هل حان الوقت لتغيير الطريقة التي نتكلّم بها عن تطوّر البشر؟

تطور البشر
حقوق الصورة: شتر ستوك/ غورودينكوف
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

اقترح العلماء هذا الأسبوع، في محاولة لإلقاء الضوء على السؤال الغامض للغاية المتعلّق بالتسمية التي نطلقها على أسلافنا القدامى، أنه يجب اعتبار جمجمة متحجرة مكتشفة في إثيوبيا في سبعينيات القرن الماضي نوعاً جديداً تماماً في تاريخ تطور البشر.

اقرأ أيضاً: هكذا تطور البشر: إلى أي اتجاه سيأخذنا التطور في المستقبل؟

ضرورة الابتعاد عن الافتراضات القديمة بشأن تقسيم البشر

في دراسة نُشرت في 28 أكتوبر/تشرين الأول في دورية «مراجعات وأخبار قضايا الأنثربولوجيا التطورية» (Evolutionary Anthropology Issues News and Reviews)، قارن الباحثون السمات التشريحية في أحافير أشباه البشر (وهي مجموعة تشمل البشر الحاليين وأقاربهم المنقرضين المقربين) التي وجدت في إفريقيا وأوروبا وآسيا. خلُص الباحثون إلى أنه يجب الاستغناء عن افتراض وجود نوعين معترف بهما حالياً، وأن البقايا التي يبلغ عمرها 600,000 عام، والتي وجدت في إثيوبيا، جنباً إلى جنب مع العديد من العينات الأخرى، يجب تصنيفها كنوع جديد أطلقوا عليه اسم «هومو بودينسس».

ليس كل العلماء مقتنعين بوجود حاجة لتسمية نوع جديد، ففي النهاية، لا تمثل أي من هذه العينات سلالات لم تُدرس من قبل. مع ذلك، وكما يحاجج الباحثون في الورقة الجديدة، فإن التغييرات يمكن أن تساعد الباحثين في كشف أسرار فترة غامضة من تطور البشر والاستغناء عن مصطلحات سابقة لها معان مبهمة وترتبط بموروثات عنصرية.

تقول «ميريانا روكساندك»، عالمة الأنثروبولوجيا القديمة في جامعة وينيبيغ في مانيتوبا والمؤلفة المشاركة للورقة الجديدة: «لقد أصبحنا ندرك بشكل متزايد أن هذه المجموعات تنقّلت بالفعل وتفاعلت مع بعضها، ولهذا السبب، من المهم أن يكون لدينا طريقة مناسبة للتحدث عنها»، وتضيف: «يفتح هذا المجال حقاً للحديث عن الجماعات التي كانت تنتقل ومتى كانت تنتقل، وماذا حدث لها عندما انتقلت، ومَن الجماعات التي تفاعلت بالفعل مع غيرها من الجماعات».

ركزت روكساندك مع زملائها على أشباه البشر الذين عاشوا خلال العصر البليستوسيني الأوسط، والذي امتد من 774000 إلى 129000 سنة مضت. على الرغم من أن علماء الأنثروبولوجيا القديمة يشيرون إلى أشباه البشر على أنهم أنواع مختلفة، إلا أنهم لا يقصدون بالمصطلح ما يفكّر به معظمنا عادةً. توضح روكساندك: «هذه الجماعات تفاعلت، وتزاوجت، ولا يمكن اعتبارها أنواعاً بيولوجية محددة». بدلاً من ذلك، يُستخدم المصطلح لوصف مجموعات من أشباه البشر ذات سمات تشريحية متشابهة جداً.

اقرأ أيضاً: هل يتعارض كونك لطيفاً مع نظرية التطور؟

تطور البشر لم يكن بالسهولة التي تمكننا من الربط بين الأنواع المختلفة

تظهر هذه الاختلافات بشكل أكثر وضوحاً في بعض مجموعات أشباه البشر أكثر من غيرها. تقول روكساندك إن أحافير الإنسان البدائي الأوروبي (النياندرتال) من هذه الفترة تختلف في نواحٍ عديدة عن الإنسان الحديث. مع ذلك، فإن العديد من حفريات أشباه البشر الأخرى تبدو متشابهة جداً، مما يجعل تحديد كيفية ارتباطها ببعضها البعض ومع الإنسان العاقل أمراً صعباً.

يقول «جون هوكس»، عالم الأنثروبولوجيا في جامعة ويسكونسن-ماديسون، والذي لم يشارك في البحث الجديد، أنه في الماضي، غالباً ما كان يُفترض وجود أنواع جديدة على أساس اكتشاف عدد قليل من الأسنان أو أدلة مجزأة أخرى. أحد الأمثلة على ذلك هو «إنسان هايدلبيرغ» (هومو هايدلبيرجينسِس)، والذي سُمي نسبة لعظمة من عظام الفك وُجدت في حفرة من الحصى في ألمانيا في أوائل القرن العشرين.

بعد ذلك، وفي العقود اللاحقة، وُضعت العديد من الحفريات التي لا يبدو أنها تتناسب مع سمات الإنسان البدائي أو الإنسان الحديث أو سلفنا «الإنسان المنتصب» (هومو إريكتوس) في نفس فئة إنسان هايدلبيرغ. تقول «شارا بايلي»، عالمة الأنثروبولوجيا البيولوجيّة ومديرة مركز دراسة الأصول البشرية في جامعة نيويورك: «سُمي إنسان هايدلبيرغ نسبة لفكّه السفلي، ولم نكن نعرف أبداً شكل رأس أو وجه هذا الإنسان»، وتضيف: «إنها عملياً فئة تمثّل فئة سلة المهملات».

اقرأ أيضاً: نعم، البشر مستمرّون في التطور

إنسان روديسيا: في دلالةٍ على وجوب التخلي عن هذه الأسماء

تقول روكساندك إن هذا الأمر تسبب باللبس بالفعل، إذ أن مصطلح «إنسان هايدلبيرغ» يُستخدم أحياناً للإشارة عموماً إلى أشباه البشر من العصر البليستوسيني الأوسط، وفي سياقات أخرى، فهو يُستخدم للإشارة إلى عينات مختلفة موجودة في أوروبا. تُحاجج روكساندك وزملاؤها بأن الوقت قد حان للتخلي عن الاسم تماماً، نظراً إلى أن الأدلة الوراثية الحديثة تشير إلى أن العديد من الحفريات التي تُعتبر حالياً أنها ترجع لإنسان هايدلبيرغ تعود في الواقع إلى جماعات قديمة من الإنسان البدائي.

ثم هناك مشكلة «إنسان روديسيا»، والذي اكتُشف لأول مرة عند إيجاد جمجمة في زامبيا في عشرينيات القرن الماضي. يُستخدم المصطلح أحياناً للإشارة إلى سلف مشترك للإنسان العاقل والإنسان البدائي، ولكن يمكن أن يشير أيضاً إلى جميع سلالات أشباه البشر الممثلة في العصر البليستوسيني المتأخر. لكن نادراً ما يُستخدم هذا المصطلح في أي من السياقين، وذلك بسبب ارتباطه بالفظائع التي ارتُكبت في ظل الحكم الاستعماري البريطاني في منطقة روديسيا (الآن زامبيا وزيمبابوي). لهذه الأسباب، وحسب ما كتبه فريق روكساندك في الدراسة الجديدة، يجب الاستغناء عن هذه التسمية.

تقول روكساندك: «إن إنسان بودينسِس يملأ الفراغ الذي تركه إنسان روديسيا». اختار الباحثون الجمجمة الغامضة من إثيوبيا لتمثيل الأنواع في وصفهم. ومع ذلك، فهم يعتبرون أيضاً أن الجمجمة الزامبيّة والعديد من مجموعات الحفريات الأخرى من إفريقيا، وربما شرق البحر الأبيض المتوسط أيضاً، تنتمي إلى نوع هومو بودينسس.

ما الذي يميز الهومو بودينسس

مثل الإنسان البدائي وبعض أشباه البشر الآسيويين من العصر البليستوسيني الأوسط، يبدو أن هومو بودينسس يمتلك دماغاً متضخماً، وهو تطور حاسم على طريق الإنسان الحديث. يقترح الباحثون أنه من المحتمل أن يكون هذا النوع هو أول من انفصل عن السلف المشترك لهذه الأنواع، كما يقترح الباحثون أن الفرع الآخر (الذي بقي بعد انفصال هومو بودينسس) تفرّع لاحقاً بدوره إلى الإنسان البدائي ومجموعة تسمى «دينيسوفا» وُجدت أحافيرها في آسيا.

السمة الأكثر تميّزاً لهومو بودينسس هي حافة الجبين المقسمة إلى 3 أجزاء. تقول روكساندك أنه لا توجد أفضلية تطورية واضحة لامتلاك أشكال مختلفة للجبين، لكن هذه المنطقة تختلف بالفعل بين الأنواع المختلفة من أشباه البشر. كان لدى الإنسان البدائي جبين سميك ومنحني، بينما عند الإنسان الحديث، فالجبين أقل بروزاً والجوانب أقل انحناءً.

كخطوة تالية، تخطط روكساندك مع زملائها للتحقيق فيما إذا كان يمكن إرجاع الحفريات التي وجدت في أوروبا وآسيا إلى هومو رودينسس. وهو أمر يمكن أن يكشف ما إذا انتقلت جماعات من هذا النوع من إفريقيا ومتى فعلت ذلك.

تقول روكساندك: «من الصعب حقاً فهم ما حدث في تلك الفترة الزمنية من ناحية التطور البشري ما لم ننظر إليه من وجهة نظر شاملة للغاية».

اقرأ أيضاً: هكذا تطور البشر: إلى أي اتجاه سيأخذنا التطور في المستقبل؟

ما قيمة الاسم في النهاية؟

يوافق هوكس على أن النوعين اللذين اقترحت روكساندك وزملاؤها التخلي عنهما يمثلان «مشكلة».

يقول هوكس: «هذه أسماء مربكة، ولها تواريخ سوداء، وسيكون من الأفضل لو كان لدينا أسماء يمكن بالفعل اختبارها [علمياً] ويمكن أن تُطبّق بمعنى نكون جميعاً على استعداد لاستخدامه».

مع ذلك، فهو يفضل حلاً مختلفاً. يقول هوكس: «تزاوجت هذه الجماعات مع بعضها البعض، ويبدو أنها تنتمي جميعاً إلى نفس النوع، واسم هذا النوع هو الإنسان العاقل»، ويضيف: «لماذا لا نعتبر أنهم من نفس النوع، وأن كل هذه الأحافير التي تعود إلى سلف مشترك واحد هي تمثيلات مختلفة لهذا النوع الذي يتطوّر؟».

بايلي أيضاً غير متأكدة من أن هومو بودينسس يزيل الغموض عن هذه المرحلة من التطور البشري. تقول بايلي أنه نظراً لأن الحفريات تبدو وكأنها تنتمي إلى سلف مباشر للإنسان العاقل، «لماذا لا نطلق على هذا الإنسان اسم الإنسان العاقل القديم؟»

مع ذلك، تفيد بايلي بأن الورقة الجديدة تقدم محاججة مقنعة للتخلي عن أسماء مثل إنسان هايدلبيرغ وإنسان روديسيا. وتضيف: «كما أن هذه الورقة توفر للقراء لمحة نوعاً ما عن مدى تعقيد التطور البشري، وأنه ليس [عملية] متسلسلة تطوّرنا وفقها لنصبح إنساناً عاقلاً فجأة».

تكشف الأسماء التي نطلقها على أشباه البشر القدامى الطريقة التي نتصور فيها موقعهم في شجرة عائلتنا، وما الذي يجعل البشر اليوم فريدين من نوعهم. تقول بايلي: «هذا ما يهتم به الناس: ماذا يعني “بشر”، ومتى ظهر نوعنا، ومتى حصلنا على السمات التي نعتقد أنها تميّزنا؟».

Content is protected !!