذه الأثناء؛ قررت شركة فولفو تضمين تقنية الليدار كميزةٍ قياسية في الجيل القادم من سياراتها الكهربائية من طراز «XC90 SUV».

بالنسبة لتسلا؛ سيساعد الجيل الحالي من الحواسيب الفائقة في تدريب نموذج الطيار الآلي الخاص بها، ومن المرجّح أن يسهم مشروع دوجو القادم بذلك أيضاً. سيكون الوقت كفيلاً بكشف ما إذا كانت التكنولوجيا القائمة على الرؤية ستتفوّق على التقنيات الأخرى المنافسة، وما إذا كانت هذه الخطوة ستعزّز مكانة تسلا كشركةٍ رائدة في قطاع النقل الذاتي أم العكس.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.