Reading Time: 3 minutes

يمكن للمادة الذكية؛ التي تتعلم من خلال تغيير بنيتها، على غرار طريقة عمل الدماغ البشري، أن تكون أساس جيل جديد تماماً من أجهزة الكمبيوتر. وقام علماء فيزياء من جامعة رادبود الهولندية الذين يعملون تجاه ما يسمى بـ«الدماغ الكمي» بخطوة مهمة. إذ أثبتوا أنهم يستطيعون تشكيل شبكة من الذرات المفردة وربطها، وتقليد السلوك المستقل للخلايا العصبية والمشابك العصبية في الدماغ. وتم نشر اكتشافهم هذا في دورية «نيتشر نانو تيكنولوجي».

بالنظر إلى الطلب العالمي المتزايد على رفع قدرة الحوسبة، تكبر الحاجة إلى المزيد من مراكز جمع وتخزين البيانات. لذا، من الواضح أنه يتعين على الباحثين إيجاد استراتيجيات جديدة لتخزين المعلومات ومعالجتها بطريقة موفرة للطاقة. وهذا لا يتطلب تحسينات على التكنولوجيا فحسب، بل يتطلب أيضاً بحثاً أساسياً في مناهج تغيير اللعبة. ويمكن أن تكون فكرة بناء «دماغ كمي» الجديدة التي تستند إلى الخصائص الكمومية للمواد أساساً لحل مستقبلي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

الحاجة للدماغ الكمّي

لكي يعمل الذكاء الاصطناعي بشكل فعال، يجب أن يكون الكمبيوتر قادراً على التعرف على الأنماط الموجودة في العالم وتعلّم أنماط جديدة. تقوم أجهزة الكمبيوتر الحالية بذلك عبر برامج التعلم الآلي التي تتحكم في تخزين المعلومات ومعالجتها على محرك أقراص ثابت منفصل عن الكمبيوتر. وحتى الآن، عملت هذه التكنولوجيا، التي تستند إلى نموذج عمره قرن من الزمان، بشكل كافٍ. لكن ومع ذلك، تبقى عملية غير فعالة للغاية في استخدام الطاقة في نهاية المطاف، بحسب الباحثين.

بحث الفيزيائيون في جامعة رادبود فيما إذا كان بإمكان قطعة من الأجهزة أن تفعل الشيء نفسه، دون الحاجة إلى برامج. واكتشفوا أنه من خلال بناء شبكة من ذرات الكوبالت على الفوسفور الأسود، تمكنوا من بناء مادة تخزّن المعلومات وتعالجها بطرق مشابهة للدماغ، كما تكيّف نفسها مع المعلومات المستجدّة كما يفعل الدماغ كذلك.

الذرات ذاتية التكيف

أظهر الباحثون في عام 2018 أنه من الممكن تخزين المعلومات في حالة ذرة كوبالت واحدة. من خلال تطبيق جهد على الذرة، أمكنهم إحداث نشاطاً فيها، بجعل الذرة تنتقل بين قيمة 0 و 1 بشكل عشوائي، مثل سلوك خلية عصبية واحدة. أما الآن، فقد اكتشفوا طريقةً لإنشاء مجموعات مترابطة مصممة بشكلٍ خاص من هذه الذرات، ووجدوا أن سلوك التنشيط لهذه المجموعات يحاكي سلوك نموذجٍ يشبه الدماغ المستخدم في الذكاء الاصطناعي.

بالإضافة إلى مراقبة سلوك الخلايا العصبية النشطة، فقد تمكنوا من إنشاء أصغر مشابك عصبية معروفة حتى الآن. ومن دون معرفة مسبقة، لاحظوا أن هذه المجموعات لها خاصية تكيفية متأصلة؛ أي غيرت نقاط التشابك العصبي الخاصة بها سلوكها اعتماداً على المدخلات التي رأتها. وعند تحفيز المادة على مدى فترة زمنية أطول بجهدٍ معين، فوجئ الباحثون أن المادة كيّفت رد فعلها بناءً على المنبهات الخارجية التي تلقتها، أي تعلمت من تلقاء نفسها.

تطوير الدماغ الكمّي

الذكاء الاصطناعي, ابحاث الذكاء الاصطناعي

shutterstock.com/ sdecoret

يخطط الباحثون الآن لتوسيع نطاق النظام وبناء شبكة أكبر من الذرات، بالإضافة إلى الغوص في استكشاف المواد الكمومية الجديدة التي يمكن استخدامها. كما أنهم بحاجة إلى فهم سبب تصرف الشبكة الذرية على هذا النحو. لكن بحسب البروفيسور «أليكسندر خاجتوريان»، الذي قاد البحث: “نحن في حالة يمكننا فيها البدء في ربط الفيزياء الأساسية بمفاهيم في علم الأحياء، مثل الذاكرة والتعلم”.

إذا تمكن الباحثون في النهاية من بناء آلة حقيقية من هذه المادة، سيكونون قادرين على بناء أجهزة حوسبة ذاتية التعلم تكون أكثر كفاءة في استخدام الطاقة وأصغر حجماً من أجهزة الكمبيوتر الحالية. ومع ذلك، فقط عندما يتم فهم كيفية عملها بشكل كامل -وهذا لا يزال لغزاً- سيتمكّنون من ضبط سلوكها والبدء في تطويرها إلى تقنية مستخدمة على نطاقٍ واسع.