هل يمكن أن يؤثّر التلوث الناجم عن حركة المرور على وزن الأطفال عند الولادة؟

هل يمكن أن يؤثّر التلوث الناجم عن حركة المرور على وزن الأطفال عند الولادة؟
حقوق الصورة: shutterstock.com/ Zetar Infinity
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

لست متوهماً. إن الازدحام المروري يزداد سوءاً بالفعل. وفقاً لتقرير أصدرته وزارة النقل الأميركية في عام 2020، عانى الأشخاص الذين عاشوا في إحدى أكبر 75 مدينة في الولايات المتحدة عام 1982 من تأخير يبلغ 7 ساعات سنوياً في أثناء التنقل على الطرق السريعة. بحلول عام 2001، ازداد هذا الرقم إلى 26 ساعة سنوياً.

الوقت الضائع في الازدحام المروري ليس الخسارة الوحيدة

لكن أضرار الازدحام المروري لا تقتصر على إضاعة الوقت؛ إذ يمكن أن يؤثّر سلباً على الصحة بسبب تلوث الهواء الناجم عن تحرّك السيارات بسرعات منخفضة. قدّر الباحثون في إحدى الدراسات أن الانبعاثات الناجمة عن سيارات الركاب ترتفع بنسبة تصل إلى 200% خلال ساعات الذروة، ما يزيد من تركيز المواد الملوثة للهواء في المناطق المحيطة بالطرق السريعة. يؤثر هذا التلوث في الكثير من الأشخاص؛ إذ يُقدّر أن أكثر من 11 مليون أميركي يعيشون في مناطق تبعد مسافة أقل من 150 متراً عن الطرق السريعة.

اقرأ أيضاً: حلول مبتكرة في مجال الطاقة لتقليل التلوث الذي تتسبب به سفن الشحن

قالت الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراة في علم الأوبئة بجامعة بوسطن، ماري ويليس (Mary Willis)، لموقع بوبساي (PopSci، العلوم للعموم): “ازداد التأخير الناجم عن حركة المرور باطّراد في جميع أنحاء الولايات المتحدة منذ ثمانينيات القرن الماضي. مع ذلك، لا نعرف سوى القليل عن تأثير تأخير حركة المرور في الصحة العامة”.

ويليس هي المؤلفة الرئيسية لدراسة نُشرت بتاريخ 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2022 في مجلة ساينس أدفانسيس، والتي نظرت في تأثير الازدحام المروري في حالة صحية محددة، وهي وزن الرضّع عند الولادة. قالت ويليس: “على الرغم من وجود الكثير من الآثار الصحية التي كان بإمكاننا دراستها، فإن انخفاض الوزن عند الولادة له أهمية خاصة لأنه يمكن أن يؤدي إلى عواقب فورية، مثل صعوبة التنفس، وإلى مشكلات طويلة المدى تستمر مدى الحياة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والأضرار على القدرة الإدراكية”. تمكن فريق الباحثين في هذه الدراسة من إيجاد علاقة بين الازدحام المروري ونتائج الحمل في الأحياء القريبة من الطرق السريعة في الولايات المتحدة. وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الربط بين هاتين الظاهرتين.

الازدحام المروري وانخفاض وزن الرضع عند الولادة

درست ويليس وزملاؤها العلاقة بين الازدحام المروري ونتائج 579122 ولادة حصلت بين عامي 2015 و2016 في المنازل التي تبعد مسافة 500 متر عن الطرق في ولاية تكساس. وجد الباحثون ارتباطاً وثيقاً بين الازدحام المروري وانخفاض أوزان المواليد وفقاً لهذه البيانات؛ إذ انخفضت أوزان المواليد بمقدار متوسطه 9 غرامات في الخُمس الأعلى من فترة التعرض للتأخير الناجم عن حركة المرور، وذلك بعد أخذ الاختلافات الفردية والعوامل البيئية الأخرى التي تسهم في التعرض للتلوث بعين الاعتبار. تشير الدراسة إلى الحاجة لإجراء المزيد من الأبحاث لتحديد ما إذا كانت العوامل الاجتماعية والاقتصادية الأخرى (مثل التغذية والدخل وإمكانية الحصول على رعاية ما قبل الولادة وما إلى ذلك) التي لم تأخذها الدراسة بعين الاعتبار تؤثّر أيضاً على الارتباط بين تلوث الهواء والنتائج السلبية للولادة. تبيّن هذه الدراسة وجود ارتباط وثيق بين تلوث الهواء وانخفاض وزن الرضع عند الولادة. ولكن هذا لا يعني أن تلوث الهواء يتسبب بشكل مباشر في هذه الظاهرة؛ إذ إنه هناك الكثير من العوامل التي قد تؤدي دوراً أيضاً.

قالت ويليس: “إن الانخفاض الذي يبلغ 9 غرامات في متوسط الوزن عند الولادة ليس نتيجة مهمة من الناحية السريرية. ولكن هذه النتيجة تشير لوجود نوع ما من التأثيرات الحيوية، والذي قد يجعل الأطفال أكثر عرضة للتأثيرات السريرة السلبية الأخرى”، وأضافت: “عندما نضرب هذا الرقم بنسبة 27% التي تعبّر عن عدد الأطفال الذين يولدون في مناطق الازدحام الشديد، سيقابل هذا الانخفاض الطفيف في وزن المواليد عواقب قد تكون خطيرة على مستوى السكان، وقد تؤثر في ما يصل إلى 1.3 مليون طفل سنوياً”.

طريقة جديدة لقياس التلوث الناجم عن الازدحام المروري

وفقاً لويليس، إن إحدى النتائج المفاجئة لهذه الدراسة هي إيجاد طريقة جديدة تماماً لقياس مقدار التعرض للتلوث الناجم عن التأخير المروري. وهي طريقة لا تتعلق أبداً بالانبعاثات الناجمة عن عوادم السيارات. بدلاً من ذلك، يتعلق هذا المقياس الجديد بالتأخير الناجم عن حركة المرور فقط. قالت ويليس: “يستطيع مهندسو المرور والمخططون الحضريون تحليل هذه البيانات لتحديد المناطق التي تكون فيها سرعات السيارات أقل من المتوقع، وهو عامل يشير إلى مقدار الازدحام المروري والتأخير الناجم عنه. استخدمنا في الدراسة البيانات التي تم تجميعها من السيارات المتصلة بنظام تحديد المواقع العالمي لقياس تأخير حركة المرور، وهو إجمالي ساعات التأخير على مستوى الأفراد على الطرق القريبة من المناطق التي تعيش فيها الأمهات”.

اقرأ أيضاً: حلول مبتكرة في مجال الطاقة لتقليل التلوث الذي تتسبب به سفن الشحن

يتم تحديد مقدار الانبعاثات من عوادم السيارات المسموح به من قبل الحكومة الفيدرالية. مع ذلك، يعتمد حل مشكلة الازدحام المروري على التغييرات في السياسات المحلية. على الرغم من أن هذه الدراسة لم تبحث في كيفية إجراء هذه التغييرات، تبيّن بعض الدراسات أن الخطوات البسيطة مثل بناء الحواجز الصوتية أو الحواجز النباتية وتحديث قوانين التقسيم النطاقي بهدف منع بناء المدارس أو دور الحضانة بالقرب من الطرق السريعة يمكن أن تكون مفيدة.

يعتبر توسيع الطرق السريعة أحد الإجراءات التي لها تأثير عكسي. قال الأستاذ المساعد في تخطيط المدن والتخطيط المناطقي في جامعة كورنيل، نيكولاس كلاين (Nicholas Klein)، في مقابلة مع موقع بوبساي في أغسطس/ آب 2022: “حاول المسؤولون الأميركيون لعقود من الزمن حل هذه المشكلة من خلال توسيع الطرق السريعة”، وأضاف: “هذا الحل ليس فعالاً لأنه يزيد من معدل استخدام الطرق السريعة. عندما تزداد سعة الطرق، يتغيّر سلوك مستخدميها”. قال كلاين إنه إذا علم الأشخاص أن الطرق أصبحت أكثر اتساعاً، فسيغيرون سلوكهم من خلال اتخاذ قرار بقيادة سياراتهم بدلاً من استخدام وسائل النقل العام.

لا يتعرض جميع السكان للازدحام المروري بشكل متساوٍ. قالت ويليس: “ندرس حالياً التباينات الاقتصادية والاجتماعية والعرقية بين الأشخاص الذين يتعرضون للتأخير المروري”، وأضافت: “نحن مهتمون تحديداً بالطريقة التي تغيّرت فيها هذه التباينات بمرور الوقت مع حدوث النمو الحضري والتحسينات في المناطق الحضرية”.