Reading Time: 4 minutes

منحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية تصريح الاستخدام الطارئ للقاح شركة «موديرنا» الخاص بمرض كوفيد-19 في 18 ديسمبر/ كانون الأول الجاري. هذا اللقاح هو ثاني لقاح يُمنح الموافقة في الولايات المتّحدة، وقُدّمت أول الجرعات يوم الإثنين الماضي.

هذا الإنجاز مثير للإعجاب لأن كِلا اللقاحين من شركتَيّ موديرنا وفايزر طُورا بسرعة غير مسبوقة، ولأنهما فعّالان بنسبة تتجاوز 90% على الأقل في التجارب السريريّة في حماية الأشخاص من الإصابة بمرض كوفيد-19 المترافق مع الأعراض، لكن ليس من الواضح بعد إذا كانت اللقاحات تمنع الأشخاص الذين حصلوا على اللقاح من إصابة الآخرين بفيروس كورونا، دون إظهار أية أعراض. هذا يعني أنه حتى الآن، من الضروري الاستمرار في ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي، واتّباع إجراءات احترازية حتى بعد تناول اللقاح.

يقول جيفري بيثوني؛ أستاذ علم الأحياء الدقيقة وعلم المناعة والطب الموضعي في كلية جامعة جورج واشنطن للطب وعلوم الصحة، والذي يعمل على تطوير لقاحات للأمراض الطفيليّة وفيروس الإيدز: «من غير المرجّح الحصول على لقاح يحمي من الإصابة بأسوأ شكل من مرض كوفيد، بل يمكن أن يصاب الأفراد وينشروا الفيروس دون الإحساس بالمرض حقاً. هناك أمل أنّ اللقاحات تمنع انتقال الفيروس، لكننا ببساطة لا نعلم عنها الكثير بعد».

أحد الأسباب وراء انتشار فيروس كورونا على نطاق واسع؛ هو أنّ الأشخاص يمكن أن يكونوا حاملين للفيروس لعدّة أيام قبل أن يشعروا بالمرض، وفي بعض الحالات فإنهم لا يُظهرون أية أعراض. بحسب سوزانا ناغي؛ أستاذ مساعد في الطب في مدرسة الطب في جامعة دوك، والمتخصصة في الأمراض المعدية، معدّل الانتقال غير المرافق لظهور الأعراض «ليس شائعاً لهذه الدرجة في الأمراض المعدية الأخرى. بالنسبة إلى فيروس الإنفلونزا، هناك أمراض غير مرافقة لظهور أعراض، لكن ليس بنفس الدرجة التي نراها عند فيروس كورونا»؛ هذا يجعل من الضروري بشكل خاص معرفة إذا ما كانت لقاحات كوفد-19 ستمنع الإصابات غير المرافقة لظهور أعراض.

العديد من اللقاحات -من ضمنها لقاحات التهاب الكبد أيه وبي، الحصبة، جدري الماء وفيروس الورم الحُليمي البشري– تقي الأشخاص من المرض، ونقل العامل المُمرض للآخرين. تقول ناغي: «عموماً، نعتقد أنه إذا امتلكنا لقاحاً يقي من المرض، فإنه سيَقي من العدوى أيضاً، لكننا لا نستطيع أن نفترض أنّ هذا يحصل دائماً».

بعض العوامل المُمرضة يمكن أن تصيب الأشخاص الذين حصلوا على اللقاح، وتتكاثر في أجسادهم لفترات قصيرة من الزمن دون أن تسبب المرض؛ ومنها البكتيريا التي تسبب التهاب السحايا والسعال الدّيكي. وفقاً لبيثوني، هذا يمثّل مشكلة أيضاً بالنسبة للّقاحات قيد التطوير الخاصة بأمراض طفيليّة مثل الملاريا، البلهارسيا و عدوى الدودة الصنّاريّة. يقول بيثوني: «قد يكون هناك أشخاص مصابون بعدوى خفيفة، وقادرين بنفس الوقت على نشر المرض».

احتمالية أن الحصول على اللقاح سيمنع العدوى جزئياً تعتمد على آلية عمل اللقاح نفسه. تستهدف العديد من لقاحات مرض كوفيد-19 -ومنها لقاحَا موديرنا وفايزر- البروتينات شوكية الشكل الموجودة على السطح الخارجي لفيروس كورونا التي تمكّنه من الارتباط بخلايا المضيف والدخول إليها. تقول ناغي: «نتكلم هنا عن تطوير جسيمات مضادة واستجابات مناعية للبروتين الشوكي مباشرة، لذا نأمل أن يصبح المرضى الذين حصلوا على اللقاح منيعين ضد نقل العدوى».

أبلغت العديد من الشركات التي تطوّر اللقاحات عن معلومات تشير إلى أنّ اللقاحات ستقلل عدد العدوات غير المرافقة للأعراض. خلال المراحل المتأخرة من تجارب اللقاح الذي تطوّره جامعة أوكسفورد وشركة أسترازينيكا، خضع بعض المشاركين إلى اختبارات أسبوعية لكشف مرض كوفد-19. أعطيت إحدى المجموعات عن طريق الخطأ جرعة أولى خفيفة من اللقاح، تَلتها جرعة ثانية كاملة. كانت الإصابات غير المرافقة للأعراض أقل شيوعاً ضمن هذه المجموعة مقارنة بالمجموعات التي تلقّت العلاج الوهمي، ولا زال الباحثون يحققون في السبب وراء هذه النتائج.

مسح الباحثون ضمن التجارب السريرية التي أجرتها شركة موديرنا المشاركين قبل أن يتلقّوا كل جرعة من اللقاح. في 15 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، بلّغت الشركة أنّ 38 متطوعاً من الذين تلقّوا العلاج الوهمي كانوا مصابين دون إظهار أية أعراض قبل أن يتلقّوا الجرعة الثانية، مقارنةً بـ 14 متطوع من المجموعة التي تلقّت اللقاح.

تقول ناغي: «يفترض أنّ ذلك يعني أنّ اللقاح يقلل خطر نقل الفيروس، إلّا أن برهان ذلك يتطلّب المزيد من البحث»، وربما يمنع اللقاح العدوى بشكلٍ تام، أو ربما أنه يقصّر زمن العدوى لبضعة أيام فقط … ستكون هذه كلها معلومات بالغة الأهمية».

التحقيق في هذا السؤال قد يصبح أسهل عندما تصبح الاختبارات المنزلية لمرض كوفد-19 رائجة أكثر؛ إذ أنه حسب ناغي، يستطيع الباحثون في التجارب السريرية اللاحقة للتجارب الحالية أن يطلبوا من الأشخاص إجراء مسحات كورونا لأنفسهم يومياً، وتتبع عدد المرات التي يظهر فيها مريض مصاب قد حصل على اللقاح، وهل نقل هذا الشخص الفيروس لأعضاء آخرين في المنزل.

العديد من مطوّري اللقاحات؛ ومن ضمنهم موديرنا وفايزر، يخططون لإجراء اختبارات دمٍ للمشاركين في التجارب لكشف وجود الأجسام المضادة التي تتعرف على الجزء من الفيروس الذي لم يستهدفه اللقاح. هذه الأجسام المضادة ستشير لما إذا قد أصيب الشخص بالفيروس بعد تناول اللقاح.

حسب بيثوني، إحدى الطرق الأخرى لاختبار جودة اللقاحات في منع انتقال الفيروس؛ هي مراقبة المناطق التي حصل فيها الناس على اللقاح لمعرفة مدى تأثيره عليهم؛ مقارنة بالآخرين الذين لم يحصلوا عليه. حدث هذا بعد إنتاج أول لقاح لشلل الأطفال عام 1955، وفي السنة التالية، لاحظ العلماء عدداً أقل من الحالات حتى مما كانوا يتوقّعون، لأن ما يكفي من الأطفال قد أصبحوا محصّنين ضد الإصابة لدرجة أنّ الفيروس أصبح يواجه صعوبة في الوصول إلى الأطفال الذين لم يحصلوا على اللقاح.

أصبحت لقاحات كوفيد-19 متوافرة في الولايات المتحدّة خلال الأسابيع القليلة الفائتة فقط، ولا يُتوقّع توزيعها على جميع الناس قبل ربيع السنة القادمة. سيستغرق الأمر وقتاً قبل أن نصل إلى مرحلة مناعة القطيع. ليس من الواضح أيضاً ما هي نسبة الناس الذين يجب أن يحصلوا على اللقاح حتى تصل البلاد إلى هذه المرحلة، إذ أنّ مناعة القطيع تعتمد على العديد من العوامل من ضمنها سرعة انتشار الفيروس ضمن مجتمعات مختلفة، ومدى فعالية اللقاحات في منع انتشاره.

تقول ناغي: «أصبحنا للتو قادرين على الحصول على اللقاح، لذا سنبقى على الأرجح خلال الأشهر التالية بحاجة لمعالجة مسائل متعلقة بدور اللقاح في انتشار الفيروس، والحاجة إلى الاستمرار في تطبيق إجراءات الصحة العامة. حالياً، وحتى نكتسب مناعة قوية في مجتمعاتنا ونتعلّم المزيد عن انتشار الفيروس؛ يجب أن نستمر في تطبيق الإجراءات الاحترازية»، لذا احصل على اللقاح عندما تستطيع ذلك، واستمر في ارتداء الكمامة.

المقالة باللغة الإنجليزية