Reading Time: 4 minutes

يؤثر فيروس كورونا على جسم الإنسان بطرقٍ مختلفةٍ مخيفة، من ضمنها طريقة تأثيره على الدماغ بطريقةٍ متستّرة ومخادعة جداً لا تظهر عواقبها لحظياً. لقد أصبح من الواضح الآن أن العديد من مرضى كوفيد-19 تظهر عليهم الأعراض العصبية مثل؛ فقدان حاسة الشم إلى الهذيان، وزيادة خطر الإصابة بالسكتات الدماغية، وهناك أيضاً عواقب طويلة الأجل على الدماغ، من بينها متلازمة التعب المزمن ومتلازمة «غيلان باريه» (وهي ضعف عضلي يحدث نتيجةٍ ضرر في الجهاز العصبي المُحيطي بسبب استجابة الجهاز المناعي).

تنجم هذه الآثار بسبب العدوى الفيروسية المباشرة في أنسجة المخ، لكن تشير الأدلة المتزايدة إلى أن المضاعفات الإضافية غير المباشرة الناجمة عن إصابة الفيروس للخلايا الظهارية والجهاز القلبي الوعائي، أو عن جهاز المناعة والالتهابات، تسهم في حدوث أذياتٍ عصبية دائمة بعد الإصابة بفيروس كورونا.

أنا عالمةُ أعصاب، وأركّز في عملي على كيفية تشكُّل الذكريات، وعلى دور الخلايا المناعية في الدماغ، وكيف يمكن أن تُصاب الذاكرة بضررٍ دائم جرّاء الأمراض والاستجابة المناعية. لقد تبادَر إلى ذهني تساؤل أثناء مراجعتي للأدبيات العلمية الناشئة؛ هل سنشهد موجة من الأمراض المرتبطة بآثار الإصابة بفيروس كورونا مثل؛ عجز الذاكرة والتدهور المعرفي، وحالات الخرف في المستقبل؟

جهاز المناعة والدماغ

في الواقع، يرجع سبب العديد من الأعراض التي نعزوها إلى العدوى للاستجابة المناعية في الجسم. فعلى سبيل المثال، لا يُعدّ سيلان الأنف أثناء نزلات البرد تأثيراً مباشراً للعدوى الفيروسية، بل نتيجة استجابة الجهاز المناعي لفيروس الرشح (الزكام)، وينطبق ذلك أيضاً عندما يتعلق الأمر بالشعور بالمرض؛ حيث يحدث الشعور بالضيق والوهن العام، والانسحاب الاجتماعي نتيجة تنشّط الخلايا المناعية المتخصصة في الدماغ؛ والتي تُسمى الخلايا المناعية العصبية، وإرسالها الإشارات للدماغ ليبدي ردة الفعل هذه.

ولكنّ هذه التغييرات في الدماغ والسلوك -رغم أنها غالباً ما تكون مزعجة لنا في حياتنا اليومية- ما هي إلا رد فعل تكيُّفي ومفيدٍ جداً للجسم؛ حيث تدفعنا للراحة كي نمنح الجهاز المناعي الوقت والطاقة اللازمَين ليقوم بعمله في الدفاع عن الجسم. فالحُمّى مثلاً تجعل من الجسم بيئة غير مناسبةٍ للفيروسات، وتزيد من كفاءة جهاز المناعة، وقد يساعد الانسحاب الاجتماعي في تقليل انتشار الفيروس.

  اقرأ أيضاً: ما السر وراء ارتفاع درجة حرارة الجسم عند الإصابة بالعدوى؟

وبالإضافة إلى تغيير السلوك وتنظيم الاستجابات الفسيولوجية أثناء المرض، يلعب الجهاز المناعي المتخصص في الدماغ أيضاً عدداً من الأدوار الأخرى. فقد أصبح من الواضح مؤخراً أن الخلايا المناعية العصبية الموجودة في المشابك بين خلايا الدماغ العصبية؛ والتي توفر الطاقة وكميات دقيقة من الإشارات الالتهابية، ضرورية لتكوين الذاكرة الطبيعية.

لسوء الحظ، يمكن أن تتسبب بعض الأمراض؛ مثل كوفيد-19، من خلال تأثيرها على هذه الآلية، أعراضاً عصبية حادة ومشكلات طويلة الأمد في الدماغ.

*الخلايا الدبقية الصغيرة هي خلايا مناعية متخصصة في الدماغ. تستخدم هذه الخلايا أذرُعها لاختبار البيئة المحيطة في الحالة الطبيعية، بينما تُغيّر شكلها لتتمكن من ابتلاع مسببات الأمراض، ولكنها قد تدمر الخلايا العصبية ومشابكها التي تخزن الذاكرة.

أثناء سير المرض والعدوى، تنشط الخلايا المناعية المتخصصة في الدماغ؛ مُطلقة كميات هائلة من الإشارات الالتهابية لتُغيّر بذلك طريقة تواصلها مع الخلايا العصبية. تُغيّر أحد أنماط الخلايا العصبية؛ وهي الخلايا الدبقية الصغيرة، شكلها جرّاء ذلك، فتنكمش أذرعها المغزلية ليصبح شكلها لولبياً، وتتحرك لتحيط مسببات الأمراض المحتملة أو بقايا الخلايا في مسارها. لكنها أثناء ذلك تلتهم وتدمّر المشابك العصبية؛ التي تُعتبر مهمة جداً لتخزين الذاكرة.

وبالإضافة إلى ذلك، يلتف نوع آخر من الخلايا العصبية، يُدعى الخلايا النجمية، حول المشابك العصبية أيضاً جرّاء الاستجابة المناعية التي يثيرها المرض، ويُصدِر إشاراتٍ التهابية على هذه المشابك؛ مما يمنع التواصل بين الخلايا العصبية التي تخزن الذكريات إلى درجةٍ كبيرة.

وبالنظر إلى أن فيروس كورونا الذي يتسبب بإطلاق كمياتٍ هائلة من الإشارات الالتهابية كردّ فعلٍ مناعي، فإن تأثير هذا المرض على الذاكرة مهمٌ جداً كونه قد يتسبب بتأثيراتٍ قصيرة المدى على الإدراك (الهذيان؛ وهو تراجع الحالة الإدراكية للمريض)، بالإضافة إلى إمكانية تأثيره على المدى الطويل على كل من الذاكرة والانتباه والإدراك. هناك أيضاً مخاطر كبيرة للإصابة بالتدهور المعرفي والخرف (ألزهايمر) عند المصابين خلال التقدم في السن.

كيف يؤثر الالتهاب طويل الأمد على الذاكرة؟

إذا كان تنشيط الخلايا المناعية العصبية لا يدوم إلا خلال مدة المرض، فكيف يمكن أن يتسبب الالتهاب في حدوث اضطراب طويل الأمد في الذاكرة، أو يزيد من خطر التدهور المعرفي؟

في الواقع، تطوَّر الدماغ والجهاز المناعي نتيجة تفاعله مع المحيط حتى يعمل على تحييد الخطر، وزيادة فرص البقاء على قيد الحياة. تسمح لنا التغيرات التي تطرأ في الدماغ على المشابك العصبية بتخزين الذكريات، وتغيير سلوكنا بسرعة للهروب من التهديد أو البحث عن الطعام أو التفاعل الاجتماعي، بينما تطوّر جهاز المناعة لضبط الاستجابة الالتهابية، وإنتاج الأجسام المضادة ضد مسببات الأمراض التي سبق له التعامل معها.

ومع ذلك، فإن التغييرات طويلة الأمد في الدماغ بعد المرض ترتبط ارتباطاً وثيقاً بزيادة خطر التدهور المعرفي المرتبط بالعمر، ومرض الألزهايمر. في الواقع، يمكن أن تؤدي الاستجابة المناعية المدمرة لخلايا المناعة العصبية والإشارات الالتهابية في حدوث ضرر دائمٍ للذاكرة، وذلك من خلال التلف الدائم للوصلات العصبية (المشابك) أو تلف الخلايا العصبية نفسها، وأيضاً من خلال تغيرات معقدةٍ أكثر في كيفية عمل الخلايا العصبية.

تستند العلاقة بين مرض كوفيد-19 واحتمال تسببه بضرر دائم على الذاكرة إلى ملاحظات الأمراض الأخرى. فعلى سبيل المثال، أبلغ العديد من المرضى الذين يتعافون من النوبات القلبية عن عجز إدراكي دائم يتفاقم أكثر فأكثر مع التقدم في السن والشيخوخة. ومن الأمراض الرئيسية الأخرى؛ والمعروفة بتأثيرها على الحالة الإدراكية للمرضى المصابين بها، مرض «تعفّن الدم»، وهو خلل وظيفي يصيب عدداً من أعضاء الجسم، وينجم عن تفاعل التهابي معمّم نتيجة عدوى جرثومية وظهور الجراثيم، ونواتج استقلابها في الدم والأنسجة، حيث نرى في النماذج الحيوانية لهذه الأمراض أيضاً ضعفاً في الذاكرة وتغيرات في وظائف المناعة العصبية، والوظيفة العصبية تستمر لأسابيع وشهور بعد المرض. وحتى الالتهابات المعتدلة؛ بما فيها الإجهاد المزمن، تُعرف الآن بأنها عوامل خطورة مؤهِّبة للخرف والتدهور المعرفي أثناء الشيخوخة.

لقد لاحظت أنا وزملائي أيضاً في التجارب المخبرية، وحتى دون وجود عدوى بكتيرية أو فيروسية، أنّ إطلاق إشارات التهابية على مدى فترة قصيرة ينتج عنه تغيرات طويلة الأمد في وظائف الخلايا العصبية في مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة وتُضعف الذاكرة.

هل يزيد مرض كوفيد-19 من خطر التدهور المعرفي؟

في الحقيقة، علينا الانتظار لسنوات عديدة قبل أن نعرف ما إذا كانت عدوى فيروس كورونا تسبب زيادة خطر التدهور المعرفي، أو مرض الألزهايمر، ولكن يمكن الحد من هذا الخطر من خلال الوقاية من هذا المرض وعلاجه.

تعتمد الوقاية والعلاج على حدٍ سواء على القدرة على تقليل شدة ومدة المرض والالتهاب. الجدير بالذكر أنّ الأبحاث الحديثة تشير إلى أنّ اللقاحات الشائعة؛ بما في ذلك لقاحات الإنفلونزا والالتهاب الرئوي، قد تُقلّل من خطر الإصابة بمرض الألزهايمر. بالإضافة إلى ذلك، من المحتمَل أن تخفِّف العديد من العلاجات الجديدة لمرض كوفيد-19؛ والتي تعمل على تثبيط تنشيط رد الفعل المناعي الشديد والحالة الالتهابية، من تأثير الالتهاب على الدماغ على المدى الطويل.

غالباً سيستمر مرض كوفيد-19 في التأثير على الصحة والرفاهية لفترة طويلة بعد انتهاء الوباء، لذلك من الضروري الاستمرار في تقييم آثار المرض في التعرض للتدهور المعرفي اللاحق والخرف.

من خلال القيام بذلك، يمكن للباحثين تطوير رؤية جديدةٍ أعمق حول دور الالتهاب، وفي مختلف المراحل العمرية، في التدهور المعرفي المرتبط بالعمر؛ مما يساعدنا في تطوير استراتيجياتٍ أكثر فعالية للوقاية من هذه الأمراض المنهِكة وعلاجها.

مقال من «ذا كونفيرسيشن»