Reading Time: 6 minutes

يمكن القول إن تناول الطعام هو إحدى أكثر التجارب الممتعة التي نختبرها. إن شم رائحة طبقك المفضل، أو تناول قضمة واحدة من الحلوى التي تفضلها يمكن أن يغمرك على الفور بالعواطف: السعادة والراحة والفرح الخالص. إذا كنت تعتقد أن تجربة الأكل لا يمكن أن تتحسن، ففكّر مرةً أخرى: يمكنك بالفعل تحسين الشم والتذوق من خلال تدريب نفسك على اكتشاف المزيد من الروائح والنكهات والتعرّف عليها.

حتى إذا فقدت القليل من حساسيتك بسبب التقدّم بالعمر أو التحسس أو الفيروسات؛ تذكّر أنه يمكنك دائماً استعادة القليل من هذه الحساسية ببذل القليل من الجهد، وبالصبر، وعن طريق الكثير من الاستنشاق. قد يتطلّب الأمر قليلاً من الممارسة؛ لكنه ليس صعب التحقيق، وبالتأكيد لن يستغرق وقتاً طويلاً كما تعتقد.

تقول «بام دالتون»؛ كبيرة علماء الحسية الكيميائية في مركز «مونيل كيميكال سينسز» في فيلادلفيا: «لن تتعزز حواس الشم والتذوق خاصتك بشكلٍ هائل خلال أسبوع»، وتضيف: «لكننا نلحظ زيادات وانخفاضات في الحساسية في غضون أسبوع».

العلاقة الوثيقة بين التذوق والشم

يجعل تموضع فمك مباشرة تحت أنفك نظاميّ حاستيّ الشم والتذوق متشابكَين بشكل وثيق، لدرجة أن هاتين الحاستين عادةً ما تعملان بالترافق؛ يعود هذا إلى قدرتنا على الشم خارجياً (الشم عن طريق الخياشيم) وداخلياً (الشم الخلف أنفيّ).

أولاً؛ نحن نشم من خلال أنوفنا. في أي وقت تحرك أنفك بالقرب من زهرة أو طبق مشبع بالبخار من البطاطس المقلية، فإنك تتنفس الجزيئات من خلال أنفك، وتسحبها إلى «الظهارة الشميّة» (أو النسيج الطِلائي الشمّي)؛ وهي رقعة من مستقبلات الرائحة التي تحول المنبّهات إلى إشارات عصبية تنتقل على طول السبيل الشمي في طريقها إلى الدماغ.

ولكن هناك طريق مختصر يؤدّي إلى الظهارة الشميّة. الأنف والفم مرتبطان عن طريق الممرات الهوائية؛ مما يعني أن القليل من كل ما نمضغه ونبتلعه يأخذ طريقاً سريعاً مباشرةً إلى تلك المجموعة الحساسة جداً من مستقبلات الرائحة عندما نبتلع الطعام.

تقول دالتون: «يعتقد معظم الناس عندما يأكلون أو يشربون شيئاً ما أن هذا الإحساس هو طعم، بينما في الحقيقة، فإن نسبةً كبيرةً منه هي رائحة». تشرح دالتون أن ما يصل إلى 80% من الإحساسات التي نشعر بها عندما نتناول الطعام، تنتج عن منبهات شميّة وليس منبهات متعلقة بالنكهات.

جميع الآليات الواردة في القائمة أدناه فعّالة في تحسين الشم والتذوق اعتماداً على الطريقة التي تستخدم فيها هاتين الحاسّتين. مع ذلك، فإذا قررت أن تطبّق واحدةً فقط؛ ننصح بأن تركز جهودك على تقوية مستقبلات الشم لديك.

تقول دالتون: «نظام التذوّق لدينا محدود من ناحية نوعيّات الذوق؛ إذ أنه يشمل الطعوم الحلوة، المالحة، الحامضة، المرّة والطعوم الـ «أومامي» (وهي إحدى الطعوم الأساسية التي نشعر بها عن طريق المستقبلات التي تتنبّه لمركّبات الغلوتامات). في حين أن نظام حاسة الشم يمكن أن يتحسس 100,000 نوعية مختلفة من الروائح، لذلك فهو أكثر تعقيداً».

قبل الشروع في رحلة تحسين الشم والتذوق، يجب أن تعرف أن ليس هنالك الكثير من الطرق لتحسينهما. مهما حاولت، فلن تصبح حاسة الشم لديك بقوة نظيرتها عند كلاب الصيد مثلاً، ويعود هذا إلى أننا مقيّدون بقدرات أجسادنا، وهي قدرات تسمّيها دالتون «أجهزة الجسم».

للأسف؛ لا يمكنك الذهاب إلى المتجر وشراء أنف يحتوي على المزيد من المستقبلات الشمية، أو لسان ذي حساسية أعلى للنكهات. ما يمكنك القيام به هو تغيير الوصلات العصبية في دماغك بطريقة تجعلك تتعرّف على المحفزات الحسية بسهولة أكبر.

نصائح من أجل تحسين الشم والتذوق

1. سجّل ملاحظات

يعدّ تدوين الملاحظات إحدى أسهل الأشياء التي يمكنك القيام بها لتحسين الشم والتذوق، ويتطلب منك الحصول على دفتر ملاحظات فقط.

ابدأ بتخصيص أوقات في حياتك اليومية للانتباه للروائح المحيطة بك؛ أغمض عينيك واستنشق وحاول تحديد هذه الروائح. بمجرد القيام بذلك، استلّ دفتر يوميات الروائح الخاص بك وقم بوصف الرائحة التي شممتها (جيدة أو سيئة) بأكبر قدر ممكن من التفاصيل. أن تصبح أكثر وعياً بالروائح التي الموجودة في الخلفية سيساعد دماغك على تصنيفها بسهولة أكبر في المرة التالية التي تظهر فيها.

يمكنك أن تفعل الشيء نفسه مع الطعام. عندما تأكل شيئاً لم تحضره بنفسك، أغلق عينيك وحاول التعرف على ووصف جميع العناصر التي تتذوقها. إذا اكتشفت شيئاً لا تعرف ما هو، فاسأل النادل أو الطاهي عنه – سيساعدك هذا على فهم النكهات الجديدة وتوسيع مجال العناصر التي يمكنك الشعور بها. إذا كنت تأكل شيئاً حضّرته أو ساعدت في تحضيره، فحاول مراجعة قائمة المكونات في رأسك وأنت تحاول التعرف على جميع النكهات.

«جييون هان»؛ وهي خبيرة شم وإحدى مؤسسي شركة «بين آند بين»؛ وهي شركة لتحميص البن في مدينة نيويورك، تفعل أكثر من ذلك حتى.

تقول هان: «تذوق أكبر عدد ممكن من أنواع الأطعمة والمشروبات المختلفة. إذا لم أكن قد تذوّقت الفواكه الاستوائية مثل الليتشي مثلاً، فلن أتمكن من ربط طعم أو رائحة معينة معها». وفقاً لتجربتها؛ ساعدها الشعور بالفضول وتجريب المأكولات والأطعمة الجديدة في تحسين مهاراتها كذوّاقة قهوة محترفة.

إن كتابة وصفك الخاص للرائحة أو الطعم، وللمشاعر التي تجعلك تشعر بها، ومصدر الرائحة أو الطعم وشدتها، وأي شيء آخر لفت انتباهك، تساعدك على تحويل تجربتك إلى ذاكرة أكثر واقعيةً. عندما تكون لديك نية لتدوين شيء ما –خاصةً في الكتابة باليد فإنك تعزز الارتباط العقلي به.

2. أعد ضبط حواسك

منزل طفولتك له رائحة مميزة. من المرجح أنك لم تدرك ذلك عندما كنت تعيش فيه؛ ولكن بعد خروجك منه، تضربك هذه الرائحة في كل مرة تزور منزلك بها مثل المطرقة في اللحظة التي تفتح فيها الباب الأمامي.

تقول دالتون: «يعمل الأنف جيداً في البيئات الديناميكية، إنه كاشفٌ للفروق»، وتضيف: «السبب في تكيفنا مع المحيط؛ والذي يتمثّل في عدم قدرتنا على شم أية رائحة لأكثر من 30 ثانية إلى دقيقة عادةً، هو أن الأنف يُفترض أن يستشعر التغيّرات، وليس الروائح التي تبقى كما هي».

تصبح أنوفنا غير حساسة للروائح التي نشمّها لفترة من الوقت؛ وهو أمر يمثّل مشكلةً إذا كنت تمارس تذوّق النبيذ، أو إذا كانت وظيفتك تتطلب منك أن يكون لديك حاسة شم حادّة بشكل خاص. كلما شعرت أن الروائح من حولك أصبحت خفيفة، قم بشم رائحة قوية أو مألوفة حتى تعيد ضبط أنفك. هذا هو السبب في وضع أوانٍ صغيرة تحتوي على مسحوق القهوة في متاجر العطور. إن شم رائحة إحدى تلك الأواني وأنت محاط بخليط غير متجانس من الروائح يماثل الوقوف وسط حشد صاخب وجعل الجميع يصمتون في الحال باستثناء شخص واحد .

لكنك لن تجد مثل هذه الأواني في كل مكان، وهذه هي المرحلة التي تلعب فيها رائحتك الخاصة دوراً مهمّاً. إن شَمّ رائحة جسمك؛ وهي أكثر الروائح المألوفة التي يمكنك شمها، ستساعدك على إزالة كل رائحة أخرى والتركيز على رائحة واحدة. هذه تقنية يستخدمها صانعو العطور وسقاة النبيذ بشكل منتظم، حتى لا تُغمر أنوفهم بالروائح في جلسات التذوّق. أفضل طريقة للقيام بذلك هي دفن أنفك في الجزء الداخلي من كوعك والاستنشاق لبضعة مرات – هذا بمثابة إعادة ضبط فوري لحاسة الشم.

عندما يتعلق الأمر بالذوق، ستحتاج إلى ما يدعى بـ «منظّف ذوقيّ»؛ وهي الأطعمة ذات النكهة المحايدة التي تساعدك على إعادة ضبط براعمك الذوقية لتناول طبق جديد. اعتماداً على ما تأكله؛ يمكنك اختيار أطعمة مثل البسكويت والمشروبات الحمضية وحتى الزنجبيل المخلل.

تقول هان أن هذا هو بالضبط ما يفعله ذوّاقو القهوة قبل جلسات التذوّق؛ إذ تشرح قائلةً: «سأتناول وجبةً خفيفة النكهة قبل تذوّق القهوة أو بين الجلسات، كما أني أتجنب الأطعمة الحرّيفة أو الأطعمة والمشروبات ذات النكهات الحادّة».

مع ذلك؛ بالنظر إلى كم تعتمد خبرتك في الطهي فعلياً على حاسة شمّك، فلا ضير في إعادة ضبط نظام حاسة شمك أيضاً قبل وجبتك التالية.

3. حافظ على دفء ورطوبة أنفك

تعمل أنوفنا بشكل أفضل عندما يكون الجو دافئاً ويكون الهواء بمستوىً معين من الرطوبة. عندما يكون الهواء جافاً وبارداً جداً، لا يؤدي الأنف وظائفه بشكل جيد. الباحثون ليسوا متأكدين تماماً من سبب ذلك؛ لكنهم يعتقدون أن الأمر ربما يتعلق بالمخاط.

توضح دالتون قائلةً: «يحتوي مخاط الأنف لدينا على إنزيمات يمكنها تفكيك جزيئات الرائحة، وهذه إحدى وظائفها»، وتضيف: «ولكن أنوافنا يمكنها أيضاً حبس الروائح والاحتفاظ بها بطريقة تجعلك تشم رائحة ما على الرغم من أنك لم تعد في البيئة نفسها، وذلك لأن جزيئات تلك الرائحة تواصل الارتباط بالمستقبلات».

هذه الخاصية هي سيف ذو حدين، ويمكن أن تؤثر سلباً على قدرتك على التعرف على الروائح الموجودة بالفعل حولك. تقول دالتون أن الروائح أيضاً لا تكون ظاهرة للغاية في البيئات الجافة والباردة، وذلك لأن الجزيئات لا تكون متطايرةً للغاية في تلك الظروف.

4. أقلِع عن التدخين

ليس من المستغرَب أنه كلما كانت صحّتك أفضل، ستتمكن من الشم والتذوق بشكل أفضل. باتباع تشبيه الأجهزة الجسدية سابق الذكر، فإن هذا يعادل التحديث المستمر لحاسوبك وصيانته عندما يحتاج إلى مهارة احترافية.

تُهيج جميع الملوثات مستقبلات الشم ويمكن أن تؤثر سلباً على قدرتك على التعرف على الروائح. نظراً لأن التدخين يوصل الملوثات إلى المجاري الهوائية خاصتك مباشرةً، فإن الخيار الأفضل هو الامتناع عنه. تقول دالتون إنه لا تزال هناك حاجة لإجراء أبحاث لمعرفة ما إذا كان للتدخين الإلكتروني تأثير مماثل؛ لكنها تضيف أن الأشخاص الذين أقلعوا عن التدخين أفادوا أنهم يستمتعون بالنكهات بشكل أفضل بكثير.

5. اختبر نفسك

إذا كنت تريد أن تصبح محترفاً في الشم، فافعل ما يفعله المحترفون – تدرّب. تقول دالتون: «يقضي صانعو العطور بضع سنوات لا يفعلون شيئاً سوى شم جزيئات مفردة ثم وضعها في خليط أكثر وأكثر تعقيداً حتى يتمكنوا من فهم كيفية تفكيك عطر مركّب للغاية».

قبل أن تحاول تحليل رائحة فاكهة البرغموت أو الروائح المُركّبة لعطرك المفضّل، يمكنك أن تحاول التدرّب على شيء أبسط مثل الزيوت العطرية. حضّر بضع مرات في الأسبوع مجموعة من الروائح، وأغمض عينيك واستنشق كل واحدة على حدى عن طريق شمّها لمدة لا تزيد عن 30 ثانية. فكر في الرائحة وصفها واستوعبها، يمكنك بعد ذلك اختبار نفسك ومعرفة ما إذا كان يمكنك التعرف على الروائح دون النظر إلى الزجاجات. في وقت قياسي، ستتمكن من تصنيف مكونات الخلائط باستخدام اثنين أو أكثر من أنواع الزيوت الأساسية، وعندما تشعر بأنك جاهز، تحدَّ نفسك باستخدام مركبات أكثر تعقيداً.

بالنسبة للتذوّق، فيمكنك تطبيق نفس المبدأ. ابدأ بتذوق الأطباق المعروفة أثناء سد نظامك الشمي (عن طريق ملقط الأنف مثلاً). لن تعطل قدرتك على الشم داخلياً؛ ولكن على الأقل ستتمكن من إضعاف المحفزات بما يكفي لتحديد النكهة قدر الإمكان – سيسمح لك ذلك بتحسين ذوقك والشعور بنكهات الطعام والشراب بطريقة مختلفة تماماً.

تقول دالتون أن حاستيّ الشم والذوق لدينا تتمتّعان بالمرونة، لذلك بغض النظر عن الطريقة التي بدأت بتطبيقها؛ يمكنك دائماً تدريب دماغك على القيام بحيل جديدة.

اقرأ أيضاً: كورونا أو المسببات الأخرى: علاج فقدان حاستيّ الشم والتذوق

هذا المقال من «بوبيولار ساينس»، علماً أن المقال المنشور باللغتين (العربية والإنجليزية) محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

الوسوم: لايف ستايل