ما هو التفسير العلمي لصعوبة سحق الذباب؟

4 دقائق
ما هو التفسير العلمي لصعوبة سحق الذباب؟
بدلاً من محاولة سحق الذباب، يعتبر استخدام الوسائل الأخرى مثل تركيب الفِخاخ وتنظيف الأماكن التي تجذب هذه الحشرات الخيار الأفضل. ديبوزت فوتوز
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يشعرك الجلوس في الهواء الطلق خلال أمسيات الصيف بالاسترخاء دائماً حتى تصل الحشرات مثل الذباب والبعوض. على الرغم من أنها تمتلك عيوناً صغيرة وأدمغة أصغر بمليون مرة من أدمغة البشر، فإن الذباب يستطيع تجنّب السحق في معظم الأحيان.

تعود قدرة الذباب على تجنّب ضربات البشر بسرعة ورشاقة إلى سرعة وتطور عيون هذه الحشرات وبعض الخصوصيات في أجهزتها العصبية.

يدرس مختبرنا طيران الحشرات وحواسها البصرية بهدف اكتشاف الطريقة التي تتمكن فيها هذه الكائنات الصغيرة من معالجة المعلومات البصرية لاتباع سلوكيات صعبة مثل تجنّب المِذبَّات بسرعة كبيرة.

حاسة بصر سريعة

يمتلك الذباب عيوناً مركّبة. بدلاً من تجميع الضوء من خلال عدسة واحدة تولّد الصورة بأكملها (وهي الطريقة التي تعمل بها عيون الإنسان)، يشكّل الذباب الصور من سطيحات بصريّة متعددة، وهي عدسات إفرادية عديدة تركّز الضوء في تجمّعات من المستقبلات الضوئية، وهي الخلايا المستشعرة للضوء الموجودة في عيون الذباب. ينتج كل سطيح بصري بكسلاً واحداً في الصور التي يراها الذباب.

يرى الذباب العالم بدقة منخفضة للغاية لأن الرؤوس الصغيرة لهذه الحشرات لا تتسع إلا لعدد قليل من السطيحات يبلغ عادة بضع مئات إلى آلاف السطيحات. كما أن الذباب لا يمتلك أي آلية تزيد من دقة حاسة البصر الخاصة فيه مثل تلك التي يمتلكها البشر والتي تمكّنهم من رؤية ملايين البكسلات. لكن على الرغم من انخفاض هذه الدقة، يرى الذباب العالم حوله ويعالج الحركات السريعة بسرعة كبيرة للغاية.

يمكننا أن نستنتج الطريقة التي تدرك فيها الحيوانات الحركات السريعة من سرعة معالجة مستقبلاتها الضوئية للضوء. يتحسس البشر نحو 60 ومضة ضوئية منفصلة في الثانية الواحدة كحد أقصى. وتظهر أي ومضات ضوئية أسرع كضوء مستمر بالنسبة لنا. تعتمد القدرة على رؤية الومضات الضوئية المنفصلة على ظروف الإنارة والجزء من الشبكية الذي يتحسس الضوء.

اقرأ أيضاً: يرقات الذباب والطحالب قد تمثّل طعام المستقبل

على سبيل المثال، تصدر بعض الأضواء الثنائية الباعثة للضوء (إل إي دي) ومضات منفصلة من الضوء بسرعة كبيرة لدرجة أنها تظهر كضوء مستمر بالنسبة للبشر، إلا إذا أدرت رأسك في أثناء النظر إليها. وإذا فعلت ذلك، ستلاحظ بسبب رؤيتك المحيطية ومضات منفصلة من الضوء. يعود ذلك إلى أن الرؤية المحيطية تعالج الضوء بسرعة أكبر ولكنها تنتج صوراً أقل دقة كما يفعل الذباب.

ما يلفت النظر هو أن بعض أنواع الذباب تستطيع رؤية ما يصل إلى 250 ومضة ضوئية في الثانية، أي نحو 4 أضعاف عدد الومضات التي يراها البشر في الثانية الواحدة.

إذا أخذت ذبابة إلى السينما، سيبدو الفيلم السلس الذي تشاهده ذو معدّل الإطارات الذي يبلغ 24 إطاراً في الثانية كسلسلة من الصور الساكنة بالنسبة للذبابة، وكأنه عرض شرائح. لكن تتيح هذه الرؤية السريعة للذباب الاستجابة بسرعة إلى الفرائس والعوائق والحيوانات المنافسة ومحاولاتك لسحقها.

يبين البحث الذي أجريناه أن الذباب يفقد القليل من قدرته على رؤية الحركات السريعة في ظروف الإضاءة الخفيفة. يبيّن ذلك أن سحق الذباب في الظلام قد يكون أكثر سهولة، لكن البشر أيضاً يفقدون قدرتهم على رؤية الأشياء السريعة في الظلام. لذلك، ربما أنك تتعرّض لنفس الإعاقات التي يتعرّض لها الذباب في هذه الظروف.

عندما تطير الحشرات مثل الذباب والبعوض في الظلام، فهي تتحرّك بشكل غير منتظم وفق مسارات ملتوية لتجّنب الضربات. تعتمد هذه الحشرات أيضاً على الأدلة غير البصرية مثل المعلومات التي توفّرها شعيراتها الصغيرة الموجودة على أجسامها والتي تتحسس التغيرات في تيارات الهواء عندما تبدأ حركتك لضربها.

طيران البعوض. المصدر: شركة إنتلكتشوال فينتشرز 

الحيل العصبيّة

لماذا تنخفض سرعة حاسة البصر لدى الذباب في الظلام؟ ربما لاحظت أن بصرك يصبح بطيئاً وضبابياً في الظلام، وأنك لا تتمكن من تمييز الألوان كثيراً. نفس الأمر ينطبق على الحشرات. يعني انخفاض الإضاءة انخفاض عدد الفوتونات الموجودة في الوسط. وكما هو الحال بالنسبة للكاميرات، تعتمد العيون على الفوتونات لتشكيل الصور.

لكن على عكس الكاميرات المتطورة التي يمكنك تبديل عدساتها بأخرى أكبر حجماً لتجميع المزيد من الفوتونات في ظروف الإضاءة المنخفضة، لا تستطيع الحيوانات تبديل أجهزتها البصرية. بدلاً من ذلك، تعتمد الحيوانات على آلية تحمل اسم التجميع، وهي آلية عصبيّة تجمع مدخلات البكسلات المتجاورة أو تزيد من الوقت الذي تجمّع فيه هذه البكسلات الفوتونات بهدف تشكيل الصور.

تلتقط البكسلات الأكبر حجماً أو تلك التي تتعرّض للضوء لفترة أطول عدداً أكبر من الفوتونات. ولكن يحدث ذلك على حساب دقة الصور. تكافئ آلية التجميع التقاط الصور الفوتوغرافية باستخدام الأشرطة الحساسة الحبيبيّة (والتي تتمتّع بحساسية أكبر للضوء) أو بخفض سرعة الغالق، ما ينتج صوراً أكثر ضبابية ولكن تبدو فيها العناصر المصورة معرّضة للمزيد من الضوء. لا يستطيع الذباب، وخصوصاً صغير الحجم، الرؤية في الظلام بنفس السرعة لأنه ينتظر بمعنى ما وصول الكمية الكافية من الفوتونات التي تجعله متأكداً من ماهية الأشياء التي يراها.

اقرأ أيضاً: هل ينقل البعوض فيروس كورونا؟ وماذا عن الذباب؟

المناورة في الطيران

بالإضافة إلى إدراك وجود التهديدات المجاورة بسرعة، يحتاج الذباب أيضاً إلى الطيران بعيداً في وقت بالغ القصر. ويتطلّب ذلك التحضير للطيران والقدرة على إجراء مناورات جوية سريعة. بعد إدراك وجود خطر قريب بصرياً، يعدّل ذباب الفواكه على سبيل المثال وضعيته خلال خُمس ثانية قبل الطيران. تنسّق الذبابات المفترسة مثل فصيلة العنتر (الذباب القاتل) حركات أرجلها وأجنحتها وأرسنتها (بقايا تطورية من الأجنحة تشبه الأثقال وتستخدم لتحسس دوران الجسم في الهواء) لالتقاط الفرائس في أثناء الطيران.

طيران الذباب. لاحظ الطريقة التي تعدّل فيها الذبابة وضعيتها قبل الطيران. المصدر: ذا نيويورك تايمز 

اقرأ أيضاً: سر الذباب: العين تعمل مع الأجنحة للطيران بسرعة

الطريقة الأفضل لسحق الذباب

للتفوق على ذبابة في المناورة، يجب عليك أن تضرب بسرعة أكبر من سرعتها في إدراك اقتراب يدك. مع التمرين، قد تزيد مهارتك. لكن الذباب طوّر مهاراته في الهروب عبر مئات الملايين من السنين. لذلك بدلاً من محاولة سحق الذباب، استخدام طرق أخرى للتعامل مع هذه الحشرات مثل تركيب الفخاخ وتنظيف الأماكن التي تجذبها هو الخيار الأفضل.

هروب ذبابة في التصوير البطيء. المصدر فلوريان مويجرس وآخرون، مجلة ساينس. 

يمكنك أن تستدرج الذباب إلى زجاجة ذات عنق ضيق مملوءة بخل التفاح والجعة. وضع قمع في القنينة يجعل دخول الذباب أسهل وخروجه أكثر صعوبة.

أما بالنسبة للبعوض، قد تكون بعض الطاردات التجارية نافعة. لكن إزالة المياه الراكدة في المنزل (مثل تلك الموجودة في أحواض النباتات أو الأوعية المفتوحة) سيمنعها من وضع بيوضها فيها ويقلل من عدد البعوض في المنزل. تجنّب استخدام المبيدات الحشرية لأنها تؤذي الحشرات المفيدة الأخرى مثل النحل والفراشات.