كيف تؤثر أجهزة تنظيف المحيطات من الجزيئات البلاستيكية على أشكال الحياة البحرية؟

5 دقائق
كيف تؤثر أجهزة تنظيف المحيطات من الجزيئات البلاستيكية على أشكال الحياة البحرية؟
التخلّص من النفايات حل جزئي فقط لمعضلة تلوث المحيطات. أنسبلاش
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

كل عام، يصل أكثر من 14 مليون طن من البلاستيك إلى المحيطات ويهدد حياة العديد من أنواع الحيوانات البحرية. تتألف نسبة 80% تقريباً من النفايات البحرية من المواد البلاستيكية، ما يبيّن مدى التلوث العالمي الذي تتسبب فيه هذه المواد.

طوّر بُناة القوارب والبحارة والمهندسون ابتكارات تكنولوجية مثل جهاز سلة المهملات البحرية (Seabin) أو سفينة مستر تراش ويل (Mr. Trash Wheel) للتقليل من كمية القمامة التي تطفو في المحيط. ابتكارات التنظيف الميكانيكي هذه هي عبارة عن أجهزة تعمل في مواقع ثابتة تم تصميمها لعزل القمامة البحرية من المسطحات المائية المختلفة وإزالتها. تعمل هذه الأجهزة من خلال امتصاص الماء من السطح وترشيح الحطام العائم أو إزالة القمامة من الماء ووضعها على حزام ناقل يجمعها في مكب مخصص.

مع ذلك، فإن فوائد هذه الأجهزة في التخفيف من التلوث البلاستيكي قد تكون محدودة؛ إذ بيّنت الأبحاث أنها قد تلتقط أيضاً الكائنات الحية البحرية. ما يمثّل مشكلة لأنها تهدد بذلك أشكال الحياة البحرية.

معدّل إنتاج النفايات يتجاوز معدّل تنظيف القمامة

فحص الباحثون في دراسة جديدة نُشرت في مجلة مارين بولوشن بوليتن إحدى سلال المهمات البحرية التي توجد في جنوب غرب المملكة المتحدة ووجدوا أنها التقطت 58 قطعة من القمامة في اليوم وسطياً. تتألف هذه القطع في أغلبها من الكرات المصنوعة من البولي ستايرين والكريّات البلاستيكية وشظايا البلاستيك. وجد مؤلفو الدراسة أيضاً أن الجهاز التقط كائناً حيّاً بحرياً واحداً، مثل أنقليس الرمل أو الروبيان البني أو سرطان البحر، مقابل كل 3.6 قطعة من القمامة التي يلتقطها (أو نحو 13 كائناً بحرياً يومياً). وكان نصف هذه الكائنات ميتاً عند إيجادها.

قد تنجذب هذه الكائنات الحية إلى الجهاز لتتغذّى أو لتبحث عن مأوى. ووجد الباحثون أيضاً أن معدل وفاة هذه الكائنات البحرية ازداد بازدياد الوقت الذي تقضيه في الجهاز. وفقاً للباحثة المساعدة في وحدة أبحاث القمامة البحرية الدولية في جامعة بليموث في المملكة المتحدة ومؤلفة الدراسة الجديدة، فلورنس باركر-جورد (Florence Parker-Jurd)، مات بعض هذه الكائنات بسبب الأسر، ربما نتيجة لوزن المواد المحيطة.

اقرأ أيضاً: ما هو منشأ النفايات البلاستيكية المتجمّعة في رقعة نفايات المحيط الهادئ؟

تقول باركر-جورد: "وفقاً للبيانات الحالية، وجدنا أن كمية (أو كتلة) القمامة التي تمت إزالتها بواسطة الجهاز في المنطقة التي تمت دراستها كانت قليلة عند أخذ مخاطر الصيد العرضي بعين الاعتبار". تضيف باركر-جورد قائلة إن طرق إزالة القمامة اليدوية التي تعتمد على استخدام الشبكات تميل لأن تكون أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للموارد مقارنة باستخدام سلال القمامة البحرية في البيئات مثل المراسي والمرافئ والموانئ، على الرغم من أنها صُممت لتعمل في هذه المناطق.

تقول باركر-جورد: "تؤدي الابتكارات التكنولوجية دوراً مهماً في إزالة القمامة البحرية، وخصوصاً في المناطق الساحلية حيث يمكن أن تُعزز جهود التنظيف الأخرى"، وتضيف: "سلّطت هذه الدراسة الضوء على الحاجة إلى تقييم فاعلية هذه الأجهزة بشكل رسمي وجدّي، خاصة بالنظر إلى أن سلال المهملات البحرية والأجهزة المشابهة أصبحت تستخدم بشكل متزايد وعلى نطاق واسع".

على الرغم من أن الباحثين قاموا بدراسة جهاز واحد فقط في بحثهم، فإن أجهزة تنظيف مياه البحر الأخرى قد تعاني من نفس المشكلات. تقول باركر-جورد إن العوامل مثل عدم وجود مسار للهروب من أجهزة التنظيف وفترات العمل الطويلة لهذه الأجهزة والمدة التي تقضيها خارج المياه ريثما يتم فصل الكائنات البحرية عن المواد العضوية والقمامة وإعادتها إلى المياه تسهم في حبس الكائنات الحية البحرية في هذه الأجهزة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن كفاءة الابتكارات التكنولوجية الحالية في الحد من تجمّع المواد البلاستيكية محدودة مقارنة بمعدّل التلويث البلاستيكي للمحيطات. تقول مديرة برنامج علماء المختبر البحري التابع لجامعة ديوك، ميغان دنفي-دالي (Meagan Dunphy-Daly)، والتي لم تشارك في الدراسة الجديدة: "على الرغم من عدم وجود تقديرات دقيقة لكمية المواد البلاستيكية وأنواع القمامة الأخرى التي تزيلها هذه الأجهزة، يعتقد معظم الخبراء أن كمية النفايات المجمّعة قليلة للغاية مقارنة بكمية النفايات التي تلوّث البيئة".

تضيف دنفي-دالي قائلةً إنه لم يتم إجراء الكثير من الدراسات العلمية على فعالية التكنولوجيات المختلفة في إزالة المواد البلاستيكية الملوثة من البيئة، أو على معدل الصيد العرضي الذي تتسبب فيه. لكن الفعالية المبلغ عنها ذاتياً غالباً ما تكون أعلى من تلك التي تبلغ عنها الأبحاث التي تمت مراجعتها من قبل الأقران. يجب أخذ بعض العوامل مثل الطقس والتيارات البحرية وموقع إطلاق الأجهزة في الحسبان عندما يتعلق الأمر بتقدير فعاليتها بعد انتهاء اختباراتها التجريبية.

تعرّضت منظمة ذي أوشن كلين أب (The Ocean Cleanup) الهولندية غير الربحية للكثير من الانتقادات مؤخراً بعد إزالة كومة من النفايات البلاستيكية من رقعة نفايات المحيط الهادئ الكبرى؛ إذ قال بعض الخبراء إن هذه الكومة احتوت على نفايات أنظف بكثير من المتوقّع. حاججت المنظمة بأن غياب التراكم الواضح للطحالب والبرنقيل (نوع من المحار) على النفايات يعود إلى أن المياه في رقعة القمامة تفتقر إلى المغذّيات. بالإضافة إلى ذلك، قالت المنظّمة إن معظم النفايات في هذه الرقعة تطفو فوق سطح المياه. ولكن خبراء الحفاظ على البيئة قاموا بتفنيد ذلك.

تقول دنفي-دالي: "يجب أن تحدد الدراسات أشكال الحياة البحرية التي يتم التقاطها باستخدام هذه الأجهزة لتحديد تأثيرها في جماعات هذه الكائنات وموازنة مخاطر وفوائد استخدام تكنولوجيات التنظيف".

اقرأ أيضاً: النفايات البلاستيكية: قاتلة بكتيريا الأكسجين في المحيطات

ضرورة الاستفادة من التكنولوجيا في التقليل من إنتاج البلاستيك واستخدامه

يعتبر تطوير التكنولوجيا وتطبيقها للتقليل من كمية النفايات جزءاً من الحل فقط. وفقاً لدنفي دالي، عندما يحدث تسرّب من إحدى ناقلات النفط، لا نركّز جهودنا فقط على إزالة النفط من الماء، بل نحاول إيقاف التسرب وإزالة الملوثات.

لكن في حالة التلوث البلاستيكي، لم تتم معالجة المشكلة جذرياً حتى الآن. تضيف دنفي-دالي قائلة إن معالجة هذه المشكلة تتطلب تطبيق نهج شامل يستهدف جميع مراحل دورة حياة البلاستيك؛ من تقليل إنتاج البلاستيك الإجمالي إلى إزالة المواد البلاستيكية التي لوثت البيئة.

مع ذلك، يجذب اختراع أجهزة التنظيف الانتباه لمشكلة النفايات البحرية. ففي عام 2021، دخلت فرقة كولد بلاي (Coldplay) في شراكة مع منظمة ذي أوشن كلين أب وقامت برعاية إطلاق مركبة إنترسبتر (Interceptor)، وهي مركبة مائية صُممت بهدف إزالة المواد البلاستيكية من الأنهار قبل وصولها إلى المحيط.

تقول دنفي-دالي: "من خلال إثارة الاهتمام العام بهذه التكنولوجيات، نأمل أن نتمكن أيضاً من الحصول على الدعم لتطبيق حلول خاصة بمراحل إنتاج البلاستيك الأخرى وتقليل معدل التلوث البلاستيكي الإجمالي".

حاجج الخبراء في تقرير أصدرته منظّمة الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب عام 2021 بأن عمليات إعادة التدوير وبناها التحتية غير كافية للتعامل مع الكمية الإجمالية من النفايات البلاستيكية التي يتم إنتاجها. أوصى مؤلفو التقرير بتطبيق عدد من الآليات لتخفيض إنتاج النفايات، مثل تحديد حد أعلى وطني لإنتاج البلاستيك الخام وحظر بعض المنتجات البلاستيكية التي تستخدم لمرة واحدة.

اقرأ أيضاً: إليكم هذه الرسوم البيانية لإدراك فداحة النفايات البلاستيكية الهائلة

يمكن أن تساعد أجهزة التنظيف البحرية الميكانيكية العلماء على وضع حلول أوليّة لمشكلة القمامة البحرية، وقد تجعل الاعتماد على الحلول التكنولوجية للمشكلات البيئية أكثر شيوعاً. لذلك، تقول باركر-جورد إنه يجب الاستمرار في دراسة فاعلية هذه الآليات. وفقاً لورقة بحثية نُشرت في مجلة سوسايتيز في عام 2022، يشعر الخبراء بالتفاؤل بشكل مفرط بشأن استخدام التكنولوجيا والابتكارات العلمية لحل مشكلة التلوث. مع ذلك، لا يمكن حل المشكلات التي تسبب فيها البشر من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة ذات الفعالية العالية فقط.

تقول باركر-جورد إنه على الرغم من أن اختراع أجهزة التنظيف لن يزيل مسؤولية الأفراد في التخفيف من إنتاج النفايات والقمامة على الأرجح، فإن هناك نقصاً في الأدلة العلمية التي تبين آثار هذه الأجهزة النفسية حالياً. ويجب أن يتم التركيز على ذلك في الأبحاث المستقبلية. تضيف باركر-جورد: "يجب أن نركّز بشكل أساسي على تغيير طريقة إنتاج المواد البلاستيكية واستخدامها والتخلص منها بشكل منهجي".