Reading Time: 6 minutes

لا شك أننا جميعاً سمعنا قصصاً عن امرأة حامل لا تريد سوى الآيس كريم والمخللات، أو الدجاج المقلي، وربما ألواح من ماركة محددة جداً من الشوكولاتة، وغالباً ما يُعتقد أنّ الشهيّة الشديدة في الحمل تلبّي بعض الاحتياجات الغذائية للمرأة أو الجنين، فيما يعتقد بعض العلماء أنّ الدافع ورائها نفسيّ في غالب الأحيان، لكنّها بالتأكيد جزءٌ محيّر من عمليّة بيولوجيّة. لنتعرّف أكثر إلى وحم الحمل.

متى يبدأ الوحم؟ وما هي الأطعمة الأكثر شيوعاً؟

ما يُقدّر بنحو 50-90% من النساء حول العالم يعانين من الرغبة الشديدة في تناول أطعمة معينة أثناء الحمل، ومن حيث الأنماط الزمنية، تم الإبلاغ عن أنّ الرغبة الشديدة في تناول الطعام تبدأ بالظهور عادةً في نهاية الأشهر الثلاثة الأولى. على سبيل المثال، في دراسةٍ أُجريت على 400 امرأة بالغة، أفادت 76% منهنّ أنها اشتهت عنصراً غذائياً واحداً على الأقل بحلول الأسبوع الثالث عشر من الحمل. كما يبلغ المسار البيانيّ للرغبة الشديدة في تناول الطعام عبر فترة الحمل ذروته في التكرار والشدة خلال الثلث الثاني من الحمل، متبوعاً بانخفاضٍ لاحق مع تَقدُّم الحمل حتى نهايته، كما وثّقت الأبحاث باستمرار انخفاضاً كبيراً في وحم الحمل بعد الولادة.

فحصت دراسةٌ أجريت عام 1978 مدى انتشار وأنواع الوحم في مجموعة من 250 امرأة حامل، وأظهرت أنّ العناصر الأكثر شيوعاً تشمل الحلويات -مثل الآيس كريم والشوكولا-  ومنتجات الألبان والكربوهيدرات النشوية والفواكه والخضروات والوجبات السريعة.

وأُجريت عام 2014 دراسة تجريبية صغيرة لفحص مشاركات 200 امرأة على مواقع المدونات الإلكترونية المتعلقة بالحمل حول موضوع الرغبة الشديدة في تناول الطعام؛ أظهرت نتائجها أنّ الرغبة الأكثر شيوعاً هي الحلويات والكربوهيدرات كثيفة السعرات الحرارية مثل البيتزا أو رقائق البطاطس والبروتينات الحيوانية والفواكه. كما تشير الأبحاث السابقة أيضاً إلى أنماط زمنية معينة لأنواع الأطعمة المرغوب تناولها خلال فترة الحمل، إذ يبدو أنّ الرغبة الشديدة في تناول المواد المالحة تكون أقوى خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، مع تناقص الحوافز خلال المراحل اللاحقة من الولادة، بينما يصل تفضيل الأطعمة الحلوة إلى ذروته خلال الثلث الثاني من الحمل لدى عدد كبير من النساء.

ازداد الأمر تعقيداً في بحثٍ علمي مثير للاهتمام حول هذا الموضوع؛ إذ وجد الباحثون أنّ وحم الحمل كمفهوم لا يتمّ اختباره بالضرورة في جميع الثقافات، كما أنّ الأمر يختلف كلياً بحسب الثقافة المحلية في البلد واللغة المحكية. على سبيل المثال، في اليابان، أظهرت نتائج البحث أنّ الطعام الأكثر رغبةً في تناوله عند وحم الحمل كان الأرز؛ وهو الطعام الأكثر شيوعاً هناك.

الدافع الهرموني

تناول الحامل للمضادات الحيوية

shutterstock.com/Summer-Photographer

تتغير العديد من الهرمونات بشكل كبير أثناء الحمل، «اللبتين» على سبيل المثال؛ وهو هرمون تفرزه الخلايا الدهنية، ويعمل على تقليل الشهية وتحفيز عملية التمثيل الغذائي. من ناحية أخرى، فإنّ مادة «الببتيد العصبي Y» تُعتبر واحدة من أقوى منشطات الشهية؛ وهي مادة يتم تصنيعها في منطقة ما تحت المهاد، ويتم توصيلها إلى مناطق مختلفة من الدماغ لرفع الشهية، وأظهرت دراسة علمية أنه بحقن هذه المادة في أجزاء معينة من أدمغة الفئران، ازدادت شهيتها بشكل كبير.

في الآونة الأخيرة، اقترحت الأبحاث أنّ تخليق «الببتيد العصبي Y» يزداد أثناء الحمل، وقد يكون مسؤولاً عن بعض الزيادات في الشهية التي لوحظت أثناء الحمل. تم اقتراح تورُّط هرمونات أخرى مثل الجريلين، ولكن في حين أنّ هذه الهرمونات قد تكون مرتبطة بتغيرات الشهية أثناء الحمل، لم يتمكن أحد من استخدامها بشكل كافٍ لتفسير الرغبة الشديدة في تناول الطعام أثناء الحمل.

يُغيّر الحمل الإدراك الحسي بشكل كبير كذلك، وذلك بسبب التغيرات في إفراز الهرمونات. إذ أبلغت ما يصل إلى 26% من النساء الحوامل عن تغيُّر في حساسية التذوق، وتم الإبلاغ عن تغيرات في الإدراك الشّمّي من قبل 65.4% من النساء الحوامل اللاتي شملهنّ الاستطلاع في دراسة واحدة، مع إقدام 75% من هؤلاء النساء على تعديل عاداتهن الغذائية بسبب الحساسية المتزايدة للروائح. وفي دراسة تجريبية أخرى أجريت على 37 امرأة حامل، ذكرت 18.7% منهنّ أنها اختبرت رغبة شديدة في تناول أطعمة لم تكن مرغوبة قبل الحمل، وعلى العكس من ذلك، فإنّ الغالبية العظمى من النساء الحوامل توقّفن عن شرب القهوة بسبب النفور من مذاقها، ربما بسبب زيادة الحساسية تجاه الطعم المرّ.

تُشكّل التغيرات في إدراك التذوق ومسار زيادة شدة وحم الحمل خلال الأشهر الثلاثة الأولى دليلاً أولياً على العلاقة بين الإدراك الحسي المتغير والرغبة الشديدة في تناول الطعام -أو ربّما النفور- أثناء الحمل. ومع ذلك، فإنّ الطبيعة الدقيقة لهذا الارتباط لم يتم توضيحها بعد، ولا يزال هناك حاجة إلى مزيد من البحث لربط التقلّبات المعروفة في مستويات الهرمونات أثناء مدة الحمل بالرغبة الشديدة في تناول الطعام.

الدافع الغذائي

يمكن لمطالب الجنين مضاعفة متطلبات بعض العناصر الغذائية، كما أنّ التغذية السليمة أثناء الحمل أمرٌ بالغ الأهمية لضمان نمو الجنين الصحي. على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي نقص الحديد إلى فقر الدم، وبالتالي، نقص في نمو المشيمة والجنين. تميل الدلائل الإرشادية الغذائية للحمل إلى توضيح أهمية ضمان تناول كمية كافية من مجموعة من المواد الغذائية المحددة، بما في ذلك الحديد وحمض الفوليك وفيتامينات «ب» و «أ» والزنك والمغنيسيوم واليود والكالسيوم.

تكهّن عدد من الباحثين بأنّ الرغبة الشديدة في تناول الطعام تعمل على منع أو تخفيف نقص التغذية -أو ربما ببساطة تشجع الأم الحامل على تناول الأطعمة التي توفر طاقة إضافية، وبالإضافة إلى ذلك، ونظراً لأنّ الاحتياجات الغذائية للجنين تزداد مع تقدُّمه في النمو، فإنّ شدة الوحم تزداد تصاعدياً مع ازدياد نموّه حتى اكتماله.

تشير الأبحاث أيضاً إلى أنّ المدخول الغذائي المعتاد لدى النساء الحوامل ذوات الدخل المتوسط ​​إلى المرتفع في الولايات المتحدة ممكن أن يلبّي جميع الاحتياجات الغذائية؛ مما يجعل الحاجة إلى المكمّلات الغذائية شبه معدومة. وبهذا، فإنّ النتائج لا تدعم فرضية أنّ نقص التغذية سبب في الوحم، وبالمثل، فإنه من غير المحتمل أن تكون الرغبة الشديدة في تناول الطعام ناتجة عن الحاجة إلى زيادة عامّة في تناول السعرات الحرارية، لأنها تميل إلى الظهور في النصف الأول من الحمل؛ أي قبل وقت طويل من بدء فصول نموّ الجنين الكبرى، وبالتالي طلب الجنين للعناصر الغذائية.

الدافع النفسي

وحم الحمل

غالباً ما تكون غريزة الأمومة أقوى من الرغبة الشديدة، وفي أوقات أخرى، تكون الحوافز شديدة للغاية، وغالباً ما تزداد تلك الحوافز أثناء الحمل، ويمكن أن تكون اضطرابات الأكل مشكلة بشكل خاص أثناء الحمل، لأنّ التغيرات السريعة في جسم الأم يمكن أن تكون صعبة للغاية من الناحية العاطفية، ويمكن أن تثير جميع أنواع الأفكار والمشاعر السلبية التي تحيط بصورة الجسم واحترام الذات. يمكن أن يؤدي هذا في كثير من الأحيان إلى تفاقم السلوك النهمي أو غيره من السلوكيات المدمرة للذات أثناء الحمل.

ولطالما عُرفت الثقافة بأنها أحد المحدّدات القوية لسلوكيات الأكل، وبهذا، يُفترض وجود دورٍ رئيسيٍّ للمعايير الثقافية في حالة الوحم. حدَّدت الدراسات باستمرار اختلافات كبيرة في الانتشار العام، والأنواع، ونسبة الجنس للوحم عبر الثقافات المختلفة، في ظل عدم وجود دليل قوي لصالح الأسباب الفسيولوجية والكيميائية الحيوية لشغف الشوكولا في فترة الحيض. على سبيل المثال، في حين أنّ الشوكولا هي من أكثر الأطعمة الشهية شيوعاً في الولايات المتحدة، لا يكاد أي شخص في مصر يؤيد الحوافز القوية للشوكولا أو الرغبة الشديدة في تناول الحلويات، كما أنّ الأرز هو أكثر الأطعمة التي تشتهيها النساء في اليابان؛ وهو اكتشاف يسلط الضوء على التأثير القوي للثقافة وتقاليد الطهي على التفضيلات المتعلقة بالطعام. تدعم هذه النتائج مجتمعة الرأي القائل بأنّ الثقافة تلعب دوراً رئيسياً في ظهور الرغبة الشديدة في تناول الشوكولا في فترة ما حول الحيض، وتسلّط الضوء على أهمية دراسة دور العوامل السياقية والنفسية الاجتماعية في مسببات الرغبة الشديدة في تناول الأطعمة في المجالات الأخرى.

افتُرض أنّ المواقف المتضاربة تجاه الأطعمة التي يُنظر إليها على أنها جذابة وضارّة  في نفس الوقت؛ مثل الشوكولا، مرتبطة باحتمالية أكبر للوحم؛ إذ تشير الدلائل إلى أنّ الجهود المبذولة لتجنّب الأطعمة التي تسبّب هذه المشاعر المتضاربة قد يكون لها تأثير متناقض يتمثل في زيادة احتمالية الرغبة الشديدة في تناولها، والنتيجة هي نوع من «الحلقة المفرغة» بالتناوب بين ضبط النفس والإفراط في الاستهلاك. أثبتت دراسات متعددة أنّ اتباع نظام غذائي لفقدان الوزن وتقييد تناول الأطعمة المحببة يرتبط بزيادة بروز الإشارات الداخلية والخارجية المتعلقة بهذا الطعام، ونتيجة لذلك، في تكرار الرغبة الشديدة به.

دور الجهاز العصبي

يستخدم العلماء الجهاز العصبي لإيقاف النزيف في أي مكان في الجسم.

طرح الباحث في علم الأعصاب؛ «مايكل بيرسنجر»، عام 2001، فرضيّةً مثيرة للاهتمام حول سبب رغبة النساء الشديدة في تناول الطعام أثناء الحمل، وهي أنّ أحد أسباب هذه الرغبة الشديدة قد يكون بسبب الخصائص الفيزيائية لمنطقة في قشرة الدماغ تسمّى «الفص الجزيري»؛ يقع في طية عميقة تسمى «الثّلم الجانبي»؛ الذي يفصل الفص الجبهي والجداري والفص الصدغي، وهذا الجزء من الدماغ غامض بعض الشيء، لكن من المحتمل أن يتم تمثيل أذواق معينة فيه؛ هذا لأنّ استئصاله أو تحفيزه لهما تأثيرات على التذوق.

يستعرض «بيرسنجر» الأدلة التي تشير إلى أنّ الرحم ممثل أيضاً في «الفص الجزري»، وأنّ التحولات التدريجية في الرحم أثناء الحمل تُسبّب بدورها تغيّرات في تمثيلها في «الفص الجزري»؛ كما هو الحال لدى عازفين الكمان الذين لديهم زيادة في تمثيل أصابعهم في الدماغ، وبالتالي، فإنّ تلك التحوّلات التدريجية، وتضخُّم الرحم أثناء الحمل، تؤدي إلى تعدّي منطقة تمثيله في القشرة الدماغية على منطقة تمثيل حاسّة التذوّق، مما يؤدي إلى اضطرابات في الشهية.

اقرأ أيضاً: دليلك إلى هرمون الإستروجين المتهم في العديد من أمراض النساء